الرئيسية بلوق الصفحة 52

الجنرال جيمس جونز: القوة الوحيدة التي يخشاها النظام الإيراني هي منظمة مجاهدي خلق

موقع المجلس:
شهدت العاصمة الفرنسية باريس، يوم الأحد الموافق 21 يونيو 2026، انعقاد أعمال اليوم الثاني للمؤتمر العالمي السنوي إيران الحرة 2026، والذي حمل هذا العام شعارًا استراتيجيًا حاسمًا: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية. شارك في المؤتمرحشد غفير من كبار المسؤولين السياسيين، ومستشاري الأمن القومي السابقين، والجنرالات العسكريين والقادة السابقين لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالإضافة إلى وفود برلمانية رفيعة المستوى من البرلمان البريطاني، والبرلمان الأوروبي، وكندا، وإسبانيا، وبلجيكا، وفنلندا. وقال الجنرال جيمس جونز – مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق (2009-2010) والقائد الأعلى السابق لقوات الناتو في كلمته بالمؤتمر: وجود منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمقاومة المنظمة والمجلس الوطني للمقاومة، الذين يواصلون نضالهم بقيادة ديمقراطية ملهمة تمثلها السيدة مريم رجوي. إن هذه هي القوة الوحيدة التي يخشاها النظام حقاً، وهي تمثل أهم عناصر القوة المتوافرة لتحقيق التغيير.

وفيما يلي نص كلمة الجنرال جيمس جونز:

الجنرال جيمس جونز – مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق (2009-2010) والقائد الأعلى السابق لقوات الناتو

أود أن أبدأ بتوجيه الشكر للسيدة مريم رجوي وللمقاومة الإيرانية على جمعنا مرة أخرى في هذا اللقاء المهم للغاية. كما أود أن أعبر عن امتناني الشخصي للسيدة رجوي لذكرها زوجتي التي رحلت في السابع عشر من أكتوبر الماضي. أشكركم من أعماق قلبي، كما أن أفراد عائلتي يقدرون كثيراً هذه اللفتة الكريمة.

لقد استمعت أمس إلى كلمات عدد من الشخصيات البارزة التي شاركت في هذا التجمع على مدى سنوات، لكنني لم أسمع من قبل هذا القدر من الالتزام والمشاعر الصادقة والدعم القوي لإيران ومستقبلها. لقد كان ذلك مصدر إلهام كبير بالنسبة لي، وأشكر جميع المتحدثين على كلماتهم المؤثرة.

وأتوجه بتحية خاصة إلى الشعب الإيراني، ولا سيما إلى سكان أشرف الثالث الذين انتقلوا من أشرف الأول والثاني إلى أشرف الثالث. لقد مضى خمسة عشر عاماً وأنا أقف إلى جانبكم وأدعمكم، وأعرف حجم الآلام والمعاناة الرهيبة التي تحملتموها، كما أعرف أن المجتمع الدولي لم يمنح حتى الآن الاعتراف الذي تستحقه السيدة مريم رجوي والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية باعتبارهما البديل الحقيقي لمستقبل إيران.

كنت أنوي أن أبدأ كلمتي بتهنئة الجميع على النجاح الكبير الذي حققته تظاهرة الأمس، لكننا جميعاً عبرنا عن أسفنا لقرار الدولة المضيفة بمنعها، وهو قرار يمثل شكلاً من أشكال المساومة مع النظام الإيراني، وبالتنسيق مع شبكات الشاه، وهو أمر لا يخدم مستقبل إيران ولا يتوافق مع برنامج السيدة مريم رجوي ذي النقاط العشر.

رسالتي اليوم تتعلق بما ينتظرنا في المرحلة المقبلة. إن هذه المعركة لم تنته، بغض النظر عن عدد مذكرات التفاهم التي قد تُوقَّع أو التصريحات التي يطلقها القادة على شاشات التلفزيون. هناك من يعتقد أن النظام لم يسقط بعد، وأنه لا يزال يمتلك بعض القدرات، لكن الحقيقة أنه أصبح اليوم في أضعف مراحله منذ ما يقرب من نصف قرن.

إنه نظام يعاني انهياراً اقتصادياً، حتى إن العاصمة طهران تواجه أزمة مياه خانقة وانهياراً في الخدمات الأساسية. ولا نعرف على وجه اليقين من يقود النظام اليوم. بالأمس واليوم سمعنا تصريحات تقول إن مضيق هرمز أُغلق، بينما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أن المضيق ما يزال مفتوحاً. كل ذلك يعكس حالة الارتباك والضغط الشديد الذي يعيشه النظام، وهذا تطور إيجابي.

أيها السيدات والسادة،

هناك ثلاثة عوامل رئيسية للتغيير في إيران.

العامل الأول هو حالة الضعف البنيوي والانفجاري التي يعيشها النظام نتيجة أزمة الشرعية، والانهيار الاقتصادي، والفساد، والقمع، والإعدامات، والمجازر التي لم تتوقف، إضافة إلى تداعيات انتفاضة يناير 2026 وحالة عدم الاستقرار التي يعيشها النظام.

أما العامل الثاني فهو وجود منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمقاومة المنظمة والمجلس الوطني للمقاومة، الذين يواصلون نضالهم بقيادة ديمقراطية ملهمة تمثلها السيدة مريم رجوي. إن هذه هي القوة الوحيدة التي يخشاها النظام حقاً، وهي تمثل أهم عناصر القوة المتوافرة لتحقيق التغيير.

أما الإعدامات وعمليات القتل، فهي مجرد أدوات للترهيب، ومع ذلك لم تتطرق إليها مذكرة التفاهم الأخيرة.

لقد أصبح ضعف النظام واضحاً أمام الجميع، وعندما تتكامل المقاومة المنظمة مع حالة السخط الشعبي الواسعة، فإن الطريق نحو التغيير الديمقراطي يصبح واضحاً، ويمكن تحقيقه بسرعة.

أما الادعاءات التي تزعم أن رضا بهلوي يمثل بديلاً للنظام، فقد أثبتت أحداث الأمس مرة أخرى بطلانها، بعد تعاون أنصاره مع النظام الحاكم لمنع تظاهرة سلمية. وحتى مجرد الإشارة إلى جهاز السافاك يعد أمراً مخزياً.

لقد رفض الرئيس دونالد ترامب ونائب الرئيس جي دي فانس خيار رضا بهلوي بشكل واضح. وحان الوقت الآن لكي يدرك الجميع أن السيدة مريم رجوي والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية موجودون، ويشكلون البديل الحقيقي لمستقبل إيران.

أيها السيدات والسادة،

في رأيي، وعلى الرغم من النجاحات العسكرية التي تحققت خلال الأشهر الماضية، فإن المعركة من أجل مستقبل إيران وإقامة دولة ديمقراطية لم تنتهِ بعد.

لقد اجتمعنا هنا مرة أخرى لنعبر عن دعمنا للسيدة مريم رجوي، وللمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ولمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية في نضالهم من أجل تحقيق الديمقراطية للشعب الإيراني الذي عانى كثيراً على مدى عقود.

إننا نعرف جيداً طبيعة الجرائم والمجازر التي يرتكبها هذا النظام، وعلينا أن نضمن أن تحظى هذه الحقائق بالتغطية التي تستحقها في وسائل إعلامنا وصحفنا. ويجب أن نضاعف جهودنا، لأن كثيراً من الأكاذيب والافتراءات ما زالت تُروَّج ضد منظمة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة، ولا سيما في وسائل الإعلام الغربية. إن حملة التضليل التي يشنها النظام ليست سوى دليل على خوفه من المجلس الوطني للمقاومة، لكنها لم تُواجَه حتى الآن بالشكل المطلوب، ويجب أن يتغير ذلك.

وثالثاً، علينا أن نُطلع حكوماتنا ووسائل إعلامنا على حقيقة مهمة، وهي أن السيدة مريم رجوي والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لم يطالبا يوماً بتدخل عسكري أجنبي لإسقاط النظام، بل أكدا دائماً أن الشعب الإيراني هو الذي سيحقق هذا الهدف بنفسه. وكل ما تطلبه السيدة رجوي هو الاعتراف بالرؤية الديمقراطية التي تمثلها ودعمها.

لقد أكد جميع المتحدثين أمس أن سياسة المساومة مع النظام الإيراني أثبتت فشلها. وللأسف، فقد كانت هذه السياسة نهجاً اتبعته واشنطن لسنوات طويلة، لكن يبدو أن هناك اليوم بداية إدراك لهذه الحقيقة، وهو ما يمنحنا أملاً بالمستقبل.

ويجب أن تتعامل حكوماتنا مع هذا النظام وهي تدرك أنها تواجه نظاماً قائماً على القتل والمجازر، ونظاماً لم يلتزم يوماً بأي اتفاق وقّعه.

إن القضية الإيرانية لم تنتهِ بعد، وكذلك دعمنا الجماعي للسيدة مريم رجوي، وللمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ولمنظمة مجاهدي خلق، لن يتوقف.

وعندما نلتقي مرة أخرى، فلنكن أكثر عزماً على كسب دعم الحكومات ووسائل الإعلام والرأي العام، حتى نرى إيران ديمقراطية وحرة، تقودها السيدة مريم رجوي.

جون بيرد: لغة القوة هی اللغة الوحیدة التي یفهما النظام الایراني وبرنامج السيدة مريم رجوي هو خارطة الطريق لإيران الديمقراطية

موقع المجلس:
أجرى تلفزيون «سيمای آزادي»، التابع للمقاومة الإيرانية، مقابلة مع وزير الخارجية الكندي الأسبق جون بيرد، تناول فيها آخر التطورات في إيران، وسياسة المجتمع الدولي تجاه النظام الإيراني، وآفاق التغيير الديمقراطي في البلاد.

وأكد جون بيرد أن سجل النظام الإيراني الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان، والإعدامات السياسية، وبرنامجه النووي، ودعمه للإرهاب في المنطقة، يجعله «نظاماً شريراً»، مضيفاً: «لا يمكن التفاوض مع الشر، ولا استرضاؤه، ولا التعاون معه».

وأشار إلى أن النظام الإيراني اعتمد طوال أكثر من أربعة عقود على القمع والإعدامات الجماعية للقضاء على معارضيه، مستذكراً مجزرة صیف عام 1988، وموجة الإعدامات الأخيرة التي استهدفت المعتقلين السياسيين بعد انتفاضة يناير 2026، ولا سيما أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وقال إن النظام لا يعرف سوى استخدام القوة الوحشية ضد المتظاهرين السلميين والطلاب والمعلمين وأنصار المقاومة، داعياً المجتمع الدولي إلى إدراك حقيقة هذا النظام.

وفي معرض حديثه عن سياسة المجتمع الدولي، شدد وزير الخارجية الكندي الأسبق على أن على الحكومات الغربية أن تدرك أولاً طبيعة النظام الإيراني، وأن تفهم أنه لا يستجيب إلا للردع والقوة، مؤكداً أنه لا يمكن الوثوق بأي اتفاق يوقعه، لأنه لم يلتزم يوماً بتعهداته الدولية.

وأضاف أن من الأسباب التي دفعت الحكومة الكندية خلال توليه وزارة الخارجية إلى قطع العلاقات مع طهران، إضافة إلى سجلها الحقوقي، عدم احترامها للأعراف والاتفاقيات الدبلوماسية، مشيراً إلى الاعتداءات التي تعرضت لها السفارات البريطانية والأمريكية والسعودية، الأمر الذي جعل حتى العلاقات الدبلوماسية مع هذا النظام أمراً غير مضمون.

وحول البديل السياسي، أكد جون بيرد أن الشعب الإيراني لا يريد العودة إلى ديكتاتورية الشاه كما يرفض استمرار الدكتاتورية الحالية الحاكمة باسم الدين، بل يتطلع إلى مستقبل قائم على الحرية والديمقراطية. وأضاف أن «برنامج السيدة مريم رجوي ذي النقاط العشر» الذي يطرحه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يمثل أفضل رؤية لبناء إيران المستقبل، وقال: «لو اجتمع أفضل خبراء القانون الدستوري لوضع برنامج انتقالي، فلن يستطيعوا تقديم ما هو أفضل من هذا البرنامج، الذي يرسم طريق الانتقال من الدكتاتورية إلى الحرية، والتعددية، والمساواة بين المرأة والرجل، وإقامة جمهورية ديمقراطية».

كما أعرب جون بيرد عن خيبة أمله من قرار السلطات الفرنسية إلغاء تجمع «إيران الحرة» في باريس، مؤكداً أن هذا القرار وجه رسالة سلبية إلى الشعب الإيراني وتطلعاته نحو الحرية، وقال: «عندما نفكر في فرنسا فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الحرية، ولذلك فإن منع هذا التجمع كان مخيباً للآمال».

وفي ختام المقابلة، وجه وزير الخارجية الكندي الأسبق رسالة إلى الشعب الإيراني، ولا سيما شباب المقاومة ووحدات المقاومة داخل إيران، قائلاً: «نحن إلى جانبكم، والعالم يراقب نضالكم. يمكنني أن أقول باسم ملايين الكنديين إنهم يتطلعون إلى اليوم الذي ينعم فيه الشعب الإيراني بالحرية. لقد أصبح النظام اليوم في أضعف مراحله بعد الضربات التي تلقاها، وأنا على يقين بأن يوم الحرية سيأتي. وآمل أن يكون مؤتمر إيران الحرة المقبل في طهران الحرة، وليس في باريس».

الصوت الأكثر شرعية لإيران في قلب باريس

صورة توضيحية للمقال: الصوت الأكثر شرعية لإيران في قلب باريس
ایلاف – نظام مير محمدي:

يعزز مؤتمر إيران الحرة في باريس حضور المقاومة المنظمة بوصفها الصوت الأكثر شرعية للشعب الإيراني في مواجهة الفاشية الدينية وبدائل الدكتاتورية.
أعاد اليوم الثاني من سلسلة مؤتمرات “إيران الحرة 2026: نحو جمهورية ديمقراطية”، في هذا المنعطف الحاسم من تاريخ إيران المعاصر، باريس مجددًا إلى واجهة الاهتمام الدولي. هذا اللقاء الذي عُقد في المقر المركزي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بحضور أبرز الشخصيات السياسية والاستراتيجية في العالم، شهد خطابًا رئيسيًا واستعراضًا للمنهجية السياسية للسيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قِبل هذا المجلس. وقد أظهر مضمون هذا الخطاب والأجواء السائدة في المؤتمر، بكل وضوح، أنه وراء كواليس الدبلوماسية الغربية الرخوة، فإن الصوت الأكثر شرعية للشعب الإيراني في قلب أوروبا لا يتردد صداه عبر المهادنة أو الاعتماد على البدائل الافتراضية، بل من خلال المقاومة المنظمة على الأرض.

إن تحولات اليومين الأخيرين في باريس، ولا سيما المساعي والمساومات الجارية خلف الكواليس من قِبل الفاشية الدينية الحاكمة لإلغاء وحظر تظاهرة عشرات الآلاف من الإيرانيين، تكشف عن ذعر بنيوي في أركان نظام الملالي. وفي مستهل كلمتها، أشادت السيدة مريم رجوي بصمود الجيل الشاب والمتظاهرين الذين انعكس صوت مطالبهم بالحق في ساحات باريس وشوارعها، منددة بهذا الانسداد الإداري المخيب للآمال. وفي السياق ذاته، جاء تضامن الضمائر الحية وممثلي البرلمانات الأوروبية، مثل الموقف الصريح للنائبة الفرنسية السيدة كريستين أريغي التي أعربت عن أسفها لانتهاك حرية التعبير في فرنسا، وكذلك تصريحات السيد شارل ميشل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، ليكون شاهدًا على حقيقة أن سياسة تقديم التنازلات للاستبداد الديني قد فشلت؛ إذ إن المماشاة والمهادنة، وكما عجزت في القرن الماضي عن كبح جماح الفاشية النازية، لن تجدي نفعًا اليوم أمام الفاشية الدينية الحاكمة في إيران.

إن الجوهر الأساسي والمقال الاستراتيجي للرد على الأزمة الإيرانية الراهنة يكمن في مقولة “القوة المقاتلة والحقيقية على الأرض”. ففي وقت يمر فيه المجتمع الإيراني بحالة من الإمكانات الانفجارية غير المسبوقة بعد مقتل علي خامنئي ومأزق خلافة مجتبى خامنئي، فإن طرح فرضيات مثل “الانهيار التلقائي”، أو “تغيير سلوك النظام”، أو “صناعة بدائل افتراضية وروبوتية حول بقايا دكتاتورية الشاه”، يعمل عمليًا بمثابة صمام أمان ونعمة لبقاء الملالي. إن الحقيقة الساطعة لعقيدة المقاومة هي أن الإسقاط لا يمكن تحقيقه إلا عبر انتفاضة الشعب ووحدات المقاومة المنظمة؛ وهي القوة التي دفعت ثمن الحرية بتقديم مئة ألف شهيد، بمن فيهم المجاهدون الذين أُعدموا في مجزرة صیف عام 1988، وتمكنت في ظل الاختناق الأقصى من إبقاء المحركات الحركية للانتفاضة مشتعلة.

وفي هذا المشهد، يتجلى أكثر من أي وقت مضى الدور التخريبي والردعي لبقايا الدكتاتورية السابقة (الشاه) كعامل مساعد لبقاء النظام الحالي. وإن اعتراف وسائل الإعلام الحكومية داخل إيران بأن نشاط الملكيين يمثل “فرصة ونعمة” لإثارة التفرقة في صفوف المعارضة وتوجيه بوصلة المجتمع الدولي نحو الاتجاه الخاطئ، يكشف عن عمق هذا التداخل.

كما أن اشتراك موقف عناصر السافاك بالأمس مع الحرس الثوري ووزارة الخارجية اليوم في إبداء الابتهاج بالتضييق على الحقوق الديمقراطية للمقاومة في باريس، والمواقف الرسمية لوريث الشاه الذي يبحث صراحة عن التغيير في إيران بالاعتماد على الحرس الثوري والأجهزة الأمنية للنظام الحالي ويصف تعذيب الماضي بأنه “فخر” له، يرسم مرزبندية تاريخية حاسمة: إن الشعب الإيراني، ومنذ المنعطف التاريخي في 20 حزيران (يونيو) 1981، ومن خلال رفضه لكلتا الدكتاتوريتين، قد اختار طريقه، ولم يترك في ميدان النضال الحقيقي مكانًا للعودة إلى الاستبداد الوراثي أو بقاء الاستبداد الديني.

إن الإجابة النهائية للمعادلة الإيرانية تتجسد في حيوية البديل الديمقراطي للمجلس الوطني للمقاومة والبرامج الواضحة للحكومة المؤقتة؛ وهي الحكومة التي، على عكس التيارات الانتهازية، لا تطمح إلى كسب السلطة، بل تحمل عهدًا وثيقًا لنقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين وهم أبناء الشعب الإيراني. وتتمثل المهمة الرئيسية لهذا البديل الصالح في نقل السلطة إلى الشعب من خلال إجراء انتخابات حرة لتشكيل المجلس التأسيسي خلال مدة أقصاها ستة أشهر. هذا الحراك الحي، بسجلّه الحافل بـ45 عامًا من النضال والصمود في وجه الدكتاتورية الدينية و133 عملية كشف وتعرية للأسلحة النووية والصاروخية السرية للنظام والدفاع عن إسلام متسامح وديمقراطي، قد خطّ حتمية السقوط على جبين الولي الفقيه الجديد. إن شعار هذه المقاومة هو السلام والحرية، وهي بالاعتماد على جيش التحرير الوطني، تبعث برسالتها النهائية إلى العالم: إن المعادلة الإيرانية لا تملك حلًا خارجيًا، وإن إسقاط الفاشية الدينية هو المهمة الراسخة وغير القابلة للكسر لخلق إيران، وصوته المشروع الأكثر دويًا في سائر أرجاء المعمورة.

ماذا وراء إلغاء تظاهرة 20 يونيو في باريس؟

تظاهرة 20 يونيو في باريس-
بحزاني – منى سالم الجبوري:
لم يكن إلغاء تظاهرة 20 يونيو في باريس قرارا عاديا يمكن المرور عليه مرور الكرام، أو إدراجه في خانة الإجراءات التنظيمية والأمنية المألوفة، بل بدا ــ بكل ما أحاط به من توقيت ملتبس وملابسات مثيرة للريبة ــ قرارا سياسيا بامتياز، يكشف أكثر مما يخفي، ويطرح أسئلة محرجة عن الخلفيات الحقيقية التي وقفت وراءه، ولا سيما أنه استهدف تظاهرة كانت تحمل في جوهرها صوت الإيرانيين الرافضين للدكتاتورية الدينية، ورسالة واضحة إلى العالم بأن هذا النظام لم يعد يواجه مجرد اعتراض سياسي، بل يواجه شعبا يتطلع إلى إسقاطه، ومقاومة منظمة تعمل بثبات من أجل هذا الهدف.
إن التظاهرة التي كان من المفترض أن تقام في باريس لم تكن مجرد تجمع اعتراضي عابر، بل كانت تمثل حدثا سياسيا وإعلاميا ذا دلالة خاصة، لأنها تأتي في مرحلة هي الأخطر والأكثر حساسية في تاريخ النظام الإيراني، حيث تتزاحم عليه الأزمات من كل صوب: أزمة شرعية داخلية متفاقمة، اقتصاد منهك، مجتمع يغلي تحت وطأة القمع والإفقار، صراع أجنحة يتسع داخل بنية الحكم، وعزلة خارجية لم تعد قابلة للترميم بسهولة. وفي خضم هذا المشهد، كان من الطبيعي أن ينظر النظام الإيراني بعين القلق إلى أي حشد جماهيري كبير للمعارضة في قلب أوروبا، وبالأخص في باريس، المدينة التي ارتبط اسمها سياسيا وتاريخيا بكثير من محطات المعارضة الإيرانية.
ومن هنا، فإن قرار الإلغاء لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد احتياط أمني، لأن الذريعة الأمنية، مهما جرى تكرارها، تبدو واهية أمام حقيقة أن التظاهرات والفعاليات السياسية الكبرى ليست أمرا جديدا على باريس ولا على أوروبا عموما، وأن المعارضة الإيرانية نظمت خلال العقود الماضية مناسبات جماهيرية عديدة من دون أن يكون المنع هو الجواب. أما أن يصدر القرار في توقيت متأخر، بعد أن كانت الاستعدادات قد اكتملت، وبعد أن توافد آلاف المشاركين من بلدان مختلفة، فذلك لا يعكس حرصا أمنيا بقدر ما يعكس ارتباكا سياسيا أو استجابة لضغوط مورست في الكواليس، وربما لتفاهمات غير معلنة اقتضت إسكات هذا الصوت في اللحظة التي كان يفترض أن يرتفع فيها.

إن أخطر ما في هذا القرار أنه يشي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن النظام الإيراني ما زال قادرا على مد ظله خارج حدوده، ليس فقط عبر شبكاته الاستخبارية وأذرعه المعروفة، بل أيضا عبر استثمار الحسابات الغربية المعقدة، ومخاوف بعض الحكومات من التصعيد أو الإحراج أو تعطيل قنوات التواصل مع طهران. فكلما دخلت العلاقة مع النظام الإيراني مرحلة حساسة، وكلما ازدادت حاجة بعض العواصم الغربية إلى إبقاء خطوط التفاوض مفتوحة معه، ظهرت فجأة تلك اللغة الفضفاضة عن “الاعتبارات الأمنية” و”الحفاظ على النظام العام”، وهي لغة كثيرا ما تُستخدم لتبرير قرارات تصب عمليا في مصلحة الجلاد على حساب الضحية.
وليس من الصعب فهم سبب انزعاج النظام الإيراني من تظاهرة كهذه. فهو يعرف جيدا أن المشكلة لم تعد في مجرد وجود معارضة في الخارج، بل في وجود معارضة تمتلك خطابا سياسيا واضحا، وشبكة حضور دولي، وقاعدة من الأنصار، وقبل ذلك كله مشروعا بديلا يفضح ادعاء النظام بأنه لا بديل له. ولهذا، فإن أي فعالية جماهيرية واسعة للمقاومة الإيرانية، ولا سيما إذا أقيمت في عاصمة أوروبية كبرى، تتحول إلى صفعة سياسية ومعنوية للنظام، لأنها تفضح هشاشته، وتؤكد أن صراعه لم يعد مع أفراد متناثرين أو أصوات معزولة، بل مع تيار منظم يرى في إسقاط ولاية الفقيه شرطا لإنقاذ إيران والمنطقة معا.
ومن هنا تحديدا، يصبح إلغاء التظاهرة خدمة سياسية مجانية للنظام، سواء تم ذلك بقصد أو من دون قصد. فالنظام الذي فشل في إسكات المعارضة داخل إيران عبر الإعدامات والسجون والتعذيب، والذي عجز عن منعها من فضح جرائمه على الساحة الدولية، وجد نفسه فجأة أمام قرار يحقق له ما عجز عن تحقيقه بنفسه: إلغاء منصة كان يمكن أن تتحول إلى إدانة علنية واسعة له، وإلى مناسبة لتجديد التضامن الدولي مع نضال الشعب الإيراني ومقاومته. وبكلمة أخرى، فإن ما لم تستطع أجهزة القمع الإيرانية إنجازه بالقوة، أنجزته حسابات سياسية ملتبسة تحت عنوان “المنع الوقائي”.
إن المستفيد الأول من هذا الإلغاء ليس سوى النظام الإيراني، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الجدل. فحين يمنع الإيرانيون من رفع صوتهم في باريس ضد الإعدامات والقمع والدكتاتورية، فإن الرسالة التي تصل إلى طهران هي أن الضغوط التي يمارسها النظام، بصورة مباشرة أو عبر التلويح بالفوضى والتهديدات، يمكن أن تؤتي ثمارها. أما الرسالة التي تصل إلى الشعب الإيراني فهي أشد مرارة: حتى حين يبحث عن منبر حر في الخارج، فإن حسابات السياسة قد تتقدم مرة أخرى على مبادئ الحرية وحقوق الإنسان.
وهنا تكمن الفضيحة الأخلاقية والسياسية في آن واحد. فالغرب الذي لا يتوقف عن الحديث عن الديمقراطية وحرية التعبير وحق الشعوب في مقاومة الاستبداد، يجد نفسه في لحظة الاختبار الحقيقية مترددا، مرتبكا، بل وقابلا ــ تحت ذرائع شتى ــ لاتخاذ خطوات تصب في مصلحة أحد أكثر الأنظمة قمعا وعداء لتلك القيم. وما يزيد الأمر سوءا أن هذا التردد لا يعبر فقط عن ازدواجية المعايير، بل يبعث برسالة خطيرة إلى الأنظمة الاستبدادية مفادها أن الضغط والابتزاز والمساومة يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى خنق أصوات المعارضين حتى في عواصم الحرية نفسها.
ثم إن القضية هنا لا تتعلق بتظاهرة واحدة ألغيت، بل بما هو أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بالصراع بين من يريد لإيران أن تبقى رهينة لنظام ديني قمعي قائم على القتل والتصدير المنهجي للأزمات، وبين من يريدها بلدا حرا سيدا يعيش في ظل دولة ديمقراطية تفصل الدين عن السلطة وتحترم الإنسان. ولذلك فإن أي إجراء من شأنه أن يضيق على المعارضة الحقيقية، أو أن يحد من قدرتها على إيصال صوتها، لا يمكن اعتباره خطوة محايدة، لأنه يحدث موضوعيا اختلالا في ميزان الصراع لمصلحة النظام.
لقد كان المنتظر من دولة مثل فرنسا، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها حاضنة لقيم الحرية والحق في التعبير، أن تؤمن التظاهرة وتحميها، لا أن تلغيها. وكان الأجدر بها أن تدرك أن حماية حق الإيرانيين في التظاهر ضد الاستبداد لا تقل أهمية عن أي اعتبار آخر، بل هي جزء من صون القيم التي تدعي الدفاع عنها. أما أن يترك الأمر لذرائع فضفاضة وقرارات متأخرة ومربكة، فذلك لا يزيد المشهد إلا غموضا، ولا يمنع إلا من طرح السؤال الأوضح والأكثر إلحاحا: من الذي أراد فعلا إسكات تظاهرة 20 يونيو؟ ولمصلحة من جرى ذلك؟
إن ما حدث في باريس يجب ألا ينظر إليه بوصفه مجرد واقعة عابرة، بل بوصفه مؤشرا خطيرا على طبيعة الاشتباك الدائر حول الملف الإيراني، وعلى حجم ما يبذله النظام من جهود لكي يضيق الخناق على خصومه حتى خارج حدوده. كما يكشف، في المقابل، أن معركة الشعب الإيراني من أجل الحرية ليست فقط معركة ضد الاستبداد في الداخل، بل هي أيضا معركة ضد الصفقات الرمادية والتسويات الملتبسة والحسابات الباردة التي قد تجد في إسكات صوت الضحية ثمنا مقبولا لتجنب إزعاج الجلاد.
وفي المحصلة، فإن إلغاء تظاهرة 20 يونيو في باريس لا يطرح سؤالا عن سبب المنع فحسب، بل يطرح سؤالا أكبر وأخطر: إلى أي حد يمكن للمصالح السياسية أن تدفع بعض الديمقراطيات الغربية إلى التضحية بمبادئها عندما يتعلق الأمر بالنظام الإيراني؟ وما جرى، مهما حاول البعض تغليفه بالتبريرات، يبقى علامة استفهام كبيرة، بل وصمة سياسية وأخلاقية، لأن نتيجته النهائية كانت واضحة: إسكات صوت المحتجين، ومنح النظام الإيراني فسحة تنفس هو بأمس الحاجة إليها في واحدة من أصعب مراحله.

المعضلة التي يتجاهلها النظام الايراني باستمرار

دمار اثر الحرب في ایران-
بحزاني – محمد حسين المياحي:
معظم الآراء ووجهات النظر المطروحة من قبل المحللين السياسيين المختصين أو المتابعين للشأن الايراني، تلفت النظر وبصورة واضحة الى الاوضاع الداخلية السيئة في إيران والتي تتفاقم سوءا عاما بعد عام الى الحد الذي باتت تعتبر التهديد والتحدي الاکبر للنظام، لکن بالنسبة للنظام الحاکم في طهران، فإنه يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة بصورة مباشرة ويحاول جهد إمکانه أن يجد مخارج لها خارج إطار الحقيقة والواقع.
الاوضاع الداخلية التي تزداد سوءا والتي تعتبر الازمة الاخطر التي تواجه النظام ولاسيما بعد إنتفاضة يناير 2026، والتي أظهرت بوضوح أن الشعب الايراني قد طفح الکيل به ولم يعد يتحمل ولذلك فقد کانت إنتفاضة غير عادية وأرعبت النظام کثيرا، إذ لم يعد الشعب يطيق الديباجات المنمقة للنظام والتي تحاول أن تظهر الازمة الداخليى کنتيجة للتآمر الخارجي وليس لسياساته ومخططاته وهذا ما رفضه ويرفضه الشعب بشکل قاطع لأنه وبإختصار شديد مغاير ومناقض للحقيقة.
نظرية المٶامرة التي ليس هناك من نظام مولع ومغرم بها کما الحال مع نظام الملالي، ولاسيما وإنه يعمل دائما على تعليق کل أزمة أو مشکلة يعجز عن حلها ومواجهتها على شماعة”التآمر الخارجي”، في وقت ظهر جليا إنه ليس هناك من نظام يجيد بل ويبرع في التآمر على الاخرين وحتى على الشعب يمکن أن يجاريه، لکنه وعلى طريقة”ضربني وبکى سبقني وإشتکى”، فإنه يعمل على وضع نفسه دائما في دائرة المتعرض للمٶامرات في وقت صارت تدخلاته الخارجية وتصديره للتطرف والارهاب ومساعيه السرية من أجل إنتاج السلاح النووي، محاور أساسية لخلق وصناعة الازمات على مختلف الاصعدة.
المثير للسخرية والتهکم إن النظام الايراني لا يعترف بل وحتى يصر على عدم الاعتراف بأن أخطر ما يحدث في المنطقة هو من آثار وتداعيات سياساته ومخططاته وإنه هو المسٶول أساسا ومن البداية عن المآلات الحالية للأوضاع المتفاقمة، والاهم من ذلك، إن النظام وکمسعى من أجل عدم الاعتراف بالمعضلة الحيوية التي تواجهه والمتمثلة في رفض وکراهية الشعب له وعزمه وإصراره على مواجهته وإسقاطه، فإنه يحاول أن يختلق أزمات ومشاکل وأوضاع تهمش أو تخفف وتقلل من وقع وتأثير المعضلة الاساسية، لکن يبدو واضحا بأن أسلوب وطريقة المعالجة تبدو تماما کحالة هروب مستمر الى الامام، وهذا يعني بأنه لازال يرفض وبصورة واضحة الاعتراف بالمعضلة المرتبطة برفض الشعب له ومن إن المشکلة مرتبطة به وبإستمراره، والان يحاول النظام أن يرکز أکثر على مآلات الحرب المدمرة التي حصلت ويحاول إستخدامها کوسيلة من أجل إبعاد کابوس المعضلة الداخلية عنه ولکن، هذا المستحيل بعينه إذ لا راحة ولا إطمئنان للشعب الايراني ومقاومته المنظمة إلا بإسقاطه.

نظام الملالي الحاكم في إيران بين ضغط البديل وتآكل الممانعة..

حمایة دولیة للمقاومة الایرانیة-
أمد للإعلام -د. سامي خاطر:
أمد/ أثر الدعم الدولي للمقاومة على بنية النظام الأمنية.. والبديل مطلب استراتيجي
لم تعد مسألة “البديل السياسي” في إيران مجرد رؤية نظرية أو طموح إعلامي بل تحولت إلى متغير جيوسياسي يفرض نفسه على حسابات القوى الدولية والإقليمية.. وإن تأييد هذه القوى رسمياً أو شبه رسمي لـ “خطة المواد العشر” كمشروع متكامل للانتقال الديمقراطي يضع النظام الإيراني أمام تحدٍ وجودي يختلف في طبيعته عن العقوبات الاقتصادية التقليدية.. والسؤال الجوهري هنا: هل يؤدي هذا التأييد إلى تصدع بنية النظام الأمنية من الداخل أم أنه سيزيد من وتيرة التشدد والقمع؟
تفكيك شرعية الولاء في الأجهزة الأمنية
تعتمد بنية النظام الإيراني في صمودها على “عقيدة الولاء المطلق” للأجهزة الأمنية وعلى رأسها ما يسمى بـ “الحرس الثوري”.. وإن تبني المجتمع الدولي لمشروع بديل ديمقراطي واضح المعالم ومرتكز على حقوق الإنسان يعمل على تآكل الرواية الرسمية للنظام التي تصور المقاومة كـ “أداة خارجية” أو “عملاء للغرب”.
عندما يحظى البديل باعتراف دولي وإقليمي تتلقى القاعدة الوسطى والدنيا في أجهزة الدولة (العسكرية والأمنية والبيروقراطية) رسالة استراتيجية مفادها أن “النظام ليس قدراً”، وأن هناك مساراً دولياً معترفاً به لمرحلة ما بعد الولاية؛ هذا الإدراك يضعف من “يقين البقاء” لدى الموالين للنظام، ويزيد من احتمالات انشقاق النخب الأمنية والسياسية في اللحظات الحرجة حيث يقل خطر العزلة الدولية عن أي طرف يقرر الانحياز لخيار التغيير الديمقراطي.
حرب السرديات وتعميق الفجوة بين النظام والمجتمع
يعد التأييد الدولي للمقاومة ضربة قاصمة لآلة الدعاية الأمنية الإيرانية.. فالنظام قد اعتمد لسنوات على فزاعة “الفوضى والتقسيم” للحفاظ على تماسك المؤسسات الأمنية.. ولكن حين يؤيد المجتمع الدولي مشروعاً يضمن حقوق القوميات والإثنيات والتعددية السياسية ضمن إطار وحدة الأراضي الإيرانية فإنه يسحب البساط من تحت إدعاءات النظام بأن البديل يعني “الانهيار”.
هذا التحول في الموقف الدولي يمنح القوى الشعبية ووحدات المقاومة في الداخل غطاءً سياسياً ومعنوياً يتجاوز مجرد التنظيم الميداني مما يدفع الأجهزة الأمنية إلى “إعادة حساب المخاطر” في كل إجراء قمعي تتخذه؛ فعناصر الأمن لدى النظام يبدأون في التساؤل عن “تكلفة الاستمرار في القمع” في ظل إجماع دولي متنامٍ على مشروعية البديل، وهو ما يحد من فاعلية الهياكل الأمنية التي باتت تشعر بأنها في مواجهة مباشرة ليس فقط مع الشارع بل مع منظومة دولية وإقليمية أخذت تتخلى عن “حيادها” تجاه بقاء النظام.
تأثير التبني على موازين القوى الإقليمية
إقليمياً.. يمثل التأييد الرسمي للبديل تحولاً في تحالفات الشرق الأوسط.. وإن القوى الإقليمية التي طالما عانت من سياسات التمدد الإيراني ترى في “خطة المواد العشر” طوق نجاة لتحقيق الاستقرار؛ هذا الدعم يغير خارطة النفوذ الأمني حيث تصبح القنوات الدبلوماسية والاستخباراتية مفتوحة أمام المقاومة مما يحرم النظام من احتكار الاتصال مع القوى العالمية.
الأثر التراكمي لهذا التأييد يؤدي إلى عزل النظام إقليمياً مما يجعله في حالة دفاع دائم، ويقلص من قدرته على تمويل وتصدير الأزمات إلى دول الجوار، وإن الأجهزة الأمنية التي تعتمد في جزء كبير من تمويلها ونفوذها على الأذرع الإقليمية ستواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة انحسار هذا العمق الاستراتيجي مما يضعف تماسكها الداخلي ويفتح الباب أمام صراعات الأجنحة.
استراتيجية “الضغط الشامل”
إن تأييد القوى الدولية والإقليمية رسمياً لـ “البديل الديمقراطي” يغير المعادلة من “إدارة الأزمة” إلى “حسم الصراع”.. هذا التوجه لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار فوري للمؤسسات الأمنية ولكنه يبدأ عملية تفكيك منهجي للولاءات داخلها؛ فبمجرد أن تفقد الأجهزة الأمنية شعورها بأنها تمثل “الدولة الوحيدة المعترف بها” تبدأ في فقدان قدرتها على الردع.
في نهاية المطاف إن انتقال المقاومة من خانة “المهمشين” إلى خانة “الشركاء المستقبليين” بتأييد دولي يمثل الزلزال الذي لا يمكن للأطر الأمنية الصلبة للنظام امتصاص صدماته لفترة طويلة خاصة عندما يقترن ذلك بضغط شعبي متصاعد على الأرض مما يجعل التغيير ليس مجرد خيار بل حتمية استراتيجية.

المنعطف الأخير لهروب نظام الملالي إلى الأمام

الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-

الكارىينيا – سعاد عزيز:
من بين أکثر السمات التصاقا بنظام الملالي منذ قيامه، أنه لم يواجه أزمة واحدة بروح الدولة المسؤولة، ولا اعترف بمأزق بروح النظام الذي يراجع نفسه، بل ظل على الدوام يتعامل مع الأزمات بوصفها ساحات للمراوغة، والحقائق بوصفها أشياء قابلة للتشويه، والشعوب بوصفها كتل خوف يمكن إخضاعها بالقمع والخداع. ولذلك، فإن ما يفعله هذا النظام اليوم ليس جديدا من حيث الأسلوب، لكنه بالغ الخطورة من حيث التوقيت والدلالة. إنه يهرب إلى الأمام مرة أخرى، لكن الفارق هذه المرة أن الهروب يجري على حافة الانكشاف، لا من موقع القدرة على المناورة، بل من موقع العجز عن مواجهة واقع لم يعد قابلا للتغطية أو التأجيل.

لقد اعتاد نظام الملالي، كلما ضاق عليه الخناق، أن يفتعل ضجيجا أكبر من أزمته. فإذا انفجرت الأوضاع في الداخل، سارع إلى رفع راية “المؤامرة الخارجية”، وإذا تفاقمت الأزمات الاقتصادية والمعيشية، لجأ إلى لغة التهديد والتعبئة والتخويف، وإذا اهتزت صورته أمام الرأي العام، بحث عن معركة جانبية يختبئ خلف دخانها. هذا السلوك لم يكن في يوم من الأيام تعبيرا عن ذكاء سياسي أو براعة في إدارة الأزمات، بل كان دليلا واضحا على أن هذا النظام لا يمتلك حلولا، بل يمتلك وسائل للهروب من الحلول. فهو لا يعالج المأزق، وإنما يرحله. لا يواجه الفشل، وإنما يغلفه بالشعارات. لا يصالح شعبه، وإنما يحاول إرغامه على الصمت بالقوة.
غير أن المعضلة التي تقف في وجه النظام اليوم، هي أن الأزمات لم تعد منفصلة بحيث يمكن الالتفاف عليها واحدة بعد أخرى، بل تكدست فوق بعضها البعض حتى تحولت إلى مأزق شامل يطوق النظام من جميع الجهات. فهناك اقتصاد منهك، ومجتمع يرزح تحت وطأة الفقر والبطالة والغلاء، وفساد مستشر يلتهم مؤسسات الدولة، وتصدعات داخلية لم تعد خافية داخل بنية السلطة نفسها، فضلا عن غضب شعبي متراكم لم يعد يبحث عن إصلاحات تجميلية، بل عن تغيير جذري يضع حدا لعقود من القمع والإفقار والخداع. وفي ظل هذا المشهد، يصبح الهروب إلى الأمام ليس خيارا سياسيا، بل رد فعل غريزيا لسلطة تعرف أن الوقوف في مكانها يعني مواجهة الحقيقة، والحقيقة بالنسبة إليها أخطر من أي شيء آخر.

والحقيقة التي يحاول نظام الملالي الهروب منها اليوم، هي أن أزمته لم تعد في خصومه، بل فيه هو؛ في بنيته، وفي طبيعته، وفي فلسفة حكمه. فالنظام الذي جعل من القمع بديلا عن الشرعية، ومن التوسع بديلا عن التنمية، ومن تصدير الأزمات بديلا عن بناء الدولة، لا يمكنه في نهاية المطاف إلا أن يصل إلى لحظة تنقلب فيها هذه الأدوات عليه. لقد أنفق هذا النظام سنوات طويلة في توسيع دوائر التوتر، وفي الاستثمار في الأزمات، وفي تحويل مقدرات البلاد إلى وقود لمشاريعه الخاصة، بينما كانت إيران من الداخل تنزف اقتصادا ومجتمعا ومستقبلا. واليوم، حين يشتد الاختناق، لا يجد أمامه سوى الأدوات نفسها التي أوصلته إلى هذه الحافة، وكأن الفشل لا يعلمه، وكأن الخراب لا يكفيه، وكأن الزمن ما زال قابلا للخداع.
إن أخطر ما يواجه النظام في هذه المرحلة، هو أنه لم يعد يواجه مجتمعا قابلا للترويض بالأساليب القديمة. فالشعب الإيراني الذي خرج في انتفاضات متلاحقة، ودفع أثمانا باهظة من دمائه وحرياته، لم يعد ينظر إلى هذا النظام بوصفه سلطة قابلة للإصلاح أو شريكا في المستقبل، بل بوصفه أصل البلاء وسبب الانسداد. وهذه النقطة بالذات هي ما يدفع النظام إلى المزيد من التوتر والعصبية والارتباك. لأنه يدرك أن الأزمة لم تعد أزمة إدارة أو حكومة أو جناح داخل السلطة، بل أزمة وجود. ويدرك أيضا أن الخوف الذي بنى عليه استمراره طوال عقود لم يعد قادرا على أداء الدور نفسه، وأن المجتمع الذي تعرف على حقيقة هذا النظام لم يعد مستعدا لتصديق أكاذيبه أو الاحتماء بأوهامه.
ولهذا، فإن كل ما يصدر عن النظام في هذه المرحلة يجب أن يقرأ من زاوية واحدة: زاوية الهلع السياسي. فعندما يرفع منسوب تهديده، لا يفعل ذلك لأنه قوي، بل لأنه يشعر بأن موقعه يتآكل. وعندما يلوذ بالقمع الوحشي، لا يفعل ذلك لأنه مطمئن إلى بقائه، بل لأنه يعرف أن شرعيته قد سقطت ولم يبق له سوى العنف المجرد. وعندما يحاول خلط الأوراق وفتح جبهات التوتر والتشويش، فإنما يفعل ذلك لأنه عاجز عن تقديم أي جواب مقنع عن أسئلة الداخل الإيراني: لماذا هذا الفقر في بلد غني؟ لماذا هذا الخراب في بلد يملك كل مقومات النهوض؟ لماذا تهدر ثروات الناس وأعمارهم ومستقبل أبنائهم في خدمة سلطة لا ترى في الدولة سوى مزرعة مغلقة وفي الشعب سوى رعايا مطلوب منهم الصمت والطاعة؟

لقد كان ممكنا لهذا النظام في مراحل سابقة أن يشتري بعض الوقت بالمراوغة، وأن يستفيد من تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، وأن يوظف الانقسامات الدولية في خدمة بقائه، لكن المشكلة أن الزمن تغير، وأن أدوات الأمس لم تعد صالحة بالفاعلية نفسها. فالقمع، على شدته، لم ينجح في إخماد جذوة الرفض، والخطاب الرسمي لم يعد قادرا على إقناع حتى أولئك الذين كانوا يرددونه من باب المصلحة أو الخوف، والمناورات الخارجية لم تعد تحجب الحقيقة الكبرى التي تتسع داخل إيران نفسها: سلطة هرمت قبل أوانها، ونظام يتآكل من الداخل، وشعب لم يعد يرى أمامه سوى ضرورة الخلاص.
ومن هنا، فإن المنعطف الذي يقف عنده نظام الملالي اليوم ليس منعطفا عاديا. إنه ليس مجرد أزمة عابرة في سلسلة أزمات، بل لحظة مكثفة يتجمع فيها كل ما حاول النظام تأجيله أو إخفاءه أو القفز فوقه. فهناك نظام يريد أن يظهر بمظهر القوة فيما هو مأزوم حتى العظم، ويريد أن يفرض صورة التماسك فيما التصدعات تنهش داخله، ويريد أن يقنع العالم بأنه ثابت فيما هو يلهث خلف كل فرصة لتأجيل الانفجار. وهذه المفارقة هي التي تفضحه أكثر من أي شيء آخر: كلما حاول أن يبدو أقوى، كشف ضعفه أكثر؛ وكلما اندفع إلى الأمام، بدا كمن يهرب من ظله؛ وكلما بالغ في الصراخ والتهديد، ازداد يقين الناس بأنه لم يعد يملك لغة غير لغة الخوف.
وفي المحصلة، فإن نظام الملالي وهو يندفع اليوم في هذا المنعطف الأخير، لا يثبت أنه ما زال قادرا على الإمساك بالأوضاع، بل يثبت العكس تماما: أنه دخل مرحلة الدفاع اليائس عن بقاء يتآكل، وأنه فقد القدرة على تقديم أي مشروع سوى مشروع النجاة المؤقتة، وأنه كلما حاول تأخير ساعة الحساب، قربها بيديه أكثر. فالنظام الذي جعل من الهروب إلى الأمام عقيدته السياسية، يجد نفسه الآن أمام حقيقة قاسية: أن الطريق الذي ظل يهرب عبره طوال السنوات الماضية، لم يعد يؤدي إلى النجاة، بل إلى النهاية.

صراع الإرادات حول مستقبل إيران.. باريس وتفكيك معادلة القمع..

0

مظاهرات انصار المقاومة الایرانیة في باریس-
أمد للإعلام -د. مصطفى عبدالقادر:
أمد/ تشكل العاصمة الفرنسية باريس مسرحاً تكثفت فيه خطوط الصراع الجيوسياسي حول مستقبل إيران.. ولم تكن أحداث العشرين من يونيو 2026 مجرد تظاهرة عابرة في محيط ساحة فوبان بل كانت اختباراً استراتيجياً لقدرة “البديل الديمقراطي” الإيراني على اختراق جدار المنع والتهديد المزدوج الذي يفرضه نظام ولاية الفقيه من جهة وتيارات الحنين إلى الماضي البهلوي الاستبدادي من جهة أخرى.
خلفيات القرار بين التحدي الأمني والمناورة السياسية
كشفت مداولات المحكمة الإدارية في باريس التي نظرت في الطعن القانوني ضد قرار منع التظاهر عن تعقيدات المشهد الأمني في أوروبا؛ فرغم أن المبررات البيروقراطية للشرطة الفرنسية اتسمت بالعمومية إلا أن التقارير الاستخباراتية المسربة أو الموثقة قضائياً أشارت إلى وجود تهديدات وجودية ملموسة.. لقد برز خطر استهداف التظاهرة بعمليات إرهابية أو تخريبية وهو خطر تتقاطع فيه مصالح نظام طهران مع تحركات بقايا حقبة الشاه، وإن هذا التقاطع وإن بدا متناقضاً ظاهرياً ليشي بوجود تحالف مصلحي غير معلن يهدف إلى خنق أي خيار سياسي ثالث يرفض ثنائية “الاستبداد الديني” و”الدكتاتورية البهلوية”.. فالخشية من بروز معارضة منظمة وعابرة للأيديولوجيات التقليدية تبدو المحرك الأساسي لمحاولات الترهيب الأمني.
“السافاك الشاهنشاهي” والعودة عبر نافذة الترهيب
وثّق الحكم القضائي والمراقبون الميدانيون ظواهر مقلقة تتجاوز حدود التظاهر السلمي، وإن بروز رموز جهاز “السافاك” القمعي سيئ السمعة في تحركات بمدن مثل لندن وريغنسبورغ لا يعد مجرد نوستالجيا سياسية بل هو مؤشر استراتيجي على إعادة تفعيل شبكات أمنية عابرة للحدود.
إن الدعوات العلنية من قبل ناشطين محسوبين على تيار الشاه لقطع الطرق ومحاصرة التجمعات السلمية للمقاومة الإيرانية تضع هؤلاء في سلة واحدة مع أجهزة أمن نظام الملالي في ممارساتها القمعية.. هذا السلوك يثبت بالدليل القاطع أن جوهر الصراع ليس “ديمقراطية ضد دكتاتورية” فحسب بل هو معركة وجود يخوضها تيار ثالث مستقل (المقاومة الإيرانية) ضد أطراف متصارعة على السلطة لكنها متفقة تماماً على ضرورة إقصاء صوت الشعب الحر.
صمود الإرادة في “جمهورية الحريات”
رغم الطوق الأمني المكثف والاعتقالات التي طالت العشرات أثبت المتظاهرون الإيرانيون في باريس أن إرادة التغيير تمتلك حصانة ذاتية تفوق قدرة المنع الإداري.. وإن استجابة القوى الحقوقية والمدنية للإفراج عن المعتقلين تعكس قوة الضغط التي تمارسها قوى المجتمع المدني ضد محاولات تسييس الأمن في الدول الديمقراطية.
لقد تحول يوم 20 يونيو إلى رمز لكسر حاجز الخوف حيث تحولت ساحات باريس إلى منصة دولية للمؤتمر العالمي لإيران حرة 2026.. هذا الحضور المكثف ليس مجرد مشهد احتجاجي بل هو رسالة استراتيجية للمجتمع الدولي مفادها أن البديل الوطني الديمقراطي الإيراني لا يعتمد على الخارج بقدر ما يعتمد على تنظيم الشارع وإرادة التغيير في الداخل والخارج.
قراءة في المآلات.. نحو معادلة “لا شاه ولا شيخ”
إن ما شهدته باريس يختزل جوهر الأزمة الإيرانية المعاصرة.. فنظام الملالي الحاكم في طهران وبقايا الماضي البهلوي يمارسون اليوم سياسة “الأرض المحروقة” للحيلولة دون بروز خيار يمثل التطلع الشعبي لجمهورية ديمقراطية حديثة.. وإن المقاربة التحليلية لهذه الأحداث تشير إلى أن محاولات المنع والترهيب لم تعد أدوات فعالة لإسكات الصوت الإيراني.. وفي الختام يظهر الصراع في باريس كمرآة عاكسة لما يجري داخل إيران.
إن انتصار الإرادة المدنية في شوارع باريس رغم كل التحديات يؤكد أن المعادلة السياسية قد تغيرت.. فالقوى التي تحاول إحياء الماضي أو تكريس الاستبداد الحالي بدأت تفقد قدرتها على الاحتكار بينما يرسخ “البديل الوطني الديمقراطي” أقدامه كطرف أصيل في أي ترتيب مستقبلي لإيران.
إن المعركة التي بدأت في باريس هي جزء من صيرورة تاريخية تدفع باتجاه إسقاط الاستبداد بشقيه وتشييد بنيان جمهوري يقوم على سيادة الشعب وحقوقه الأساسية.
ملاحظة.. يمثل هذا التحليل رصداً للوقائع الميدانية والتقارير الحقوقية والقضائية التي تؤكد أن المقاومة الإيرانية تخوض معركة على جبهتين؛ جبهة داخلية ضد نظام الملالي، وجبهة سياسية دولية ضد محاولات الإقصاء التي تمارسها تيارات متطرفة تعادي التغيير الديمقراطي.. لكن إرادة الشعب وقواه الوطنية كانت هي الغالبة والخالدة بالحُسنى على التاريخ، والشعب الذي رفض وأطاح وأزال دكتاتورية الشاه الطاغوتية هو نفسه من سيزيل طاغوت نظام الملالي وبقايا الشر المتربص بإيران..

إيران: نقيض الديكتاتورية! نظرة على أحدث مواقف المقاومة الإيرانية

الكلمة الأخيرة للسيدة مريم رجوي في باريس في 20 يونيو 2026-

بقلم عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*
«إن جمهورية الإعدام الإسلامية الإيرانية قد هرمت جداً،
لكن معنوياتنا لا تزال متقدة..
جمهورية الإعدام الإسلامية تتجه نحو نهايتها،

أما نحن، فعلى قمة الجبل منشغلون بإنزال الشمس وجلبها إلى الأرض».

هذه ترجمة لجزء من قصيدة للشاعر الكردي الشهير، شيركو بيكس، وكأنها نُظمت ليومنا هذا. النظام الإيراني في أضعف حالاته، والشعب الإيراني على عتبة الانتصار. بعبارة أخرى، الشعب يوشك أن يجلب شمس الانتصار إلى الأرض.

المسار الحتمي للمجتمع

الشعوب تنتصر على الديكتاتورية. هذه حقيقة أثبتتها التجارب في كل بقاع العالم. الديكتاتوريات عمرها قصير. وإذا نهض الشعب، تهاوت الديكتاتوريات. كل ما تستطيع الديكتاتوريات فعله هو إطالة عمرها قليلاً، أو بعبارة أخرى، تأخير لحظة سقوطها.

فيما يتعلق بإيران

إن نجل خامنئي، الذي شارك والده في المجازر لأكثر من ربع قرن، هو اليوم «الوريث» لأنقاض ولاية الفقيه. لكنها حكومة عابرة طُبعت حتمية إسقاطها على جبينها. هذه هي المحطة الأخيرة للنظام. لقد سمعنا هذه العبارات في الكلمة الأخيرة للسيدة مريم رجوي في باريس في 20 يونيو 2026. عبارات تحمل في طياتها الحقائق التالية:

1- الديكتاتورية في إيران تتجه نحو نهايتها وسقوطها حتمي.

2- الشعب على عتبة الانتصار على الديكتاتورية. واليوم، انتشرت آلاف وحدات المقاومة في جميع أنحاء إيران.

3- النظام الكهنوتي في أضعف حالاته، وإجراءات النظام ضد الشعب مؤقتة وعابرة. ولا سيما الحرب التي تنشدها الأنظمة الديكتاتورية في إيران لتتخذ منها درعاً يحميها من الشعب الإيراني.

4- الوضع لن يعود إلى الماضي. وخاصة إلى ديكتاتورية الشاه التي أسقطها الشعب في عام 1979.

الحرية والسلام

قالت السيدة مريم رجوي إن «المقاومة الإيرانية طالبت بالحرية والسلام لقرابة خمسة عقود». وأضافت أنه «لم ولن يسعَ أحد في إيران للحرب سوى بقايا الشاه والملالي. إن السعي لإنتاج القنبلة النووية، وإثارة الحروب، والتطاول على دول المنطقة، هي جزء من استراتيجية النظام الكهنوتي من أجل البقاء، ولن يتخلى عنها. الحرب هي درع هذا النظام في مواجهة الانتفاضات الشعبية، بينما السلام ووقف إطلاق النار يمثلان «سماً» له». هذه العبارات لها جذور وتاريخ، وهي ثمرة عقود من النضال ضد الديكتاتورية، وقد ثبتت صحتها.

الأفعى لا تلد حمامة

أعلنت المقاومة الإيرانية مراراً وتكراراً أن «الأفعى لا تلد حمامة». وتعني هذه العبارة أن ترقب ولادة حمامة من أفعى كان وما زال خطأً. سياسة «الاسترضاء مع النظام الكهنوتي» تمثل فشلاً وفضيحة كبرى على جبين المسترضين، ولن ينساها الشعب الإيراني أبداً. يجب سحق رأس أفعى ولاية الفقيه بالحجر. وسحق رأس الأفعى له سبيله وطريقته. بعبارة أخرى، الحل ليس في التدخل العسكري الأجنبي. كما أن حل القضية الإيرانية لم ولن يكون عبر استرضاء الديكتاتورية. ولهذا السبب، يجب دعم الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية، والاعتراف بحقهم في المقاومة. إن رفض استرضاء الديكتاتورية ورفض الحرب الأجنبية ضد النظام هما مبدآن أساسيان في مواجهة النظام الكهنوتي.

انقسام مميت

في أقل من 24 ساعة، قام نجل خامنئي «بعد توقيع مذكرة التفاهم، برفع راية المعارضة لها وأعلن: «من حيث المبدأ، كان لدي رأي آخر»»، مما أظهر أن هناك صدعاً مميتاً يعصف برأس نظام ولاية الفقيه. إن انتصار الشعب الإيراني يكمن في استمرار «عدم الاستقرار والتزعزع في النظام». لأن المعركة الرئيسية تدور رحاها بين الشعب الإيراني وهذا النظام الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة.

الذعر من انتصار الشعب

تعيش الديكتاتورية الحاكمة في إيران وبقايا الديكتاتورية السابقة في حالة من الذعر من انتصار الشعب الإيراني. إن محاولات النظام البائسة لمنع إقامة المظاهرة الكبرى لإيران الحرة في باريس في 20 يونيو 2026، تعكس خوف الملالي من هذا المصير. ووفقاً للمحكمة الإدارية في باريس، فقد هددت بقايا الديكتاتورية الملكية بتفجير المظاهرة، كما طلب تيار الشاه من «أنصارهم عرقلة مسار المسيرة». لا ينبغي الشك في أن بقايا ديكتاتورية الشاه هم شركاء وأدوات بيد النظام الكهنوتي الحاكم في إيران ضد الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية. فهم يعتبرون الشعب والمقاومة الإيرانية التهديد الأخطر على وجودهم.

لا يمكن أن ننسى أن خميني، وريث ديكتاتورية الشاه، قال في 25 يونيو 1980 إن «خوفه ليس من أمريكا أو الاتحاد السوفيتي أو غيرهما، بل من مجاهدي خلق في طهران». ولهذا السبب «أصدر فتوى بإعدام جميع مجاهدي خلق المتمسكين بمواقفهم». وفي المقابل من الفكر الديكتاتوري، يجب القول إن مقاومة الشعب الإيراني تؤمن بأن «إيران مسالمة وخالية من الأسلحة النووية لا يمكن تحقيقها إلا بإسقاط النظام على يد الشعب ومقاومته المنظمة. إن سيادة الشعب والحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية، والتعايش والسلام مع الجيران ودول المنطقة، كلها مرهونة بإقامة جمهورية ديمقراطية».

نقيض الديكتاتورية في إيران

إن مقاومة الشعب الإيراني، التي تمتلك 61 عاماً من الخبرة في النضال ضد دكتاتوريتين، هي نقيض الديكتاتورية في إيران. وهي البديل الديمقراطي الوحيد في مواجهة الديكتاتورية. يجب البحث عن القوة الحقيقية للتغيير في المقاومة الإيرانية. هذه المقاومة التي تضرب بجذورها في واقع شوارع ومدن إيران، وتمتد من داخل سجون النظام الكهنوتي الحاكم إلى خارج حدود إيران. إيران التي تتلخص في «الجمهورية الديمقراطية» والتي ستتولى السيدة مريم رجوي رئاسة حكومتها الانتقالية لمدة ستة أشهر.

أعلنت السيدة رجوي، التي تستمد مصداقيتها من داخل السجون وساحات المعارك ضد الديكتاتورية وفي أقصى نقاط إيران القابعة تحت احتلال الديكتاتوريات، في خطابها الأخير أن «تعهدي هو عهد لا ينفصم من أجل تحرير جميع أبناء الشعب الإيراني، من أي قومية، وبأي معتقد، وبأي فكر، وبأي دين أو مذهب. تعهدي هو الدفاع عن حرية إيران وشرفها واستقلالها، في مواجهة أي نوع من أنواع الديكتاتورية والتبعية».

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

هل بلغ النظام الإيراني نقطة الانهيار؟

احتجاجات شعبیة‌في ایران-

أمد للإعلام -عبدالرزاق الزرزور:
أمد/ نظام الملالي واستراتيجية المماطلة وتصدير الأزمات
في المشهد الجيوسياسي المعقد لعام 2026 تبرز إيران كدولة تعيش حالة من الاستنزاف المزدوج؛ ضغوطٌ خارجية متصاعدة على مسارات الملف النووي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وتصدعات بنيوية داخلية تضع استقرار النظام أمام اختبار وجودي غير مسبوق.
إن القراءة المتفحصة لمسار السياسات المتبعة لدى النظام الإيراني تشير إلى أن طهران مسارٌ يعتمد على “استراتيجية المماطلة” ليس فقط كأداة تفاوضية بل كحائط صد أخير لمحاولة إخفاء اهتزاز السيطرة الأمنية في الداخل.
نظام الملالي يواري ضعفه بغطاء المماطلة
يعتمد نظام طهران في تعاملها مع المجتمع الدولي على تكتيك “التفاوض الدائري” حيث يتم استهلاك الوقت في مسارات دبلوماسية لا تفضي إلى نتائج ملموسة، وفي هذا السياق يرى مراقبون استراتيجيون أن هذا السلوك ليس وليد رغبة في التسوية بل هو آلية للبقاء تهدف إلى شراء الوقت.
إن التلويح المستمر بإغلاق مضيق هرمز رغم ما يحمله من مخاطر اقتصادية كارثية على الاقتصاد الإيراني المعتمد على ريع النفط يعكس حالة من اليأس التكتيكي؛ فإغلاق المضيق يعني بالضرورة قطع شريان الحياة المالي للنظام مما قد يسرّع وتيرة الانفجار الاجتماعي المحتوم بفعل التضخم المفرط وتآكل القدرة الشرائية لدى المواطنين.
سياسية القمع والغضب الشعبي
تثبت التجربة التاريخية في إيران منذ احتجاجات 2018 و2019 وصولاً إلى انتفاضة يناير الأخيرة أن الانهيار الاقتصادي هو المحرك الرئيس للحراك الشعبي، وإن الربط بين التدهور المعيشي والنشاط الميداني للمعارضة ليس مجرد صدفة بل هو تعبير عن تحول المعاناة الاقتصادية إلى فعل سياسي منظم، وفي حين يروج الخطاب الرسمي للنظام بأن الأزمات هي نتاج ضغوط خارجية تؤكد التقارير الميدانية المستقلة أن الحاضنة الشعبية باتت في حالة قطيعة تامة مع شرعية النظام مما يجعل كل تحرك دبلوماسي خارجي مجرد محاولة لترميم صورة مهشمة في الداخل.
اختراق المربع الأمني؛ مؤشراً على قرب التغيير الاستراتيجي
تتجلى المفارقة في أن الأنظمة التي تفرض قبضة أمنية حديدية مثل نموذج الشاه السابق أو نظام الحكم في سوريا غالباً ما تظهر في أوج قوتها قبل لحظات من انهيارها السريع، وإن ما كشفته التقارير الأخيرة عن عمليات ميدانية نوعية وصلت إلى عمق المربع الأمني في طهران وتحديداً مقر الولي الفقيه ليمثل نقطة تحول استخباراتية فارقة.
إن قدرة “وحدات المقاومة” على تنفيذ أكثر من 20 عملية نوعية في المحافظات الـ31 خلال فترة وجيزة لتشير إلى أن الأطواق الأمنية التي كانت تمنع المقاومة من التأثير قد تآكلت، وأن البديل السياسي لم يعد فقط مظلة إئتلاف وطني منظم؛ لا بل واقعاً ميدانياً يفرض نفسه منذ عقود مؤهلا كبديل ديمقراطي يلقى القبول داخلياً وخارجياً.
أسطورة “الاستقرار” وتحديات البديل
يخطئ من يظن أن استمرارية الأنظمة الاستبدادية مرهونة بقدرتها على القمع وحده؛ فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الاستنزاف الداخلي هو العدو الأول لاستدامة الحكم، وإن إستراتيجية التعتيم التي يفرضها النظام الإيراني، ومحاولاته المستميتة لصبغ المشهد الداخلي بصبغة الصراع الخارجي مع واشنطن لتأتي في إطار محاولة حجب حقيقة أن المواجهة الجوهرية تدور بين الشعب وطبقة السلطة.
إن بروز تيار معارض منظم يعتمد على ثقله الذاتي بعيداً عن التدخلات العسكرية الأجنبية ليضع أمام المجتمع الدولي واقعاً جيوسياسياً جديداً مفاده أن إيران اليوم باتت ساحةً لعملية تغيير جذري تقودها قوى داخلية أثبتت امتلاكها للجرأة والقدرة التنظيمية.
مآلات الصراع.. وتسارع الخطى نحو التغيير
إن الخلاصة التحليلية تشير إلى أن النظام الإيراني يواجه اليوم أزمة في “مشروعية البقاء”.. فبينما يستمر في استنزاف موارده في مواجهات إقليمية وديبلوماسية تتقدم قوى التغيير الميداني بخطوات واثقة نحو إضعاف ركائز الاستقرار الأمني للنظام.
إن المرحلة المقبلة ستكشف بوضوح مدى قدرة النظام على الصمود أمام هذا الضغط المزدوج.. لكن المؤشرات الراهنة تؤكد أن المماطلة لم تعد كافية لحماية بنية سلطوية تآكلت شرعيتها وتصدعت أركانها، وأن المسار نحو دولة ديمقراطية حديثة بات خياراً استراتيجياً يتشكل بوضوح في شوارع إيران يوماً بعد يوم.

نظام الملالي وتظاهرة باريس وخصم العالم

ایلاف – مهدي عقبائي:
صورة توضيحية للمقال: نظام الملالي وتظاهرة باريس وخصم العالم
تكشف محاولة منع تظاهرة باريس خوف نظام الملالي من المقاومة الإيرانية المنظمة وتحول المنع إلى دليل على قوة البديل الديمقراطي وصوت إيران الحرة.
شهدت باريس، يوم 20 حزيران (يونيو) 2026، أحد أبرز المشاهد السياسية للإيرانيين في الخارج، وأكثرها تعرضًا للتعتيم الإعلامي. فقد كان من المقرر أن تشهد العاصمة الفرنسية تظاهرة كبرى بمشاركة أكثر من مئة ألف إيراني حرّ ومناصر للمقاومة الإيرانية، غير أن شرطة باريس أصدرت، في الساعات الأخيرة، قرارًا بمنعها. لكن ما جرى على الأرض لم يكن إخمادًا للتحرك، بل تحوّلت التظاهرة المركزية إلى عشرات التجمعات والمسيرات ومشاهد الاحتجاج في نقاط مختلفة من باريس.

غير أن الأهم في هذا الحدث لا يقتصر على قرار المنع، ولا حتى على الصدامات التي وقعت في شوارع باريس. الأهم أن نظام طهران، بمحاولته إسكات صوت المقاومة الإيرانية والضغط على الحكومة الفرنسية لمنع التظاهرة، قدّم بنفسه عنوان خصمه الحقيقي وأشار إلى بديله الفعلي أمام المجتمع الدولي. ففي ذروة مفاوضات سياسية حساسة، وفي وقت يغرق فيه النظام في أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، اضطر إلى استخدام نفوذه وضغوطه لمنع تظاهرة سلمية في عاصمة أوروبية. وهذه، بحد ذاتها، رسالة سياسية واضحة: خوف النظام ليس من حرب خارجية بقدر ما هو من انتفاضة الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة بقيادة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.

كان منظمو التظاهرة قد سلكوا المسار القانوني منذ أشهر. فقد سُجل الطلب الرسمي في 20 نيسان (أبريل) 2026، وقُدمت إلى السلطات المختصة كل التفاصيل المتعلقة بمكان التجمع، ومسار المسيرة، وعدد المشاركين، والترتيبات الفنية والخدمية والأمنية. ووفق ما أفاد به المنظمون، استمرت الاتصالات والتنسيقات مع شرطة باريس والسلطات المحلية حتى الأيام الأخيرة، بل جرى في اجتماعات رسمية التفاهم حول مكان التجمع ومسار المسيرة.

لكن مساء 19 حزيران (يونيو)، أي قبل يوم واحد فقط من موعد التظاهرة، صدر قرار المنع. وجاء القرار في لحظة كان فيها آلاف المشاركين في طريقهم إلى باريس، ومئات الحافلات قد انطلقت من مدن أوروبية مختلفة، فيما وصل آخرون من الولايات المتحدة وكندا ودول أخرى. لذلك لم يُنظر إلى قرار المنع باعتباره إجراءً إداريًا فحسب، بل خطوة ذات أبعاد سياسية وقانونية وأمنية خطيرة. واعتبر كثير من أنصار المقاومة أن القرار جاء في سياق ضغوط نظام طهران واستمرار سياسة المساومة معه، لا سيما بعد ورود تقارير عن اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الفرنسي وعباس عراقجي، وزير خارجية النظام الإيراني، قبل صدور قرار المنع.

هذه الواقعة تكتسب دلالتها الأعمق في توقيتها. فالنظام الإيراني، وهو يحاول إظهار نفسه طرفًا قويًا في المفاوضات، كان في الواقع يواجه مأزقًا داخليًا متفاقمًا: اقتصاد منهك، مجتمع غاضب، إعدامات متصاعدة، صراع أجنحة، وخوف دائم من انفجار شعبي جديد. وفي مثل هذه اللحظة، حين يُجبر النظام على بلع ما يشبه كأس السم سياسيًا، حتى على مستوى رأس الهرم ومن يدورون حول مجتبى خامنئي، يصبح أول ما يفعله هو محاولة إسكات صوت المقاومة التي يعرف أنها قادرة على تحويل الغضب الداخلي إلى مشروع سياسي منظم.

وعلى الفور، عقدت المقاومة الإيرانية مؤتمرًا صحافيًا توضيحيًا في باريس، شاركت فيه شخصيات فرنسية بارزة، من بينها جيلبير ميتران، رئيس مؤسسة فرانس ليبرتيه، وكريستين أريغي، النائبة في الجمعية الوطنية الفرنسية ورئيسة اللجنة البرلمانية من أجل إيران ديمقراطية، إلى جانب ممثلين عن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وأكد المتحدثون أن التظاهرة كانت قانونية وسلمية وحقوقية، وهدفت إلى الاحتجاج على الإعدامات ودعم الشعب الإيراني الواقع تحت القمع.

وقالت كريستين أريغي إن منع تظاهرة من أجل حقوق الإنسان ودعم الشعب الإيراني يشكل إهانة للشعب الإيراني ومصدر قلق عميق بشأن سيادة القانون وحرية التجمع في فرنسا. أما جيلبير ميتران فتساءل كيف يمكن، بعد شهرين من الحوار والتنسيق، أن تتخذ الحكومة الفرنسية في اللحظة الأخيرة قرارًا من هذا النوع، وهل يمكن تفسير ذلك بغير الخضوع لابتزاز سياسي من جانب النظام الإيراني؟

وتقدم المنظمون بطعن عاجل أمام المحكمة الإدارية في باريس. وقد أوضحت المحكمة في حكمها أن قرار المنع الصادر عن الشرطة استند إلى مبررات نمطية تفتقر إلى معلومات سياقية كافية. لكنها أشارت، في الوقت نفسه، إلى تقارير استخباراتية تفيد بأن تظاهرة 20 حزيران (يونيو) كانت معرضة لخطر هجوم كبير من قبل النظام الإيراني أو بقايا نظام الشاه السابق. كما ورد في الحكم أن بقايا نظام الشاه يملكون جهازًا أمنيًا داخليًا باسم السافاك ينشط في أوروبا، وقد هدد بزرع قنبلة إذا صدر ترخيص للتظاهرة.

هذا الجزء من حكم المحكمة نقل المسألة من مستوى الخلاف الإداري إلى مستوى ملف سياسي ـ أمني بالغ الحساسية. فللمرة الأولى، ترد في وثيقة قضائية فرنسية إشارة إلى خطر مزدوج مصدره النظام الإيراني والملكيون ضد تظاهرة للمقاومة الإيرانية. ومن وجهة نظر المقاومة، كشف ذلك أن تيارين استبداديين، هما نظام ولاية الفقيه وبقايا نظام الشاه، يلتقيان في العداء للشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. ومن هنا اكتسب شعار “لا شاه ولا ملا” معنى جديدًا في باريس؛ فهو يرفض الدكتاتورية الدينية القائمة كما يرفض العودة إلى استبداد الشاه.

وبالرغم من المنع الرسمي والتهديدات الأمنية، شهدت باريس في 20 حزيران (يونيو) حضورًا واسعًا للإيرانيين. فقد تجمع آلاف ممن وصلوا إلى المدينة في نقاط مختلفة. والتظاهرة التي كان يفترض أن تسير في مسار واحد محدد، استمرت عمليًا في عشرات المواقع داخل باريس. وظهرت مئات الحافلات في محيط المدينة ونقاطها المختلفة، بينما حملت مجموعات من الإيرانيين الأعلام والشعارات وصور الشهداء والسجناء السياسيين ولافتات منددة بالإعدامات، ونقلت رسالتها إلى شوارع العاصمة الفرنسية.

وردد المشاركون شعارات ضد الإعدامات والقمع والحروب وتصدير الإرهاب، وضد شكلي الدكتاتورية، الدينية والملكية. وكانت رسالتهم المركزية واضحة: الحل في إيران ليس حربًا خارجية، ولا مساومة مع النظام، ولا عودة إلى حكم الشاه، بل إسقاط النظام على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، وإقامة جمهورية ديمقراطية.

وفي عدد من نقاط باريس، تدخلت الشرطة الفرنسية لتفريق المشاركين. وتحدثت تقارير عن استخدام العنف، واعتقال أكثر من خمسين شخصًا، وإصابة عدد من المشاركين بجروح، بينها كسور وأضرار جسدية خطيرة. وبالرغم من الإفراج لاحقًا عن معظم المعتقلين، فإن الصور والروايات المتعلقة بتعامل الشرطة مع متظاهرين كانوا يرفعون شعارات ضد الإعدام والقمع في إيران أثارت غضبًا واسعًا بين المشاركين ومناصري المقاومة.

ومن اللافت أن كثيرًا من وسائل الإعلام ووكالات الأنباء الدولية ركزت في تغطيتها على خبر “إلغاء التظاهرة”، بينما كانت الحقيقة الميدانية أوسع بكثير. ما لم يُنقل بما يكفي هو حضور آلاف الإيرانيين في شوارع باريس، وتعدد التجمعات في نقاط مختلفة، وتدخلات الشرطة، والاعتقالات، والإصابات، وتحول قرار المنع إلى مشهد من الصمود الجماعي. ولهذا، فإن ما جرى في باريس لم يكن رواية “تظاهرة أُلغيت”، بل رواية فشل محاولة إسكات صوت المقاومة الإيرانية.

فقد وجّه مسعود رجوي، زعيم المقاومة الإيرانية، رسالة إلى المشاركين في المظاهرة قال فيها إنهم حوّلوا “الشر الكبير” إلى “خير عظيم”، وكشفوا السيناريو المشترك لبقايا الملا والشاه وأصحاب المساومة، مضيفًا أن الإيرانيين في باريس، بدلًا من تظاهرة واحدة، تكاثروا وانتشروا في عدة تظاهرات في نقاط مختلفة من المدينة. واعتبر أن ذلك أثبت وجود بديل ديمقراطي مستقل يحمله أبناء إيران.

وبالتوازي مع هذه التطورات الميدانية، عُقد المؤتمر العالمي “إيران الحرة 2026” في باريس، بمشاركة شخصيات سياسية وحقوقية وبرلمانية بارزة من أوروبا وأميركا الشمالية. وكان القاسم المشترك في كثير من الكلمات هو إدانة منع التظاهرة، ورفض سياسة المساومة مع النظام الإيراني، ودعم حق الشعب الإيراني في المقاومة والتغيير.

وأكدت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أن النظام الإيراني يستخدم الحرب والإعدامات والقمع والمشروع النووي والتدخل في دول المنطقة أدواتٍ لبقائه. وقالت إن الحرب تشكل درعًا لهذا النظام في مواجهة الانتفاضات الشعبية، وإن الحل الحقيقي لا يكمن في حرب خارجية، ولا في مساومة مع النظام، ولا في بدائل مصطنعة، بل في الثورة الديمقراطية للشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.

كما اتخذت شخصيات دولية مواقف واضحة. فقد قال شارل ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، إن المساومة مع الدكتاتوريات لا تؤدي إلى نتيجة، وإن الحرب ليست حلًا دائمًا. واعتبر بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، أن منع التظاهرة كان خطأً، مؤكدًا أن حرية إيران ستتحقق من داخل إيران وبإرادة شعبها. أما جون بركو، الرئيس السابق لمجلس العموم البريطاني، فقال إن النظام يمكنه قتل الناس، لكنه لا يستطيع قتل فكرة الحرية.

في النهاية، جاءت محاولة إسكات صوت الإيرانيين بنتيجة معاكسة. فالتظاهرة التي كان مقررًا أن تُنظم في نقطة واحدة استمرت في عدة نقاط من المدينة، والرسالة التي كان يراد حجبها ترددت في الشوارع، وفي قاعة المؤتمر، وفي كلمات شخصيات دولية.

لقد أظهر يوم 20 حزيران (يونيو) في باريس أن المقاومة الإيرانية تمتلك، حتى في مواجهة الضغط السياسي والتهديد الأمني والمنع الإداري والتعامل الشرطي، قدرة واضحة على التنظيم والحضور وإيصال الرسالة. والأهم أنه أظهر أن النظام الإيراني، وهو يحاول إسكات هذا الصوت، دلّ بنفسه المجتمع الدولي على خصمه الحقيقي: ليس قوة أجنبية، بل الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.

ولم يكن هذا الحدث مجرد خبر عن تظاهرة مُنعت، بل مشهد سياسي في قلب أوروبا كشف قوة البديل الحقيقي، وأثبت أن صوت إيران الحرة لا يمكن إسكاتُه بقرار منع، ولا بتهديد تفجير، ولا بتعتيم إعلامي.

الاتحاد الفاضح بين الملالي وبقايا نظام الشاه ضد إيران الحرة

ایلاف – مهدي رضا:
يكشف منع تظاهرة باريس تلاقي نظام الملالي وبقايا الشاه عمليًا ضد المقاومة الإيرانية وشعار “لا شاه ولا ملا” بوصفه طريقًا إلى جمهورية ديمقراطية.
أحد أهم الأبعاد السياسية والاستراتيجية لما جرى في باريس يوم 20 حزيران (يونيو) 2026 هو أن شعار “لا شاه ولا ملا” لم يعد مجرد هتاف سياسي يعبّر عن رفض الإيرانيين لدكتاتوريتي الشاه والملالي، بل تحوّل إلى حقيقة موثقة كشفت تواطؤًا عمليًا فاضحًا بين بقايا الاستبداد الملكي ونظام ولاية الفقيه ضد البديل الديمقراطي المنظم.

فقد أشار حكم المحكمة الإدارية في باريس، استنادًا إلى تقارير استخباراتية، إلى أن تظاهرة 20 حزيران (يونيو) كانت “معرضة لخطر هجوم كبير من قبل النظام الإيراني أو بقايا نظام الشاه”. كما تحدث الحكم عن وجود جهاز أمني يُسمى السافاك لدى بقايا نظام الشاه، ينشط في أوروبا، وهدد بزرع قنبلة إذا سُمح بتنظيم التظاهرة. هذه المعطيات لا تكشف مجرد تهديد أمني عابر، بل تكشف بصورة واضحة أن الطرفين، بالرغم من اختلاف شعاراتهما، التقيا عمليًا عند هدف واحد: منع ظهور صورة أكثر من مئة ألف إيراني يعلنون في قلب أوروبا رفضهم للملالي والشاه معًا، ويدعمون بديلًا ديمقراطيًا منظمًا.
هذه هي دلالة الاتحاد الفاضح بين الملالي وبقايا الشاه. فالطرفان لا يحتاجان إلى إعلان تحالف رسمي حتى تتضح وظيفتهما المشتركة. يكفي أن يكونا في الخندق العملي نفسه عندما يتعلق الأمر بمواجهة المقاومة الإيرانية. نظام ولاية الفقيه يخشى من هذه المقاومة لأنها تكشف ضعفه الداخلي وتقدم بديلًا منظمًا له. وبقايا الشاه يخشونها لأنها تسقط وهم أن مستقبل إيران يمكن أن يُختزل في عودة الحكم الوراثي أو إعادة إنتاج الاستبداد القديم.

ومن هنا تبرز أهمية شعار “لا شاه ولا ملا”. فهو لا يرفض فقط النظام القائم في طهران، بل يرفض أيضًا إعادة تدوير الماضي الملكي بوصفه بديلًا مزعومًا. إنه يقطع الطريق على الثنائية المصطنعة التي يحاول النظام وأنصار الشاه فرضها على الرأي العام: إما بقاء الملالي، أو العودة إلى الشاه. أما الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة فيطرحان طريقًا ثالثًا: جمهورية ديمقراطية، سيادة الشعب، فصل الدين عن السلطة، المساواة بين المواطنين، ورفض كل أشكال الدكتاتورية.

إن ما جرى في باريس جعل هذه الحقيقة أكثر وضوحًا. فكلما ارتفع صوت البديل الديمقراطي، تحركت ضده قوى الاستبدادَين معًا: استبداد ديني يريد البقاء بالقمع والإعدام، واستبداد ملكي سابق يريد العودة عبر الدعاية والتهديد والتشويش. لذلك لم يكن منع التظاهرة مجرد إجراء إداري أو أمني، بل كان اختبارًا كشف من يخاف من صوت الإيرانيين الأحرار.

لقد أراد نظام الملالي وبقايا الشاه، كلٌّ من موقعه، منع مشهد سياسي كبير في باريس. لكن النتيجة جاءت معاكسة. فبدلًا من إخفاء شعار “لا شاه ولا ملا”، منحه الحكم القضائي والوقائع الميدانية معنى أعمق: هذا الشعار أصبح تعبيرًا عن مواجهة حقيقية بين مشروعين؛ مشروع الاستبدادَين المتحالفين عمليًا ضد حرية إيران، ومشروع جمهورية ديمقراطية تقوم على إرادة الشعب.

لذلك، فإن 20 حزيران (يونيو) في باريس لم يكن فقط يومًا لمواجهة قرار الحظر، بل كان يومًا كُشف فيه الاتحاد الفاضح بين الملالي وبقايا الشاه ضد إيران الحرة، واكتسب فيه شعار “لا شاه ولا ملا” معنى سياسيًا وأمنيًا موثقًا. فهذا الشعار لم يعد مجرد صرخة احتجاج، بل أصبح عنوان الطريق إلى إيران المستقبل: لا عودة إلى الماضي، ولا استمرار للوضع القائم، بل عبور من الدكتاتوريتين إلى جمهورية ديمقراطية حرة.

ایران… 10 مدن إيرانية تشهد تصعّید حملة ثلاثاء لا للإعدام وتحدى آلة القتل التابعة لـ نظام الملالي من جانب وحدات المقاومة

موقع المجلس:
رداً على موجة الإعدامات التعسفية والوحشية التي يشنها النظام، و تزامناً مع استمرار حملة ثلاثاء لا للإعدام الوطنية، نفذت وحدات المقاومة البطلة سلسلة من العمليات الميدانية والنشاطات الدعائية المكثفة. وقد عمت هذه الفعاليات المناهضة للقمع 10 مدن إيرانية ممتدة على رقعة جغرافية واسعة، وهي: مشهد، آمل، همدان، أورمية، بهبهان، تشالوس، رفسنجان، لاهيجان، شهركرد، وآبادان.

وقد ترجمت وحدات المقاومة غضب الشارع الإيراني عبر رفع اللافتات الاحتجاجية، وتنفيذ عمليات التصوير الميداني ، ووضع أكاليل الزهور إجلالاً للشهداء، مؤكدين أن المشانق لن توقف زحف الشعب نحو الحرية وإسقاط ديكتاتورية خامنئي.

ایران... 10 مدن إيرانية تشهد تصعّید حملة ثلاثاء لا للإعدام وتحدى آلة القتل التابعة لـ نظام الملالي من جانب وحدات المقاومةالوفاء للشهداء.. أكاليل زهور تتحدى المشانق
في تحدٍ مباشر للأجواء الأمنية الخانقة، أبت وحدات المقاومة إلا أن تخلد ذكرى الأبطال الذين واجهوا الموت بشجاعة:

مشهد: في لفتة وفاء وإجلال، قدمت الوحدات أكاليل الزهور تكريماً للشهيدين البطلين. وُضع الإكليل الأول إحياءً لذكرى الشهيد البطل بهروز إحساني مع رسالة وفاء خطت عليها عبارة: عزيزي بهروز، اسمك خالد إلى الأبد، بينما خُصص الإكليل الثاني لتخليد ذكرى الشهيد البطل مهدي حسني.
حملة ثلاثاء لا للإعدام.. رسائل صمود وإسقاط
حولت وحدات المقاومة جدران الشوارع في مختلف المدن إلى ساحات للمواجهة المفتوحة، رافعة شعارات تفضح رعب النظام وتؤكد على استمرار المعركة:

آمل وأورمية: عبر عمليات فتوكال ونصب لافتات، كشفت الوحدات عن نقطة ضعف النظام بشعار موحد: تصاعد وتيرة الإعدامات يعكس رعب النظام من اتساع رقعة الاحتجاجات.
همدان ورفسنجان: رُفعت لافتات العزيمة والصمود التي تؤكد على مسار المعركة: صوت واحد، صرخة واحدة، الانحناء ممنوع، والمقاومة حتى آخر رمق.
تشالوس: ربطت الوحدات بين التضحية التاريخية والمقاومة الحالية بشعار: رسالة عاشوراء الحسين: الانحناء ممنوع، والمقاومة حتى آخر رمق.
بهبهان: نُصبت لافتة تبشر بحتمية الانتصار قائلة: من الدماء الحمراء للرفاق تهب آلاف العواصف.
لاهيجان: صدحت الجدران بشعار يلخص صمود الأسرى: صرخة كل سجين: هيهات منا الذلة.
شهركرد: جددت الوحدات عهدها مع الشهداء عبر لافتة كُتب عليها: قسماً بدماء الرفاق، صامدون حتى النهاية.
وشهدت مدينة آبادان في محافظة خوزستان نشاطاً مكثفاً لـ وحدات المقاومة، حيث شنت حملة لافتات واسعة النطاق ضمن إطار ثلاثاء لا للإعدام، تضمنت شعارات نارية تدعو للإسقاط المباشر:

هذا هو شعار الأمة: العار لديكتاتورية خامنئي.
حكومة الإعدامات.. ساقطة ساقطة.
قسماً بدماء الرفاق، صامدون حتى النهاية.
لا السجن ولا الإعدام قادران على إيقافنا.

ایران... 10 مدن إيرانية تشهد تصعّید حملة ثلاثاء لا للإعدام وتحدى آلة القتل التابعة لـ نظام الملالي من جانب وحدات المقاومةشجاعة الوحدات ترسم المصير بعيداً عن التدخلات الخارجية
تُظهر هذه العمليات الميدانية الواسعة والشجاعة الاستثنائية التي تتمتع بها وحدات المقاومة في 10 مدن إيرانية، أن آلة القتل والإعدام التابعة لـنظام الملالي قد فشلت فشلاً ذريعاً في كسر إرادة الشعب الإيراني. إن استمرار حملة ثلاثاء لا للإعدام يحمل رسالة استراتيجية بالغة الأهمية: إن مصير إيران ومستقبلها السياسي لا يُرسم في أروقة المفاوضات والمساومات الدولية، ولن يتحقق إطلاقاً عبر الحروب أو التدخلات الأجنبية.

إن تحرير إيران وإسقاط النظام يُحسم حصراً ونهائياً في شوارع البلاد، وبسواعد هؤلاء الأبطال في الداخل. إن دماء الشهداء، وصمود السجناء، والتزام المقاومة القاطع برفض أي محاولة للعودة إلى ديكتاتورية نظام الشاه، هي الضمانة الوحيدة لاقتلاع جذور استبداد خامنئي، وإرساء جمهورية ديمقراطية حقيقية تكفل الحرية والكرامة للجميع.

السفير لينكولن بلومفيلد: المجلس الوطني للمقاومة لديه خارطة طريق وهيكل متماسك للإطاحة بالنظام الإيراني

موقع المجلس:
يُسلط هذا التقرير الضوء على المقابلة الحصرية التي أجرتها قناة سيماي آزادي (تلفزيون المقاومة الإيرانية) مع السفير لينكلن بلومفيلد، المدير العام الأسبق للشؤون السياسية والعسكرية بوزارة الخارجية الأمريكية. يُقدم السفير بلومفيلد في هذه المقابلة تحليلاً عميقاً ومبنياً على أبحاث مستفيضة استمرت لسنوات حول حركة المقاومة الإيرانية، مفنداً حملات الشيطنة والادعاءات الباطلة التي يروج لها نظام الملالي ضد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، مثل تهمة الماركسية الإسلامية ووصمة الفرقة أو الطائفة المغلقة. كما يستعرض رؤيته وتقييمه للبديل الديمقراطي والشرعي للنظام الحالي، متمثلاً في برنامج المواد العشر الصادر عن السيدة مريم رجوي والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مؤكداً عدم وجود أي أساس مؤسسي أو شرعي لأطراف أخرى مثل رضا بهلوي، ومشدداً في الوقت ذاته على حتمية انتصار الثورة والانتفاضة الشعبية في إيران.

نص المقابلة الكامل:

المحاور : السفير بلومفيلد، شكراً جزيلاً لكم على قبول إجراء هذه المقابلة مع تلفزيون سيماي آزادي. بالنظر إلى حضوركم في العديد من مؤتمرات وتجمعات إيران الحرة على مر السنين، ما هو انطباعكم الرئيسي عن هذا النضال وعن مؤتمر إيران الحرة لهذا العام؟

السفير لينكلن بلومفيلد: شكراً جزيلاً لكم على هذه الفرصة. يسعدني جداً أن أكون مدعواً للحضور هنا في باريس. هناك نقطة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي تتعلق بمشاركتي الأولى في عام 2011 والتجمعات العديدة التي تلتها في هذه الأثناء، وهي استمرارية الهدف واستمرارية الرسالة؛ بدءاً من السيدة رجوي وصولاً إلى مسعود رجوي والخطابات التي ألقاها في الأعوام 1979 و1980 و1981. هذه الرسالة هي رسالة واحدة وثابتة؛ لا تكمن في سعي مجاهدي خلق للاستيلاء على السلطة في إيران، بل إنهم يسعون جاهدين لضمان امتلاك الشعب الإيراني لحق الاختيار، والحقوق، والقدرة على تقرير مستقبله بنفسه. وبالنظر إلى عام 1906 وعهد الدكتور مصدق، فإن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، تحت قيادة وتوجيه السيدة رجوي وفريقها، كانوا دائماً من المدافعين والداعمين للسيادة الوطنية للشعب الإيراني. إنهم لم يتراجعوا أبداً عن هذا الموقف، ولسوء الحظ، فإن معظم الناس في الغرب لا يفهمون هذا الموضوع بالشكل الصحيح واللازم.

المحاور : لقد أجريتم أبحاثاً ودراسات موسعة حول إيران، والمقاومة الإيرانية، ولا سيما حول الاتهامات وحملات الشيطنة الموجهة ضد منظمة مجاهدي خلق، مثل فرية الماركسية الإسلامية أو الادعاء بأنهم يتم تمويلهم من قِبل حكومات أجنبية. هل يمكنك تزويدنا بملخص لهذه الأبحاث وما توصلتم إليه بشأن المقاومة وهذه الاتهامات؟

السفير لينكلن بلومفيلد: كل شيء يبدأ مع مؤسسي منظمة مجاهدي خلق في ستينيات القرن الماضي؛ حيث كانوا طلاباً يدرسون التحولات في كوبا والجزائر وفيتنام، وكانوا يشهدون التغييرات التي تحدث في أنظمة في دول مثل ليبيا والعراق. لقد كانوا يتطلعون إلى مستقبل ما بعد الاستعمار لإيران. وبمجرد أن علم الشاه بهذا الأمر، رأى فيه تهديداً مباشراً لعرشه وحاول قمع المجاهدين بوحشية شديدة. لكنني أعتقد أنه من الإنصاف القول إن المجاهدين كانوا دائماً دعاة للحكم الديمقراطي. إن الشاه هو من أطلق عليهم وصف الماركسيين لمجرد أنهم درسوا كتابات ماركس حول عدم المساواة والعدالة الاجتماعية. وأنا نفسي درست نفس هذه المواد عندما كنت طالباً في جامعة هارفارد؛ فكل طالب متعلم قد قرأ هذه النصوص. الشاه هو من بدأ هذه اللعبة السياسية، ولسوء الحظ، صدق السياسيون في الغرب -بما في ذلك بلدي- هذه الفرية، وما زلنا نسمع حتى اليوم في مراكز الأبحاث والدراسات يزعمون أن المجاهدين أو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ماركسيون.

المحاور : نحن نسمع هذه الأقاويل والادعاءات من جماعات اللوبي التابعة للنظام وأحياناً في وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية بأنهم فرقة (طائفة مغلقة) ولا يمكن أن يكونوا ديمقراطيين. ماذا تقول أبحاثكم ودراساتكم بشأن هذه الاتهامات الصادرة عن الملالي؟

السفير لينكلن بلومفيلد: مرة أخرى، أقول إن القصة الحقيقية مخزية ومخجلة تقريباً لمن يروجها. عندما كان البابوات يتولون قيادة فرنسا قبل قرون مضت، وصلت حركة الإصلاح الديني إلى أوروبا. في ذلك الوقت، كانوا يطلقون على المعارضین اسم سِكت (Sect) والتي تعني فرقة أو طائفة منشقة. هذا الأسلوب من الإساءة بدأ في فرنسا وأوروبا منذ سنوات طويلة كوسيلة لوسم الآخرين بأنهم انحرافيون، حيث كانوا يروهم مختلفين عن الدين الرسمي أو عن نهج الولي الفقيه خميني. بعد ذلك، انتقلت كلمة فرقة إلى أمريكا وافترض الناس هناك أنهم يمثلون فرقة مغلقة. ولماذا هذا الافتراض؟ لأنهم كانوا يعيشون في مناطق محمية ومسورة في العراق، في أشرف ثم بعد ذلك في ألبانيا، في موقع محمي. ولماذا كان محمياً؟ لأنه منذ عام 1979، عندما دُعي مسعود رجوي من قِبل الولي الفقيه خميني للقاء، وقال مسعود له بصراحة إن أتباعه من المسلمين لا يمكنهم القبول بالديكتاتورية بعد أن ناضلوا وكافحوا ضد ديكتاتورية الشاه، وأكدوا أن الشعب الإيراني لن يقبل بالديكتاتورية مجدداً. أدى ذلك إلى صدور فتوى مكتوبة بخط اليد من قِبل الولي الفقيه خميني أهدرت دم مسعود رجوي والحركة بأكملها، وقاموا بتصفية وقتل عشرات الآلاف منهم منذ عام 1981 و1988 وحتى يناير من هذا العام. بناءً على ذلك، من الطبيعي تماماً ألا يثق المجاهدون ببعض أعضاء من يُسمون أنفسهم بالمعارضة الإيرانية، لأنهم قد يكونون مجندين ومخترقين من قِبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للنظام لتحديد مواقعهم، أو تشخيصهم، أو حتى اغتيالهم. لذلك، فهم يعيشون في أماكن محمية ليس لأنهم فرقة، بل لأنهم ناجون من مجازر ويصونون ثقتهم المتبادلة ولديهم مهمة مقدسة لإقرار الديمقراطية وإعادة حق السيادة المغتصب إلى الشعب الإيراني.

السفير لينكولن بلومفيلد: المجلس الوطني للمقاومة لديه خارطة طريق وهيكل متماسك للإطاحة بالنظام الإيرانيبوريس جونسون في مؤتمر “إيران الحرة 2026”: التغيير حتمي من الداخل ونؤيد مشروع البديل الديمقراطي
انتقد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، في كلمته بمؤتمر “إيران الحرة 2026” في باريس، قرار السلطات الفرنسية بحظر التجمع السلمي، معتبراً إياه رضوخاً لنظام طهران. وأكد جونسون أن التغيير الجذري وإسقاط نظام الولي الفقيه سيتحقق حتماً من الداخل عبر الإرادة الصلبة للشعب الإيراني وشبابه، معلناً دعمه المطلق لمشروع المواد العشر المطروح من قِبل السيدة مريم رجوي كبديل ديمقراطي حقيقي.

مواقف دولية | مؤتمر باريس | يونيو 2026
رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون في مؤتمر إيران الحرة
المحاور : هناك نقاشات كثيرة تدور حول البديل لنظام الملالي الحالي. بناءً على أبحاثكم وخبرتكم الطويلة طوال هذه السنوات في الشأن الإيراني وقوى المعارضة، ما هو البديل الذي ترونه معتبراً وقابلاً للتطبيق عملياً؟

السفير لينكلن بلومفيلد: رأيي الشخصي والراسخ هو أنه لا يوجد أي مبرر أو داعٍ للتعامل والتعاطي مع نظام لا يلتزم بأي قانون ولا يحترم أي سيادة دولية. فمنذ بداية الثورة، وعندما عاد الولي الفقيه خميني في فبراير 1979، طالب فوراً بالاستيلاء على جنوب العراق ودعا صراحةً إلى تغيير النظام في بغداد ضد صدام حسين. لقد كان يريد المدن المقدسة، وأطلق شعار من كربلاء إلى القدس؛ مما يعني أنه لم يكن يحترم الحدود الجغرافية لإيران بل كان يسعى وراء بيت المقدس والمسجد الأقصى كجزء من تمدده التوسعي. بناءً عليه، أنا مؤمن بأن النظام الإيراني قد فقد تماماً مواصفات وحقوق الدولة المستقلة. فلماذا ينبغي أن تكون لديهم سفارات في جميع أنحاء العالم؟ ولماذا نرسل دبلوماسيين إلى إيران؟ ولماذا نقدم لهم التنازلات؟ في عام 2018، حاولوا تنفيذ عملية تفجير عبر نقل قنبلة على متن رحلة طيران تجارية إلى فيينا لاستهداف وتفجير مؤتمر باريس؛ حيث كنت أجلس أنا وزوجتي على مقربة من السيدة رجوي. لذلك، لا ينبغي أن يتمتعوا بأي امتيازات دولية، وأنا لو كنت في موقع القرار لما تعاملت معهم بأي شكل من الأشكال.

ولكن في المقابل، هناك بديل حقيقي وقائم؛ حيث يدعم أكثر من 100 رئيس دولة وحكومة سابق، و87 حائزاً على جائزة نوبل، و4000 برلماني -بمن فيهم أغلبية أعضاء مجلس النواب الأمريكي- برنامج المواد العشر الذي طرحته السيدة مريم رجوي. وإن عدم تحدث وزارة خارجيتنا معهم هو إرث بائد يعود لأزمة الرهائن في ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث كنا نخشى أنه إذا تحدثنا مع المجاهدين، فإن النظام الإيراني سيغضب كثيراً ولن يبرم اتفاقات بشأن الرهائن أو برنامج التخصيب النووي. لذلك قضينا سنوات طويلة في استرضائهم ومداهنتهم. مِمَ نخاف إذن؟ ولماذا نخاف من التحدث مع السيدة رجوي؟ إنها قائدة صانعة للسلام وتقود حركة تدار من قِبل النساء وتعمل بدأب وإخلاص من أجل التغيير الحقيقي في إيران. لعلنا نستطيع لأول مرة أن نفتح أعين وزارات الخارجية الغربية لبدء هذا الحوار الفعال.

المحاور : بناءً على معرفتكم والدعم المتزايد للحكومة المؤقتة القائمة على برنامج المواد العشر للسيدة رجوي، كيف تقيمون هذا البرنامج لمستقبل إيران؟

السفير لينكلن بلومفيلد: أعتقد أن من يملكون الأهمية القصوى والكلمة الفصل هم 92 مليون مواطن إيراني. يجب علينا أن نكون متواضعين؛ وأنا كأمريكي يجب أن أتحلى بالتواضع، فهذه ليست بلدي وليس مستقبلي، على الرغم من أنني سأتأثر بمستقبل إيران كما تأثرت في الماضي بالإرهاب الصادر عن هذا النظام. نحن نريد أن يكون للشعب الإيراني صوت مسموع. وكما قالت السيدة رجوي في أول مرة شاهدتها تخطب في باريس عام 2011، إن الشعب الإيراني هو من يجب أن يقرر من يكون قائده ورئيسه، وأكدت قائلة إننا نفخر بأن نكون في صفوف المعارضة الوفية والمخلصة في إيران حرة. لقد كررت هذا القول مراراً وتكراراً. هذا النهج يختلف تماماً عن ذلك الرجل الذي هو ابن الشاه، والذي لا يملك أي خلفية أو تاريخ في السياسة أو الشؤون الإيرانية، ويخرج ليقول إنهم ينادون باسمي ويعلن نفسه الشاه، دون أن يتضح أي دور مؤسسي يمكن أن يؤديه. إن السيدة رجوي تمثل حركة مقاومة عريقة تمتد لـ 60 عاماً، وقفت دائماً وثبتت من أجل نفس المبادئ التي ناضلت من أجلها: مستقبل ديمقراطي ومشروع تُدار فيه البلاد من قِبل الشعب الإيراني، تماماً كما تُدار كافة الدول الغربية والحديثة.

عندما تنظر إلى المستقبل بواقعية، لا يوجد أي شيء في شخصية أو مسيرة رضا بهلوي يؤهله أو يجهزه بأي طريقة من الطرق للمساعدة في إعادة بناء البلاد على أساس مؤسسي شرعي ومشروع. في حين أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يمتلك برامج، ولجاناً، وهيكلية تنموية، وخارطة طريق شاملة وواسعة لمساعدة إيران على عبور هذا الكابوس المرعب والمظلم الذي فرضه هؤلاء الملالي الفاسدون الذين استغلوا الدين الإسلامي الحنيف لتحقيق مآرب ومصالح سياسية ضيقة، ونهبوا أموال وثروات البلاد لإنفاقها وتبديدها خارج الحدود؛ وذلك من أجل الانتقال بالبلاد نحو دولة حديثة، عادلة، ومزدهرة تستوعب وتستثمر كافة الطاقات العظيمة للشعب الإيراني الكريم.

المحاور : والآن ننتقل إلى سؤال شخصي وعاطفي أكثر. لقد واكبتم وعشتم مع المقاومة الإيرانية لسنوات طويلة، ورأيتموهم في واشنطن وباريس وفي أنحاء أوروبا. ما هي أفضل ذكرياتكم في هذا الكفاح، وما هي أصعب وأقسى اللحظات التي مرت بكم إن أمكنكم إخبارنا بها؟

السفير لينكلن بلومفيلد: أعتقد أن أكثر ما يؤثر في وجداني عاطفياً وعميقاً هو حجم الحزن والألم والمعاناة التي تحملها كل فرد من أبناء الجالية الإيرانية في المنفى، سواء أكانوا أعضاءً في المقاومة أو من أنصارها ومؤيديها، وفي المقابل تلك الشجاعة والشهامة والبسالة الهائلة التي يستمدونها من وقوفهم جنباً إلى جنب كجسد وحركة واحدة. إنهم يتمتعون بروح معنوية عالية ويبثون الفرح، لكنهم يشعرون بحزن عميق ومؤلم عندما يتابعون الإعدامات اليومية والمتتالية التي ينفذها النظام بحق الأبرياء؛ إنه أمر مؤلم للغاية ومفجع. الكثير من الناس قد لا يملكون القدرة على رفع رؤوسهم أو التفكير بصفاء وهم يشاهدون أشخاصاً يعرفونهم يُساقون إلى أعواد المشانق والإعدام.

ولكن من جهة أخرى، هم يرون بزوغ فجر جديد؛ هناك جيل جديد وصاعد من المؤيدين والأنصار الذين لم يكونوا يعرفونهم من قبل. هؤلاء الشباب يقفون اليوم بنفس الشجاعة، ونفس الالتزام، ونفس المبادئ الراسخة، مجازفين بأرواحهم وأنفسهم، تماماً كما فعل الجيل الذي سبقهم. هذا المشهد يمثل مصدر إلهام هائل وعميق لأصدقائي في المقاومة. لذلك، أعتقد أن وقوفهم معاً، ووفاءهم لبعضهم البعض، وثقتهم المطلقة المتبادلة هي الأمر الجوهري والأهم. لم أكتفِ بدراسة وتفحص تاريخ المقاومة فحسب، بل إنني بصفتي مسؤولاً سابقاً في الأمن القومي الأمريكي، كنت أشعر بقلق بالغ وعميق من أن حكومة بلادي لا تستوعب القصة الحقيقية للأحداث، ولا تفهم السبب الكامن وراء كون هذه المقاومة تشكل تهديداً وجودياً ومرعباً للنظام الحاكم. هذا التهديد يعود بالأساس إلى إيمان المقاومة الراسخ بأن الإسلام هو دين الحرية، وأن الإسلام يتوافق تماماً مع الحقوق الكاملة، والمساواة التامة بين الجنسين، والحقوق السياسية، والقضاء المستقل، والإجراءات القانونية العادلة، وسيادة القانون الدولي. هذا الفكر المستنير هو النقيض التام والدقيق للديكتاتورية العصور وسطية والظلامية التي أسسها خميني؛ ولهذا السبب تحديداً ينعتهم النظام بـ المنافقين لأنهم يتبنون مساراً مغايراً تماماً ويهدم ركائز شرعيته الزائفة. إنهم فخورون بالوقوف دفاعاً عن القيم الإنسانية والحق في وجه هذا الكابوس المروع الذي جثم على صدر إيران طويلاً.

مريم رجوي في مؤتمر “إيران الحرة 2026”: النظام لن يتخلى عن مشروع القنبلة الذرية والتدخل الإقليمي
أكدت السيدة مريم رجوي، خلال فعاليات مؤتمر “إيران الحرة 2026” في باريس، أن النظام الحاكم في طهران لن يتخلى طواعية عن مساعيه لامتلاك السلاح النووي أو سياسات التدخل في شؤون دول المنطقة. وشهد المؤتمر قمة سياسية شارك فيها قادة دوليون بارزون، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون ورئيس المجلس الأوروبي السابق شارل ميشيل، لبحث مستقبل التغيير الديمقراطي في إيران.

السفير لينكولن بلومفيلد: المجلس الوطني للمقاومة لديه خارطة طريق وهيكل متماسك للإطاحة بالنظام الإيرانيمؤتمر باريس | مواقف سياسية | يونيو 2026
كلمة السيدة مريم رجوي في مؤتمر إيران الحرة 2026 بباريس
المحاور : لقد أشرتم إلى الجيل الجديد الذي ينضم ويتدفق إلى صفوف المقاومة. ولقد قام النظام الإيراني بإعدام بعضهم مؤخراً، لا سيما هؤلاء الأعضاء الستة في منظمة مجاهدي خلق الذين انتشرت أنشودتهم الحماسية في جميع أنحاء العالم وبثّت أصداءً واسعة. ما هو رأيكم وتقييمكم لهذا الجيل الباسل وإعدامهم من قِبل النظام؟ ما هو هدفهم، وماذا يجني النظام من هذه الإعدامات المتواصلة وإعدام متظاهري انتفاضة يناير المستمرة طوال الأيام؟

السفير لينكلن بلومفيلد: إن دراستي المعمقة للأنظمة الديكتاتورية منذ مرحلة الدراسة الجامعية والدراسات العليا تخبرني بوضوح بأنه إذا كنت ديكتاتوراً، فإنك تنظر دائماً إلى الشباب والرجال اليافعين برعب وتوجس، وتعتقد في قرار نفسك أن هؤلاء الشباب هم القادرون على الإطاحة بي وتدمير عرشي. إذن، ماذا أفعل لأقمعهم وأشغلهم عني؟ أقوم بإرسالهم وزجهم في أتون الصراعات في سوريا، وفي لبنان، وفي اليمن؛ لكي يبقوا مشغولين ومستنزفين بعيداً عن الداخل. لقد كان حافظ الأسد في سوريا يحتفظ دائماً بـ 40 ألف جندي ورجل في لبنان، ولماذا؟ لكي يبقيهم بعيداً عن دمشق ويأمن جانبهم. بناءً عليه، فإن هذه الإعدامات الوحشية لها أهداف محددة؛ الهدف الأول هو إبقاء عناصر وأزلام النظام مشغولين ومستنفرين ليشعروا بأنهم يفعلون شيئاً لحماية سلطتهم، والهدف الثاني والأهم هو محاولة تشتيت حركة المقاومة وحرف أنظارها عن التركيز على القضية الكبرى والأساسية، وهي إسقاط النظام وتأجيج وتوسيع نطاق الانتفاضة الشعبية العارمة. هذا الأمر يذكرني تماماً بالهجمات الدموية والغادرة السابقة التي شُنت ضد معسكر أشرف 2 في العراق ومخيم ليبرتي، والتي كانت تستهدف كسر شوكة المقاومة وحرف تركيزها عن الهدف الأسمى والنهائي. ولكن بمجرد وصولهم بأمان إلى ألبانيا، تغيرت المعادلة الاستراتيجية بالكامل. أنا مؤمن تماماً بأن الثورة قادمة لا محالة، وبأنها ستأتي قريباً جداً، ولا يوجد أي طرف سواء في واشنطن أو إسرائيل أو حتى طهران مستعد أو مستشرف لتلك اللحظة التاريخية الحاسمة؛ ولذلك يجب علينا أن نناقش هذا الأمر بجدية في عطلة نهاية هذا الأسبوع.

المحاور: إذا كان لديكم رسالة خاصة تودون توجيهها هذا العام، وتخاطبون بها مباشرة أبناء الشعب الإيراني العظيم الذين يشاهدون مقابلتكم الآن عبر شاشة تلفزيون سيماي آزادي، فماذا ستقولون لهم؟

السفير لينكلن بلومفيلد: قبل كل شيء، أتمنى مخلصاً لو كان التواصل والتحدث مع الشعب الإيراني داخل البلاد أكثر سهولة ويسراً، وكنت أتمنى لو أن حكومة بلادي تمتلك وسائل وأدوات بث إعلامي ضخمة وموجهة، فمع الأسف الشديد قمنا بتقليص وتخفيض قدراتنا البثية والإعلامية في وقت تُعد فيه الساحة الحقيقية للمعركة مع هذا النظام هي ساحة المعلومات والوعي. لذلك، فإن رسالتي المباشرة للشعب الإيراني هي: لا يوجد أي شيء على الإطلاق يمكن أن يفعله هؤلاء الأشخاص المتبقون في هرم السلطة، سواء أكانوا من قادة حرس النظام أو قاليباف أو عراقجي، يمكنه أن يوقف أو يخمد انتفاضة وثورة الشعب الإيراني العظيم. يجب عليهم أن يثبتوا ويكونوا شجعاناً كما كانوا دائماً، وأن يدركوا يقيناً بأنهم يمتلكون تأييداً ودعماً دولياً هائلاً وصلباً خلفهم. وسوف ترون قريباً جداً أن الدبلوماسية الدولية الجارية الآن ستفعل وتثمر عن مزيد من الدعم والتفهم العميق في الغرب حول القصة الحقيقية والمخزية لهذا النظام الشرير، والقصة الحقيقية الملحمية لانتفاضة الشعب الإيراني الحتمية التي باتت قاب قوسين أو أدنى.

المحاور : السفير بلومفيلد، نحن ممتنون وشاكرون جداً لكم على وقتكم الثمين وعلى هذه المقابلة القيمة. شكراً جزيلاً لكم.

بدء محاكمة “مفتي البراميل” أحمد حسون في دمشق بتهم ارتكاب جرائم حرب والتحريض ضد أبناء الشعب السوري

بقلم – حسين داعي الإسلام:
دمشق، سوريا – في خطوة تاريخية طال انتظارها على طريق تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا، انطلقت في العاصمة دمشق، أولى جلسات محاكمة المفتي العام السابق للنظام السوري المخلوع، أحمد بدر الدين حسون، المعروف شعبياً بـ”مفتي البراميل“. عُقدت الجلسة العلنية في محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، لتسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة والمجازر المروعة التي وقعت خلال السنوات الممتدة بين عامي 2011 و2024، وهي الفترة التي انتفض فيها الشباب الثوار ببطولة وشجاعة نادرة لإسقاط أعتى الأنظمة القمعية والاستبدادية في المنطقة، والتي تكللت بالنجاح في ديسمبر/كانون الأول 2024.

وجاءت هذه المحاكمة بعد أن نجحت السلطات في إلقاء القبض على حسون في 27 مارس/آذار 2025 داخل مطار دمشق الدولي، أثناء محاولته اليائسة للفرار من البلاد باتجاه العاصمة الأردنية عمّان تحت غطاء إجراء عملية جراحية. وسبق عملية الاعتقال بأسابيع قليلة، وتحديداً في 17 فبراير/شباط 2025، قيام حشود من الشباب الثوار باقتحام ومحاصرة منزله في حي الفرقان بمدينة حلب، مرددين هتافات تطالب بمحاكمته العاجلة على الدماء التي أُريقت بفتاواه، مما أجبره على محاولة الهرب التي باءت لاحقاً بالفشل.

وخلال الجلسة الافتتاحية التي ترأسها قاضي المحكمة وبحضور النائب العام للجمهورية المستشار حسان التربة، ولفيف من ممثلي المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، تم تلاوة لائحة اتهام مطولة ومفصلة. وقد وُجهت لحسون تهم رئيسية تتعلق بالاشتراك المباشر في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتضمنت اللائحة ما يلي:

* إقامة شبكة من العلاقات الواسعة والمباشرة مع كبار أركان النظام المخلوع، وعلى رأسهم بشار الأسد وكبار الضباط الأمنيين وقادة الميليشيات الطائفية.

* التحريض الممنهج على العنف والقتل من خلال إلقاء محاضرات تعبوية أمام مئات الضباط وعناصر الأمن، حثهم فيها على سحق المعارضين وإبادتهم بلا هوادة.

* ممارسة التحريض الإعلامي السافر ضد المدنيين واللاجئين، وتوجيه دعوات علنية لإخلاء مناطق سكنية، وتوجيه تهديدات مباشرة بالقتل والتدمير لأهالي محافظة إدلب والمدن الثائرة.

* تأييد مجرمي الحرب بشكل علني، ومنهم قادة أمنيون متورطون في إبادة المدنيين، ومباركته التامة للتدخلات العسكرية الأجنبية التي ساهمت في تدمير البنية التحتية السورية.

* تشريع الغطاء الديني للمجازر وتسهيل عمليات الإعدام الممنهجة، حيث عمل حسون كأداة قمعية تضفي الشرعية على قرارات السلطة القضائية لنظام الجلادين التابعة لنظام الأسد. وقد وثقت التقارير الدولية توقيعه ومصادقته على إعدام الآلاف من المعتقلين السياسيين في سجن صيدنايا، في نهج دموي متطرف يحاكي ممارسات أي النظام الكهنوتي الذي يستغل الدين لقمع الحريات وإزهاق الأرواح.

وأوضح قاضي المحكمة أن لائحة الاتهام وُضعت بناءً على أسس قانونية دولية ومحلية راسخة، مستندة إلى اتفاقيات جنيف الأربع، والمادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما استندت إلى قانون العقوبات السوري رقم 48 لعام 1949، والذي يعاقب على التحريض على القتل العمد وإثارة الحرب الأهلية. وشددت المحكمة على مبدأ قانوني صارم وهو عدم تقادم جرائم الحرب الجسيمة، وعدم جواز العفو عن مرتكبيها.

لقد ارتبط اسم أحمد حسون طوال فترة وجوده في منصبه بتحويل المؤسسة الدينية إلى واجهة لتبرير سفك الدماء، حيث أفتى بقصف الأحياء الآمنة بالبراميل المتفجرة، مبرراً تدمير بلده وتهجير الملايين من شعبه لتثبيت حكم النظام المخلوع.

وفي ختام الجلسة، قررت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تأجيل جلسات المحاكمة إلى 16 يوليو/تموز 2025 لضمان استكمال الإجراءات القانونية. إن مثول “مفتي البراميل” اليوم في قفص الاتهام يمثل انتصاراً كبيراً لإرادة الشعب السوري وتتويجاً لتضحيات أبنائه، مؤكداً أن العدالة ستطال كل من تلوثت يداه بدماء الأبرياء.

سقوط النموذج الكهنوتي في إيران.. المقاومة الإيرانية ركيزة للجمهورية الديمقراطية

مظاهرات انصار المقاومة الایرانیة في بروکسل-
أمد للإعلام – د.مصطفى عبدالقادر:
أمد/ يأتي انعقاد مؤتمر “إيران الحرة 2026” في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية حيث يواجه النظام الإيراني ضغوطاً بنيوية متصاعدة تتقاطع فيها أزمات الخلافة السياسية مع الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي، وفي خطابها أمام المؤتمر طرحت السيدة مريم رجوي رئيسة الجمهورية المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية رؤية استراتيجية تتجاوز المطالبة السطحية بالتغيير لتقدم بدلاً من ذلك خارطة طريق ترتكز على فكرة المقاومة المنظمة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على كسر استعصاء النظام وتجنب سيناريوهات الفوضى.
معادلة الاسترضاء في مواجهة المقاومة
يعتمد التحليل الاستراتيجي للمشهد الإيراني على تفكيك سياسة “الاسترضاء” التي انتهجتها ولا زالت تنتهجها قوى دولية لفترات طويلة.. وتشير القراءات الميدانية والتقارير السياسية الدولية إلى أن الرهان على إصلاح النظام من الداخل قد أثبت فشله الذريع، وفي هذا السياق يبرز خطاب المقاومة الإيرانية كطرف يرفض “الحرب الخارجية” بقدر رفضه “للاسترضاء”.. الاستراتيجية هنا تقوم على تفعيل القوة الذاتية للداخل الإيراني، وتحدي السردية التي تروج لخيارات صفرية: إما بقاء النظام الحالي أو العودة إلى دكتاتورية “العهد البهلوي” البائد مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة أن التغيير في إيران ليس مرهوناً بصفقات خارجية بل بقدرة وحدات المقاومة على الأرض في تنظيم وتوجيه الغضب الشعبي.
أزمة الشرعية وتآكل بنية السلطة
يظهر النظام الإيراني في عام 2026 أكثر هشاشة من أي وقت مضى خاصة مع تعثر عملية انتقال السلطة في ظل غياب خامنئي، وإن ضعف الإجماع داخل مجلس الخبراء يعكس أزمة شرعية عميقة لا تقتصر على الجانب السياسي فحسب بل تمتد لتشمل فشل السياسات الإقليمية والاقتصادية التي اتُخذت كدروع لحماية النظام، والمثير هو أن المقاومة الإيرانية باتت تُقدم نفسها كقوة كاشفة للاختلالات الاستراتيجية لا سيما في ملفاتها النووية والصاروخية محولةً هذه الملفات من أدوات ابتزاز للنظام إلى قضايا أمن دولي توجب على العالم دعم بديل ديمقراطي ومسؤول.
ضمانات المرحلة الانتقالية نحو “عقيدة أمنية” جديدة
في ظل التساؤلات غير المشروعة للقوى الدولية حول مرحلة ما بعد النظام يقدم المجلس الوطني للمقاومة ضمانات بنيوية تهدف إلى طمأنة المحيط الإقليمي والدولي؛ تتمثل أولى هذه الضمانات في فك الارتباط الكامل بين الدولة الإيرانية وسياسات “تصدير الأزمات” حيث يلتزم البديل بإنهاء الدعم الميليشياوي الإقليمي وتحويل الموارد نحو التنمية الوطنية، ثم تأتي الضمانة النووية إذ يلتزم المجلس بالشفافية الكاملة أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتحويل المنشآت النووية إلى أغراض سلمية تحت رقابة دولية صارمة مما ينهي حالة الغموض التي تهدد الأمن الإقليمي، ويطرح المجلس مفهوم الحكومة المؤقتة كإطار مؤسسي لضمان انتقال سلمي للسلطة خلال فترة لا تتجاوز 6 أشهر مما يقطع الطريق على المشككين والفوضى التي قد تُفتعل، ويضمن استمرارية الخدمات العامة وهيبة الدولة وهو ما يعد “صمام أمان” يمنع انزلاق إيران إلى نموذج “الدولة الفاشلة”.
التحديات والآفاق المستقبلية
تواجه المقاومة الإيرانية تحدياً مزدوجاً: الأول يتمثل في حملات الشيطنة المنظمة التي يقودها النظام لتشويه صورتها، والثاني هو محاولات “فلول نظام الشاه” إعطاء انطباع بوجود بديل بهلوي وهو ما تراه التحليلات الميدانية عاملاً يشتت المعارضة ويصب في مصلحة النظام الحالي.
إن نجاح استراتيجية التغيير التي تنادي بها رجوي يعتمد بشكل أساسي على الاعتراف الدولي بـ “المقاومة المنظمة” كبديل شرعي وقادر على القيادة.. وفي اللحظة التي يدرك فيها المجتمع الدولي أن القوة الكامنة للتغيير تكمن في الداخل الإيراني ستتغير موازين القوى بشكل جذري.
ختاماً.. يبدو أن إيران تتجه نحو منعطف تاريخي لا يقبل فيه الشعب العودة إلى الوراء (نظام الشاه) أو القبول بالبقاء في النفق المظلم (نظام الملالي).. وإن حتمية السقوط التي تتحدث عنها المقاومة ليست مجرد شعار بل هي استنتاج مبني على تراكم الانفجارات الاجتماعية والضعف البنيوي للنظام مما يجعل مسألة التغيير في إيران “ضرورة استراتيجية” لا تضمن حرية الإيرانيين فحسب بل تمثل الركيزة الأساسية لاستقرار أمن الشرق الأوسط.

ديناميكيات الحراك الداخلي في إيران وتحديات التغيير آفاق خطة المواد العشر.. مفترق الطرق السياسي

احتجاجات شعبیة داخل ایران-

أمد للإعلام -د. سامي خاطر:
أمد/ في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والأزمات الاقتصادية الخانقة التي تشهدها إيران تتزايد التساؤلات حول مستقبل النظام السياسي ومدى قدرة المجتمع على فرض أجندة التغيير.. إذ لم يعد الحراك في الداخل الإيراني مقتصرًا على الاحتجاجات العفوية بل بدأ يتخذ أشكالاً تنظيمية أكثر وضوحاً في خطابها السياسي، وتبرز في هذا السياق “وحدات المقاومة” التي سجلت حضوراً لافتاً في مدينتي طهران وشيراز يوم الأحد 21 يونيو 2026 رافعةً شعاراتٍ تستند إلى “خطة المواد العشر” التي تطرحها السیدة مريم رجوي رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مما يطرح تساؤلات استراتيجية حول أثر هذه المبادرات على البنية السياسية والجيوسياسية للبلاد.
تفكيك البنية السياسية لـ “خطة المواد العشر”
لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن المضمون الحقوقي والسياسي الذي تتبناه؛ وخطة المواد العشر لا تقدم مجرد شعارات عامة بل تطرح نموذجاً بديلاً للنظام الاستبدادي القائم.. فمن خلال التركيز على فصل الدين عن السلطة وإقامة جمهورية تقوم على التصويت الحر والتعددية تضع هذه الخطة التحدي الجوهري أمام مبدأ “ولاية الفقيه“.
إن تحليل الشعارات المرفوعة في طهران وشيراز من المطالبة بالمساواة التامة بين الجنسين إلى استقلال القضاء يشير إلى محاولة لربط النضال السياسي بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.. هذا التوجه يسعى إلى تحويل الحراك من مجرد “غضب شعبي” إلى “مشروع سياسي” متكامل يمتلك رؤية لـ إيران غير نووية مما يبعث برسائل سياسية للمجتمع الدولي حول توجهات المقاومة الإيرانية فيما يتعلق بـ ملفات الأمن الإقليمي والدولي والتعايش السلمي.
الديناميكيات الاجتماعية والضغط التنظيمي
تشير تقارير الرصد الميداني في المدن الإيرانية إلى أن هذه الوحدات تعمل ضمن نمط “تكتيكي” يهدف إلى كسر حاجز الخوف وتوسيع نطاق التعبئة.. وإن التركيز على قضايا مثل حماية البيئة والعدالة وتكافؤ الفرص في العمل يعكس فهماً استراتيجياً لربط المطالب السياسية الكبرى بالمعاناة اليومية للمواطن الإيراني.
من منظور سوسيولوجي يعبر هذا النشاط عن تغلغل أفكار المقاومة الإيرانية في الفئات العمرية الشابة والطبقات الوسطى التي تضررت من السياسات الاقتصادية.. وإن تحويل الشارع إلى مساحة لطرح رؤى بديلة حتى وإن كانت محدودة النطاق يمثل اختراقاً للمجال العام الذي يسعى النظام للسيطرة عليه أمنياً، وهنا يكمن التحول النوعي؛ حيث لم يعد الخطاب “خارجياً” فقط بل أصبح صوتاً يتردد في مراكز الثقل السياسي والمدني (طهران وشيراز) وغيرهما مع تفاوت نسبي حسب أهمية مراكز الحراك.
الأبعاد الجيوسياسية والأمن الإقليمي
في القراءة الاستراتيجية تكتسب هذه المبادرات أهمية مضاعفة عند وضعها في سياق “التعايش الدولي” الذي تنادي به الخطة.. فالدعوة إلى إيران خالية من أسلحة الدمار الشامل تمثل ركيزة في الخطاب السياسي لهذه المقاومة، وهو ما يتقاطع مع المخاوف الدولية من التمدد العسكري والبرنامج النووي الإيراني.
بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية يمثل بروز بديل سياسي يتبنى مبادئ الحريات الفردية والقومية والحقوقية تحدياً لمفاهيم “استقرار النظام” التي كانت تحكم التعامل الغربي مع طهران لسنوات، وإن الانتقال من سياسة “الاحتواء” للنظام إلى “دعم البدائل السياسية” يعد تحولاً جيوسياسياً بحد ذاته حيث تصبح المقاومة المتمثلة في هذه الوحدات وغيرها على أرض الميدان طرفاً فاعلاً في معادلة الضغط الداخلي التي قد تؤدي على المدى البعيد إلى إعادة صياغة التوازنات القائمة.
المضي قدما نحو التغيير
إن النشاطات التي شهدتها طهران وشيراز ليست مجرد فوتوكولات عابرة بل هي مؤشر على نضج أدوات “المقاومة المدنية” في الداخل الإيراني.. إن التحدي الحقيقي أمام هذه القوى يكمن في مدى قدرتها على تحويل هذه الشعارات إلى حركة شعبية عابرة للإثنيات والطبقات وقدرتها على تقديم ضمانات حقيقية للمجتمع الدولي والداخل الإيراني على حد سواء.
في المحصلة تضع هذه التطورات النظام الإيراني أمام معضلة معقدة: إما المضي قدماً في سياسات الانغلاق والتشدد التي تزيد من فجوة الثقة مع الشارع أو الرضوخ التدريجي لمطالب الإصلاح الهيكلي التي لم تعد تقتصر على الشعارات الحقوقية بل أصبحت جزءاً من مشروع سياسي متكامل يهدف إلى إعادة تعريف هوية الدولة الإيرانية ومكانتها في المحيط الإقليمي والدولي.

“المقاومة الإيرانية” ومستقبل الدولة في إيران بعد سقوط النظام الحاكم

مظاهرات لانصار المقاومة الایرانیة في اوروبا-
المدارنت – د. سامي خاطر/ فلسطين:
خاص “المدارنت”
لم يعد ملف المقاومة الإيرانية يقتصر على كونه ورقة ضغط في أروقة الدبلوماسية الدولية بل تحول في الآونة الأخيرة إلى عنصر استراتيجي في معادلة الأمن الإقليمي.. إن طرح “خطة المواد العشر” التي تتبناها السيدة مريم رجوي رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة التعامل الدولي مع ملف إيران من مرحلة “إدارة النظام” أو “احتواء تداعياته” إلى مرحلة البحث عن بديل سياسي يمتلك رؤية رشيدة لإدارة الدولة بعد التغيير.
من حقبة “المعارضة الاحتجاجية” إلى حكومة “المشروع البديل”
تاريخياً اتسم التعامل الدولي مع المقاومة الإيرانية بالتردد أو الحذر خشية حدوث “فراغ في السلطة” أو اضطرابات غير محسوبة؛ بيد أن تقديم وثيقة سياسية متكاملة مثل “خطة المواد العشر” يغير قواعد اللعبة.. فهذه الخطة لا تكتفي بنقد النظام بل تضع إطاراً قانونياً ومؤسسياً يغطي استقلال القضاء والمساواة بين الجنسين، وحقوق القوميات والأقليات وإيران غير نووية.
هذا النوع من الطروحات يوفر للمجتمع الدولي “مرجعية سياسية” يمكن التحاور معها.. ولم تعد المقاومة الإيرانية في نظر المراقبين الدوليين مجرد تنظيم سياسي معارض بل أصبحت تمثل “مشروع دولة” قادراً على طمأنة المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي بشأن ملفات شائكة مثل الاستقرار الداخلي والإقليمي، والبرنامج النووي، وهو ما يقلل من حدة المخاوف الغربية التقليدية تجاه مرحلة ما بعد النظام الحالي.
إعادة صياغة العقد مع المجتمع الدولي
إن التأكيد في “خطة المواد العشر” على مبادئ فصل الدين عن السلطة والالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يمثل رسالة مباشرة للمجتمع الدولي بأن البديل المقترح لا يسعى لاستبدال إيديولوجيا بإيديولوجيا أخرى بل يسعى لتأسيس نظام ديمقراطي تعددي.. هذا الخطاب يتناغم بشكل متزايد مع أولويات السياسة الخارجية للعديد من الدول الديمقراطية التي تسعى لتعزيز الاستقرار القائم على احترام القانون الدولي والتعايش السلمي.
وعلى الصعيد التحليلي فإن طرح هذا المشروع البديل يسهم في:
تحييد ذريعة النظام: حيث يسحب من النظام الإيراني ورقة التخويف من الفوضى بعد أن قدمت المقاومة خريطة طريق واضحة لعملية الانتقال الديمقراطي.
بناء الجسور المؤسسية: يفتح المجال أمام المؤسسات السياسية الدولية للتعامل مع المقاومة كشريك مستقبلي بدلاً من التعامل معها كجماعة ضغط هامشية.
انغلاق الحوار الداخلي كعامل دفع دولي
مع انسداد قنوات الحوار بين الداخل الإيراني والسلطة، وتزايد القمع الممنهج يجد المجتمع الدولي نفسه أمام واقع حتمي مفاده أن النظام الحالي بات يشكل عائقاً أمام أي تسوية إقليمية مستقرة.. هنا يكتسب “المشروع البديل” أهميته ليس فقط كوثيقة قانونية بل كحامل سياسي للشرعية.
إن التقارير الصادرة عن مراكز الرصد الدولية التي تشير إلى تنامي نشاط وحدات المقاومة يعزز من مصداقية هذا المشروع كقوة فاعلة على الأرض وليس فقط كأفكار نظرية في الخارج.
نحو شراكة استراتيجية
إن التغير في نظرة المجتمع الدولي تجاه المقاومة الإيرانية هو انعكاس لمدى نضج الخطاب السياسي الذي يطرحه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.. وإن الانتقال من مرحلة “التنديد” إلى مرحلة “التقديم المؤسسي” للبديل هو التحول الأكثر أهمية في العقد الأخير.
إن المجتمع الدولي من منطلق البحث عن الاستقرار طويل الأمد بات يميل أكثر فأكثر نحو دعم الأطراف التي تقدم رؤية متماسكة عادلة وقابلة للتطبيق، وهو ما يجعل من “خطة المواد العشر” حجر الزاوية في أي حوار مستقبلي حول مستقبل إيران الجيو/ سياسي.
إن هذا التحول يشير إلى أن أي تسويات دولية قادمة لن تتعلق بكيفية “إدارة” النظام الحالي فحسب بل بكيفية “تمكين المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” البديل الديمقراطي القادر على صياغة مستقبل جديد لإيران والمنطقة.

ريال أمريكان فويس: تفتيش المواقع النووية لا يكفي.. والمطلوب إغلاق منشآت التخصيب بالكامل

موقع المجلس:
استضافت منصة ريال أمريكان فويس الإخبارية نائب مدير مكتب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في واشنطن، عليرضا جعفرزاده، في مقابلة تناولت مستجدات الملف النووي الإيراني وتعليقات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بشأن السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بإجراء عمليات تفتيش للمواقع الإيرانية بحثًا عن مواد نووية. وخلال الحوار، شدد جعفرزاده على أن النظام الإيراني انتهج، على مدى سنوات طويلة، سياسة التضليل والمماطلة، معتبراً أن السماح للمفتشين بدخول بعض المنشآت لا يمثل حلاً جوهرياً، وأن المعالجة الحقيقية تكمن في الإغلاق الكامل لجميع منشآت تخصيب اليورانيوم، لا الاكتفاء بإدارتها أو مراقبتها. كما دعا الإدارة الأمريكية إلى دعم الشعب الإيراني وقوى المعارضة المنظمة بدلاً من تقديم تنازلات للنظام في طهران.

سجل طويل من الخداع والمناورة

وفي تعليقه على الترحيب الدولي بإمكانية عودة المفتشين إلى إيران، أكد جعفرزاده أن السلطات الإيرانية لا تستجيب إلا للضغوط الحازمة. واستعرض الدور الذي لعبته المقاومة الإيرانية في الكشف عن المنشآت النووية السرية في نطنز وأراك عام 2002، وهو ما دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بدء تحقيقاتها وعمليات التفتيش.

وأضاف أن إيران، رغم سنوات من الرقابة الدولية، لم تقدم إجابات واضحة بشأن الجوانب العسكرية المحتملة لبرنامجها النووي، بل واصلت، بحسب وصفه، انتهاج أساليب المراوغة، من خلال تقييد عمل المفتشين أو طردهم وإيقاف أنظمة المراقبة عند الحاجة. ورأى أن هذه الممارسات تعكس نمطاً مستمراً يهدف إلى كسب الوقت وتخفيف الضغوط والعقوبات الدولية.

نشاط المعارضة في باريس رغم القيود

وتحدث جعفرزاده من العاصمة الفرنسية باريس، مشيراً إلى أن المدينة شهدت خلال عطلة نهاية الأسبوع فعاليات واسعة نظمتها المعارضة الإيرانية. وأوضح أن هذه الأنشطة أُقيمت رغم قرار فرنسي مؤقت بمنع بعض التجمعات، وهو قرار قال إنه جاء نتيجة تهديدات وضغوط مارسها النظام الإيراني.

وذكر أن نحو خمسين ألف شخص شاركوا في هذه الفعاليات للتعبير عن دعمهم للمعارضة، أعقبها مؤتمر دولي حضره عدد من الخبراء والشخصيات السياسية. كما أشار إلى كلمة مريم رجوي، التي أكدت ترحيبها بأي جهود تهدف إلى إنهاء النزاعات وتخفيف معاناة الشعب الإيراني، لكنها حذرت من أن استمرار النظام الحالي في الحكم سيعني مواصلة تطوير البرنامج النووي ودعم الأنشطة الإرهابية وممارسة القمع الداخلي. كما دعت إلى وقف الإعدامات السياسية بحق المعتقلين السياسيين بصورة فورية وقابلة للتحقق.

إغلاق منشآت التخصيب هو الحل

ورداً على تساؤلات بشأن احتمال نقل الأنشطة النووية الحساسة إلى مواقع سرية وإبقاء المنشآت الأقل أهمية مفتوحة أمام المفتشين، قال جعفرزاده إن هذا السيناريو سبق أن حدث في الماضي وقد يتكرر مستقبلاً.

وأكد أن موقف المقاومة الإيرانية يتمثل في ضرورة التخلي الكامل عن جميع المنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي العسكري، معتبراً أنه لا توجد مبررات لوجود مواقع تخصيب تحت الأرض لإنتاج المواد الانشطارية. وأضاف أن المطلوب من المجتمع الدولي هو فرض الإغلاق النهائي لمنشآت التخصيب، على أن يقتصر دور المفتشين على التأكد من تنفيذ هذا الإجراء، بدلاً من الانشغال بمناقشة نسب التخصيب أو أعداد أجهزة الطرد المركزي، لأن ذلك يمنح طهران فرصة للاستمرار في المناورة وكسب الوقت.

دعوة لدعم مطالب الشعب الإيراني

وفي ختام المقابلة، رأى جعفرزاده أن النظام الإيراني يمر بمرحلة من الضعف والتراجع، خلافاً للصورة التي يسعى إلى إظهارها، مشيراً إلى ما وصفه بتأثير الضغوط السياسية والعسكرية المتزايدة، إضافة إلى اتساع دائرة الرفض الشعبي له.

كما تحدث عن أنشطة وحدات المقاومة التابعة لـ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية داخل إيران، معتبراً أنها تعكس وجود قدرة تنظيمية وميدانية على الأرض. واختتم بدعوة الولايات المتحدة إلى تبني موقف أكثر وضوحاً في دعم تطلعات الإيرانيين للتغيير السياسي، ومساندة قوى المعارضة الساعية إلى إنهاء الحكم الحالي.

ایران…مع ارتفاع التضخم ما هوحدود التي يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدة

موقع المجلس:
إن النظام السياسي المريض ينتج حتماً اقتصاداً مريضاً؛ ففي ظل دكتاتورية مطلقة تُقمع فيها الحريات السياسية والاجتماعية، وتُفكك المؤسسات المستقلة، ويُستبدل فيها سيادة القانون بإرادة المتنفذين في السلطة وتوجيه موارد البلاد لخدمة بقاء الحكم السياسي، يصبح من شبه المستحيل بروز اقتصاد سليم، وشفاف، وموجه نحو التنمية. إن الأزمة العميقة التي تطوق الاقتصاد الإيراني اليوم ليست وليدة قرار خاطئ عابر، أو نتاج عجز حكومة بعينها، أو ثمرة فترة منفردة من العقوبات؛ بل هي النتاج المباشر لهيكل توتاليتاري وضع، على مدار قرابة خمسة عقود، مسألة الحفاظ على سلطته فوق مفاهيم الحرية، والرفاه العام، وتنمية البلاد.

وفي إطار هذا الهيكل، لم يجرِ إدارة الاقتصاد الإيراني بناءً على احتياجات المجتمع، أو التنافسية الحرة، أو الاستثمار الإنتاجي والتخطيط بعيد المدى؛ بل صاغته الأولويات الأمنية والسياسية للنظام. وجرى تحويل شطر رئيسي من الموارد العامة، والعوائد النفطية، والموازنة العامة للدولة، والطاقات الاقتصادية للبلاد، بعيداً عن مشاريع البنية التحتية، وخلق فرص العمل، والإنتاجية، والخدمات العامة، ورفع مستويات المعيشة، لتوضع تحت تصرف المؤسسات العسكرية والأمنية، والشركات والمؤسسات الخاضعة لسيطرة النظام، وتمويل البرامج الإقليمية والتسليحية. ويقف في عمق هذا الهيكل حرس النظام ، ومكتب الولي الفقيه، وشبكة واسعة من المؤسسات غير الخاضعة للمساءلة والتي تفتقر للشفافية وتتحكم في شق هائل من الاقتصاد الوطني.

وفي معظم دول العالم، تؤثر السياسة في الاقتصاد، أما في ظل النظام الإيراني، فقد تحول الاقتصاد الإيراني فعلياً إلى رهينة لسياسات النظام. ولا تُتخذ القرارات الاقتصادية لخدمة المصلحة العامة بالمقام الأول، بل لتلبية المتطلبات الأمنية والحفاظ على منظومة الحكم. ولهذا السبب، ظل الاقتصاد قريباً من حافة الانفجار طوال العقدين الماضيين، وعجزت الحكومات المتعاقبة عن حل معضلاته البنيوية؛ فمن دون تغيير الهيكل الأساسي، اكتفت كل حكومة باستبدال حزمة من المسكنات المؤقتة بأخرى، مما أدى في نهاية المطاف إلى تفاقم عجز الموازنة، وتراكم الديون العامة، وتضخم السيولة، وتفشي الفساد وعدم الاستقرار.

ایران...مع ارتفاع التضخم ما هوحدود التي يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدةتقرير حقوقي: التآكل البنيوي يلتهم طفولة مليوني طفل إيراني مع تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال
كشفت تقارير إعلامية متزامنة مع اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال عن أزمة هيكلية عميقة في إيران، حيث تحولت ظاهرة عمالة الأطفال إلى نتاج مباشر للسياسات الحكومية الفاشلة وانهيار منظومة الرعاية الاجتماعية. ويبرز التقرير حجم الضغوط الاقتصادية الحادة التي تطحن العائلات الضعيفة، دافعةً بمئات الآلاف من الأطفال إلى رصيف الجوع كبديل عن مقاعد الدراسة.

عمالة الأطفال | أزمة اجتماعية | يونيو 2026
ظاهرة عمالة الأطفال وتدهور الوضع المعيشي في إيران
بناءً على ذلك، لا تكمن المعضلة المركزية في استبدال الحكومات أو المسؤولين التنفيذيين، بل في صانع السياسات الأساسي والهيكل الذي يحدد التوجهات الكلية للاقتصاد، والموازنة، والسياسة الخارجية، وتوزيع الثروات. وقد بلغت الأزمة حداً من الوضوح أجبر وسائل الإعلام والخبراء التابعين للنظام على الاعتراف بها؛ ففي 10 يونيو 2026، نشرت صحيفة “جهان صنعت” اليومية الحكومية عنواناً بارزاً ومثيراً للاهتمام يقول: «علاج الاقتصاد الإيراني المريض بتغيير صانع السياسات». وتثبت هذه الاعترافات أنه حتى داخل الأوساط الرسمية، لم يعد من الممكن إخفاء الجذور السياسية للأزمة الاقتصادية إلى الأبد.

ولسنوات طويلة، بدا الاقتصاد الإيراني كجسد شبه حي على طاولة التشريح. ورغم التباينات الفكرية، يجمع الخبراء المستقلون والمحسوبون على السلطة على نقطة جوهرية واحدة: وهي أن هيكل الحكم يضع بقاءه السياسي فوق الاحتياجات الأساسية للمواطنين. وطوال العقود الأربعة الماضية، جرى إخضاع الرفاه العام، والتوظيف المستدام، والأمن الاقتصادي، وحماية القدرة الشرائية، للأهداف الأمنية والعسكرية والإقليمية للنظام؛ وكانت النتيجة بزوغ اقتصاد أوامر موجّه تهيمن عليه السلطة، ويتميز بتمدد الاحتكارات، والفساد المؤسسي، والمحسوبية، وهروب رؤوس الأموال، وتراجع الاستثمارات، والتدمير التدريجي للقطاعات الإنتاجية.

ومن أبرز التداعيات الجلية لهذا الهيكل، بروز عجز مزمن ومتسع في الموازنة العامة؛ فعندما تعجز الإيرادات الحكومية الحقيقية عن تغطية النفقات، وترفض السلطة تقليص إنفاقها غير الإنتاجي والمرتبط بالأجهزة الأمنية والعسكرية، فإنها تلجأ إلى الاقتراض، وتوسيع القاعدة النقدية، والسحب المباشر أو غير المباشر من موارد البنك المركزي. ويؤدي هذا النهج إلى تضخم السيولة، وإضعاف العملة الوطنية، ويدفع الأسعار نحو الارتفاع المستمر، لتتشكل دوامة مفرغة: عجز الموازنة يقود إلى طبع النقود، وطبع النقود يغذي التضخم، والتضخم يلتهم القدرة الشرائية، وتراجع القدرة الشرائية يعمق الفقر، والركود، والاضطراب الاجتماعي.

وفي المقلب الآخر من هذه الدوامة، تستغل أطراف في منظومة الحكم والمقربون منهم قنوات الوصول التفضيلية للعملات الأجنبية، والاحتكارات التجارية، والمعلومات السرية، والموارد العامة لتكديس ثروات طائلة؛ وفي الوقت نفسه، يراقب المواطنون البساطاء تآكل قيمة أجورهم ومدخراتهم يوماً بعد يوم، بينما توظف المجموعات القريبة من السلطة الأزمة نفسها لإثراء أنفسهم بشكل أكبر. ومن هنا، لا يمثل التضخم في إيران ظاهرة نقدية أو إحصائية مجردة فحسب، بل يعمل كآلية ممنهجة لنقل الثروة من أغلبية المجتمع إلى أقلية صغيرة مرتبطة بدوائر السلطة ونفوذها.

ومن بين التداعيات العديدة لهذا الهيكل، يستقر التضخم كالأزمة الأكثر وضوحاً وتأثيراً في الحياة اليومية لملايين الإيرانيين؛ حيث أدى الارتفاع المستمر في كلفة الغذاء، والسكن، والدواء، والنقل، والتعليم، والاحتياجات الأساسية الأخرى إلى توسيع الفجوة بين دخل الأسرة وإنفاقها، ودفع بقطاع واسع من المجتمع إلى ما دون خط الفقر المطلق أو حافته. كما حرم التضخم المزمن الأسر والشركات من القدرة على الادخار، والتخطيط، والاستثمار، ليتحول انعدام اليقين إلى سمة دائمة للحياة الاقتصادية.

تبحث هذه الدراسة حجم التضخم في إيران، وأسبابه البنيوية، وآثاره على مستويات المعيشة، والأجور، والتوظيف، والسكن، وجودة الحياة. ولتجنب المبالغة، وضمان إمكانية تقييم النتائج حتى وفق المعايير المعلنة من قِبل النظام نفسه، يعتمد التحليل حصرياً على الأرقام الرسمية الصادرة عن مؤسسات النظام الإيراني، بما في ذلك مركز الإحصاء الإيراني، والبنك المركزي الإيراني، والمجلس الأعلى للعمل، والجهات الرسمية الأخرى.

ومع ذلك، فإن الاعتماد على الأرقام الرسمية لا يعني قبولها كبيانات دقيقة أو كاملة؛ فنظام الملالي يمتلك سجلاً طويلاً في إخفاء الوقائع الاقتصادية، ونشر البيانات بشكل انتقائي، وتغيير مناهج الحساب، وتأخير التقارير، وتقليل حجم الأزمات. إن غياب الاستقلالية لدى مؤسسات الإحصاء، والتناقضات بين الأرقام المنشورة من قِبل مركز الإحصاء والبنك المركزي، وغياب وصول الجمهور إلى قواع البيانات التفصيلية، وإهمال شق كبير من الاقتصاد غير الرسمي، والضغوط السياسية على الجهات المنتجة للبيانات، كلها عوامل تثير تساؤلات جديّة حول مصداقية الأرقام الرسمية واكتمالها.

بناءً على ذلك، لا ينبغي التعامل مع الأرقام الواردة في هذا التقرير كانعكاس كامل للواقع الاقتصادي، بل يُفضل فهمها باعتبارها الحد الأدنى لحجم الأزمة التي لم يعد بإمكان النظام إخفاءها بالكامل. ومن المرجح أن يكون المدى الحقيقي للتضخم، والفقر، والبطالة، وفقدان القدرة الشرائية -لا سيما بين الفئات ذات الدخل المحدود، والعمال، والمتقاعدين، والمجتمعات الريفية، وسكان المناطق المحرومة- أسوأ بكثير مما تشير إليه التقارير الرسمية. ومع أخذ هذا القيد في الاعتبار، يحلل التقرير التضخم وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية باستخدام البيانات المنشورة من قِبل المنظومة الحاكمة نفسها.

الخلاصة الإحصائية
تظهر البيانات الرسمية لشهر مايو 2026 أن الاقتصاد الإيراني دخل مرحلة من التضخم المرتفع للغاية والآخذ في التسارع؛ حيث سجل مركز الإحصاء الإيراني تضخماً شهرياً بنسبة 8.8%، وتضخماً سنوياً (مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق) بنسبة 83.9%، بينما بلغ متوسط التضخم على مدار اثني عشر شهراً 57.7%، وشملت هذه البيانات كافة الأسر على مستوى البلاد. في المقابل، وأخذًا بعين الاعتبار المنهجيات المختلفة والتغطية الجغرافية، أظهرت بيانات البنك المركزي الإيراني الخاصة بالمناطق الحضرية تضخماً شهرياً بنسبة 8.5%، وتضخماً سنوياً بنسبة 77.2%، ومتوسط تضخم سنوي بلغ 53.9%. وإن وجود هذا التباين بين المؤسستين الرسميتين يفرض بذاته ضرورة الحذر عند تفسير هذه الأرقام.

ولم تتوزع الضغوط التضخمية بشكل متساوٍ؛ إذ سجل التضخم السنوي للأغذية، والمشروبات، والتبغ قرابة 130%. وبلغ المعدل المقابل 101.8% في المناطق الريفية و80.8% في المناطق الحضرية، في حين تجاوز التضخم السنوي للشريحة الإنفاقية الثانية من القاع (الأكثر فقراً) نظيره في الشريحة الأكثر ثراءً. ونتيجة لذلك، تحملت الأسر ذات الدخل المحدود، والتي تنفق شطراً أكبر من ميزانياتها على الغذاء والاحتياجات الأساسية، العبء الأكبر من هذه الضغوط.

وتتمثل النتيجة المركزية لهذه الدراسة في أن أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة قد يقلص وتيرة التضخم على المدى القصير عبر خفض التوقعات التضخمية، وإرساء استقرار نسبي في سوق الصرف الأجنبي، وزيادة الصادرات النفطية، وتقليص تكاليف المعاملات التجارية وتحسين قنوات الوصول إلى العملات الأجنبية؛ غير أنه لن يكون كافياً لحل الأزمة على أساس مستدام. ومن دون الانضباط المالي في الموازنة، والسيطرة على نمو السيولة، ومعالجة الاختلالات المصرفية، وتعزيز الاستثمار، واستعادة الثقة العامة والشفافية الإحصائية، فإن الانفراج الخارجي سيعمل كمسكن مؤقت للألم وليس كعلاج جذري.

ایران...مع ارتفاع التضخم ما هوحدود التي يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدةتحليل اقتصادي: رواية الأجور الصورية تعزز مؤشرات الانهيار الهيكلي وتفاقم الفقر في إيران
يستعرض التقرير أبعاد الأزمة البنيوية الحادة الناتجة عن اتساع الفجوة بين الأجور ومعدلات التضخم طوال العقود الماضية. ويشير التحليل إلى أن قرارات المجلس الأعلى للعمل بشأن زيادة الرواتب الاسمية لا تعدو كونها مناورات ورقية عاجزة عن مواجهة الغلاء المستمر، مما يضع الطبقة العاملة والشرائح المنتجة تحت وطأة فقر مطلق غير مسبوق نتيجة توجيه مقدرات البلاد نحو أجندات أخرى.

أزمة الأجور | مؤشرات اقتصادية | يونيو 2026
أزمة التضخم وتآكل القدرة الشرائية للعمال في إيران
سؤال البحث والمنهجية
تتمثل الأسئلة المركزية لهذا التقرير في: ما مدى خطورة التضخم الحالي في إيران؟ وما هي الفئات الأكثر تضرراً به؟ وما هي الأسباب الرئيسية لاستمراره؟ وإلى أي مدى يمكن لاتفاق خارجي أن يغير مساره؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، يميز التقرير بين ثلاثة مؤشرات رسمية: التضخم الشهري، والتضخم السنوي، ومتوسط التضخم لـ 12 شهراً. ويجري مقارنة بيانات مركز الإحصاء والبنك المركزي بالمعلومات الرسمية المتعلقة بالأجور، وسلة كلفة المعيشة، وسوق العمل.

ويعد هذا التحليل وصفياً وقائماً على السيناريوهات، وليس تقديراً اقتصادياً قياسياً للعلاقات السببية؛ وعند مناقشة الآثار المحتملة لأي اتفاق، أو عقوبات، أو حرب، یا سياسة أسعار الصرف، تُصاغ الاستنتاجات بصيغة مشروطة. كما جرى فصل تصريحات الخبراء عن البيانات الرسمية وعرضها كسلاحف تحليلية أو تقييمات استشرافية بدلاً من تقديمها كتوقعات قطعية ثابثة.

مشهد التضخم الرسمي في مايو 2026
وفقاً لمركز الإحصاء الإيراني، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك للأسر الإيرانية بنسبة 8.8% في مايو 2026 مقارنة بشهر أبريل، وبنسبة 83.9% مقارنة بشهر مايو 2025. وكان متوسط المؤشر خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في مايو أعلى بنسبة 57.7% من الفترة المماثلة السابقة. وبالنسبة للمناطق الحضرية، سجل البنك المركزي تضخماً شهرياً بنسبة 8.5% ومتوسط تضخم لـ 12 شهراً بنسبة 53.9%، بينما أشارت التقارير المستندة إلى بيانات البنك المركزي إلى أن التضخم السنوي بلغ 77.2%.

ولا يمكن مقارنة مستويات المؤشرات المنشورة من قِبل المؤسستين بشكل مباشر نظراً لاختلاف سنوات الأساس والتغطية الجغرافية؛ ولا تعني الاختلافات بالضرورة أن إحدى المؤسسات قد وقعت في خطأ حسابي مجرد، إذ قد تختلف الفئة الإحصائية المستهدفة، وسنة الأساس، والأوزان الممنوحة للسلع والخدمات، والتغطية الجغرافية، وتوقيت جمع الأسعار. ومع ذلك، عندما تسجل مؤسستان رسميتان أرقاماً تفصل بينهما عدة نقاط مئوية، يتعين على البحث العلمي تحديد مصدر كل رقم بوضوح وتجنب دمج المؤشرات دون الإشارة إلى جهة الإصدار.

فهم المؤشرات وتجنب التفسيرات الخاطئة الشائعة
يقيس التضخم الشهري التغير في مستوى الأسعار مقارنة بالشهر السابق، بينما يقارن التضخم السنوي سعر السلة نفسها بالشهر المماثل من العام الماضي. أما متوسط التضخم لـ 12 شهراً، فيقارن متوسط المؤشر خلال آخر اثني عشر شهراً بالمتوسط خلال الاثني عشر شهراً التي سبقتها. وبناءً عليه، يعد التضخم السنوي مقياساً إحصائياً رسمياً ولا ينبغي وصفه ببساطة بأنه “التضخم الذي يشعر به الناس”؛ إذ يعتمد التضخم الفعلي الذي تعيشه كل أسرة على نمط استهلاكها، وموقعها الجغرافي، ومستوى دخلها، وأسعار السلع والخدمات الأكثر شراءً من قِبلها.

وعندما تتسارع الأسعار، عادة ما يرتفع متوسط التضخم لـ 12 شهراً متأخراً؛ لأن الأشهر السابقة ذات التضخم المنخفض تظل داخل المتوسط. ومن ثم، فإن الفجوة بين التضخم السنوي البالغ 83.9% ومتوسط التضخم لـ 12 شهراً البالغ 57.7% لا تمثل تناقضاً بقدر ما تعد مؤشراً على أن الموجة التضخمية قد تكثفت وتسارعت بشكل حاد في الأشهر الأخيرة.

ایران...مع ارتفاع التضخم ما هوحدود التي يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدةتضخم الأغذية، عدم المساواة الجغرافية والضغط على محدودي الدخل
تتمثل الميزة الأكثر خطورة للموجة الحالية في تركزها في السلع الأساسية؛ فوفقاً للأرقام المنسوبة لمركز الإحصاء، بلغ التضخم السنوي للأغذية والمشروبات والتبغ قرابة 130% في مايو 2026. وبعبارة أخرى، تضاعف مستوى أسعار هذه المجموعة بأكثر من المرتين في عام واحد. وسجل متوسط التضخم لـ 12 شهراً للمجموعة نفسها نحو 83%، مما يبرهن مجدداً على التسارع الأخیر في أسعار المواد الغذائية.

وجاء العبء الجغرافي متفاوتاً بدوره؛ حيث سُجل التضخم السنوي بنسبة 80.8% للأسر الحضرية و101.8% للأسر الريفية. وقد يعكس هذا التباين الاختلافات في تركيبة استهلاك الأسر، والحصة الأكبر للغذاء في ميزانيات سكان الأرياف، وتكاليف النقل، ومحدودية الوصول إلى الأسواق التنافسية، والفوارق في الأسعار المحلية.

وعلى امتداد شرائح الدخل، تراوح التضخم السنوي بين 55.9% للشريحة الإنفاقية الأكثر ثراءً و63.2% للشريحة الثانية من القاع (الأكثر فقراً)، مما خلق فجوة تضخمية بلغت 7.3 نقطة مئوية. ويسلط هذا النمط الضوء على الطبيعة التنازلية للتضخم: فكلما زادت حصة الغذاء والإيجار والطاقة في ميزانية الأسرة، التهمت الأسعار المرتفعة شطراً أكبر من دخلها الحقيقي.

لذا، لا يكفي المعدل الوطني العام لتقييم مستويات المعيشة؛ فقد تعيش أسرتان تختلفان في الدخل والموقع معدلات تضخم متباينة تماماً. وبالنسبة لأسرة ريفية ذات دخل محدود، تكون المؤشرات التفصيلية الرسمية أقرب إلى واقعها المعيشي من المتوسط الوطني العام، رغم أن تلك المؤشرات لا تلتقط بالضرورة كل تغير في الأسواق المحلية.

الأجور، السلة الغذائية وفقدان القدرة الشرائية
رفع المجلس الأعلى للعمل في النظام الحد الأدنى للأجر الأساسي للعام الإيراني 1405 (الذي بدأ في مارس 2026) بنسبة 60% ليصل إلى قرابة 16.625 مليون تومان شهرياً (حيث يعادل المليون تومان نحو 6.50 دولار أمريكي وفقاً لسعر الصرف في السوق الحرة بتاريخ 17 يونيو 2026). وأعلن أن الحد الأدنى للدخل الإجمالي الشهري للعامل الأعزب دون خبرة سابقة يبلغ حوالي 21.826 مليون تومان، بينما بلغ دخل العامل المتزوج الذي يعول طفلين قرابة 26.151 مليون تومان. وخلال المفاوضات نفسها، قدرت كلفة سلة المعيشة الشاملة للعمال بنحو 42.9 مليون تومان شهرياً.

وفي المقابل، أظهرت التقديرات المستندة إلى السلة الغذائية المدعومة من وزارة الرفاه ومتوسط الأسعار المنشورة من مركز الإحصاء، أن كلفة السلة الغذائية المحدودة لأسرة مكونة من أربعة أفراد بلغت 21.212 مليون تومان في مايو 2026؛ ولم تشمل هذه السلة تكاليف الإيجار، والنقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والملابس، أو الاتصالات.

وبناءً على ذلك، التهمت السلة الغذائية المحدودة وحدها نحو 81% من الدخل الأدنى للعامل المتزوج الذي يعول طفلين؛ أما بالنسبة للعامل الأعزب، فقد تساوت كلفة هذه السلة تقريباً مع كامل دخله الشهري. ولم يغطِ الحد الأدنى لدخل الأسرة المكونة من أربعة أفراد سوى 61% من كلفة سلة المعيشة المتوافق عليها في المجلس الأعلى للعمل، مع الإشارة إلى أن هذه النسب حُسبت قبل اقتطاع التأمينات والخصومات الأخرى، ودون احتساب إيجار السكن.

وقد تبدو الزيادة الاسمية في الأجور بنسبة 60% كبيرة في البداية؛ ولكن عندما يبلغ التضخم السنوي العام 83.9% وتضخم الأغذية قرابة 130%، فإن القدرة الشرائية للأجور المخصصة للاحتياجات الأساسية تنحدر فعلياً. ولا تكمن المشكلة في مستوى الأجور فحسب، بل في الفجوة الزمنية بين تعديل الأجور والارتفاع المستمر في الأسعار؛ فالأجور تُراجع عادة مرة واحدة في السنة، بينما تتغير الأسعار كل شهر.

لماذا بات التضخم مزمناً؟
نمو السيولة والقاعدة النقدية
تظهر البيانات الأخيرة الصادرة عن البنك المركزي أن نمو السيولة على مدار اثني عشر شهراً بلغ قرابة 47.3% في فبراير 2026، بينما نمت القاعدة النقدية بنسبة 54.7%. وعندما تتوسع النقود وأشباه النقود بسرعة تفوق الإنتاج الحقيقي، يتصاعد الضغط المحتمل على الأسعار، وإن كانت قوة وزمن انتقال هذا الأثر إلى التضخم يعتمدان على سرعة دوران النقود، والتوقعات، وظروف الإنتاج.

عجز الموازنة والاختلالات المصرفية
يقود عجز الموازنة الهيكلي، والديون الحكومية، والالتزامات خارج الموازنة، والاختلالات داخل النظام المصرفي، إلى توسيع القاعدة النقدية والائتمان. وكان مركز أبحاث البرلمان قد حذر، قبل الطفرة الأخيرة، من تفاقم الاختلالات المالية والمصرفية؛ فعندما لا يحظى الإنفاق الجاري بدعم من إيرادات مستدامة، فإن تمويل العجز عبر الشبكة المصرفية أو موارد البنك المركزي يعزز الركائز النقدية للتضخم.

سعر الصرف، العقوبات وتكاليف المعاملات
يعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل مكثف على السلع الوسيطة المستوردة، والمواد الخام، والأدوية، والأعلاف الحيوانية، والمعدات. ويؤدي تراجع قيمة الريال، والقيود المفروضة على التحويلات المالية، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وصعوبة الحصول على النقد الأجنبي، إلى رفع كلفة الواردات والإنتاج المحلي. وتؤكد الدراسات التطبيقية الخاصة بإيران أن اشتداد العقوبات، والذي يعمل جزئياً عبر قناة سعر الصرف، يرتبط بتضخم أعلى وإنتاج أقل.

حذف سعر الصرف التفضيلي وصدمات الحرب
يمكن لتغيير سياسة سعر الصرف للسلع الأساسية أن يقلص الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق؛ ولكن إذا نُفذ دون دعم مستهدف، وتنافسية كافية، واحتياطيات وافية واستقرار في سعر الصرف، فإنه قد يفجر ارتفاعاً مفاجئاً وحاداً في أسعار المواد الأساسية. واستناداً إلى المعدلات الرسمية، حسب الخبير الاقتصادي محمد تقي فياضي أن متوسط التضخم الشهري قفز من قرابة 3.6% قبل يناير 2026 إلى نحو 7.34% بعده؛ وعزا هذا الارتفاع الحاد إلى حذف سعر الصرف التفضيلي والصدمة اللاحقة المرتبطة بالحرب، وهي الأرقام التي تمثل قراءة خبيرة للبيانات الرسمية.

التوقعات وتراجع الثقة في العملة الوطنية
في اقتصاد تضخمي، لا تستجيب الشركات والأسر للتكاليف الحالية فحسب؛ بل تؤدي توقعات الارتفاعات المستقبلية في أسعار الصرف والسلع إلى تغيير سلوكياتها الاقتصادي؛ حيث يسهم تعجيل المشتريات، وتقليص الحيازات بالريال، والتسعير بهوامش أمان أوسع، وتقصير مدد العقود، في تسريع انتقال الصدمات. وفي مثل هذه البيئة، قد تؤثر حتى أخبار الاتفاق أو فشل المفاوضات في أسعار الصرف والسلع قبل حدوث أي تغيير فعلي في المعروض من العملات الأجنبية.

هل تقترب إيران من التضخم الجامح؟
في الأدبيات الاقتصادية الكلاسيكية، يُعرف التضخم الجامح عموماً بأنه زيادة تتجاوز 50% في مستوى الأسعار خلال شهر واحد. وإن التضخم الشهري البالغ 8.8% في مايو يعد شديد الخطورة والتدمير، ولكنه وفقاً لهذا التعريف لا يمثل تضخماً جامحاً بعد؛ كما أن التضخم السنوي المكون من ثلاثة أرقام لا يترادف بالضرورة مع التضخم الجامح الكلاسيكي.

ولإيضاح مدى خطورة الرقم الشهري، إذا تكررت زيادة بنسبة 8.8% شهرياً دون تغيير لمدة اثني عشر شهراً، فإن المعدل السنوي المركب سيبلغ نحو 175%؛ وهذا مجرد سيناريو رياضي وليس توقعاً قطيعاً، لأن تأثيرات سنة الأساس، والسياسة الاقتصادية، وسعر الصرف، والمعروض من السلع، والتطورات السياسية ستتغير في الأشهر اللاحقة.

وقد ميز ولي الله سيف، المحافظ الأسبق للبنك المركزي، بدوره بين “التضخم المزمن المرتفع للغاية” و”التضخم الجامح الكلاسيكي”؛ مصنفاً نمو السيولة، وعجز الموازنة، وتقلبات أسعار الصرف، والصدمات الجيوسياسية، وتراجع الثقة في العملة الوطنية كمنظومة مخاطر مجتمعة يجب التعامل معها بجدية بالغة، وتكمن القيمة التحليلية لهذا التقييم في تحذيره من مسار خطير وليس في ادعاء أن التضخم الجامح قد بدأ بالفعل.

سوق العمل والتبعات الاجتماعية للتضخم
بالنسبة لشتاء 2025-2026، سجل مركز الإحصاء معدل بطالة بنسبة 7.6% بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 15 عاماً فما فوق، ومعدل مشاركة اقتصادية بنسبة 39.7%. وبلغ عدد السكان في سن العمل (15 عاماً فما فوق) قرابة 66.5 مليون نسمة، في حين اقترب عدد السكان النشطين اقتصادياً من 26.4 مليون نسمة؛ مما يعني أن أكثر من 40 مليون شخص في سن العمل كانوا خارج القوى العاملة.

ولا يعد معدل البطالة المنخفض نسبياً بمفرده دليلاً على صحة سوق العمل؛ لأنه يقيس فقط أولئك العاطلين عن العمل الذين يبحثون بنشاط عن وظائف داخل القوى العاملة. ويمكن أن يؤدي انخفاض معدل المشاركة إلى إبقاء معدل البطالة منخفضاً حتى عندما يعجز الاقتصاد عن خلق فرص كافية؛ لذا يجب أن يأخذ تحليل التضخم ومستويات المعيشة في الاعتبار البطالة المقنعة، والانسحاب من سوق العمل، وجودة الوظائف، والأجور الحقيقية.

ويغير التضخم المرتفع من أنماط التوظيف؛ حيث يصبح تعدد الوظائف، والعمل الإضافي الإجباري، ودخول المزيد من أفراد الأسرة إلى سوق العمل، وتوسع العمل غير الرسمي، وسائل للتعويض عن القدرة الشرائية المفقودة. وقد ترفع هذه الاستراتيجيات دخل الأسرة الاسمي، ولكنها تفعل ذلك على حساب تقليص فترات الراحة، وزيادة الإنهاك البدني، وانعدام الأمان الوظيفي.

وفي قطاع السكن، تدفع الإيجارات المرتفعة الأسر إلى القبول بمنازل أصغر، أو الانتقال إلى مناطق أرخص، أو التشارك في السكن. وفي قطاعي الرعاية الصحية والتعليم، يقود التضخم المواطنين إلى تأجيل المواعيد الطبية، وتقليص شراء الأدوية، والانسحاب من التعليم الخاص، وخفض استثمار الأسر في تطوير المهارات. ولا تظهر هذه الآثار بشكل كامل في أرقام التضخم الرئيسية، لكن تبعاتها طويلة المدى على الرأسمال البشري وتعميق الفوارق الطبقية تبدو جسيمة.

ويمثل الضغط النفسي شقاً آخر من الكلفة الاقتصادية للتضخم؛ فعندما تتغير الأسعار بسرعة، يصبح التخطيط لعدة أشهر قادمة أمراً بالغ الصعوبة. وتفقد المدخرات بالريال قيمتها، وتقصر آجال العقود، وتُتخذ القرارات الحياتية الكبرى -من الزواج والإنجاب إلى شراء مسكن أو الهجرة- في ظل حالة من انعدام اليقين الشديد.

قراءة تحليلية: كيف حولت السياسات الأيديولوجية ثروات الشعب الإيراني إلى وقود لحروب البقاء؟
يتناول التقرير مظاهر التشوّه الهيكلي في الاقتصاد الإيراني، معتبراً أن الأزمة الراهنة هي نتاج مباشر لتقديم أولويات الاستبداد السياسي والأيديولوجي على الاحتياجات الأساسية للمواطنين مثل لقمة العيش والدواء. ويشير التحليل إلى أن مصادرة الحريات وتبديد المقدرات الوطنية في صراعات خارجية وضعا البلاد على حافة انهيار مالي شامل عجزت الحكومات المتعاقبة عن احتوائه.

الانهيار الاقتصادي | تحليل سياسي | يونيو 2026
أزمة الاقتصاد البنيوية في إيران
ما هو الأثر المحتمل لاتفاق مع الولايات المتحدة؟
قنوات التأثير قصيرة المدى
يمكن لاتفاق يقلص القيود المفروضة على النفط، والتعاملات المصرفية، والتأمين، والنقل أن يساعد في كبح التضخم عبر قنوات عدة: زيادة المعروض من العملات الأجنبية، وخفض تكاليف الاستيراد والمعاملات، وتحسين الوصول إلى المواد الخام، وخفض المخاطر والتوقعات التضخمية، وتسهيل إمدادات السلع الأساسية. وحتى قبل التنفيذ الكامل، يمكن لتغير التوقعات أن يؤثر في سعر الصرف وأسعار الأصول.

ولن يكون للإفراج عن الأصول المجمدة بالضرورة أثر موحد؛ فإذا استخدمت الأموال لاستيراد السلع الأساسية، وسداد الالتزامات الخارجية وتدعيم الاحتياطيات، فإنها قد تقلص الضغط على المعروض وسعر الصرف. أما إذا حُولت إلى إنفاق بالريال دون انضباط مالي، فقد يتبخر شطر من أثرها الكابح للتضخم؛ ومن ثم، فإن كيفية استخدام الموارد لا تقل أهمية عن قيمتها الإجمالية.

وقد طرح نائب المحافظ الأسبق للبنك المركزي لشؤون النقد الأجنبي، كمال سيد علي، سيناريو متفائلاً يرى أن مبيعات النفط بمعدل 2.5 مليون برميل يومياً، مصحوبة بـ 35 مليار دولار من الصادرات غير النفطية، يمكن أن تخفض التضخم إلى حدود 20%؛ ويجب التعامل مع هذا الطرح كسيناريو خبير وليس كتوقع رسمي، إذ يعتمد تحققه على الوصول الحقيقي للعوائد، واستقرار الصرف، والضبط المالي للموازنة، وتفاعل التوقعات العامة.

تجربة ما بعد الاتفاق النووي: تحسن حقيقي ولكن غير مستدام
تظهر التجربة التي أعقبت إقرار الاتفاق النووي (برجام) أن الزعم بأن الانفراج الخارجي لم يكن له أثر على التضخم يتناقض مع البيانات الرسمية. فوفقاً للسلاسل الزمنية السنوية للبنك المركزي، هبط التضخم من 34.7% في العام الإيراني 1392 (2013-2014) ليصلي إلى 9.0% في 1395 (2016-2017) و9.6% في 1396 (2017-2018). ولم يكن هذا الهبوط نتاج الاتفاق وحده، بل لعبت السياسة النقدية، وظروف سعر الصرف، وضعف الطلب دوراً أيضاً؛ ومع ذلك، أسهم تقليص المخاطر والانفتاح الخارجي في صياغة البيئة الأكثر ملاءمة لتلك الفترة.

وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، عاود التضخم الارتفاع؛ وخلال ستة أعوام من أصل ثمانية أعوام إيرانية ممتدة من 1397 إلى 1404 (2018-2025)، تجاوز المعدل الرسمي للبنك المركزي عتبة 40%. وتدعم هذه التجربة استنتاجين متزامنين: يمكن للاتفاق أن يحدث خفضاً حقيقياً وملموساً في التضخم، ولكنه إذا افتقر إلى الديمومة السياسية ولم يصاحبه إصلاح داخلي، فإن مكاسبه ستظل صيرورة هشة.

لماذا يستبعد أن يؤدي الاتفاق وحده إلى خفض التضخم هيكلياً؟
حتى في ظل سيناريو يقود فيه الاتفاق مع الولايات المتحدة إلى رفع الصادرات النفطية، والإفراج عن الأصول المجمدة وتحسين الوصول إلى النقد الأجنبي، فإن حدوث تراجع كبير ومستدام في معدلات التضخم يظل أمراً مستبعداً من دون تغيير جذري في الأولويات السياسية والاقتصادية للنظام.

ولا يمكن السيطرة على التضخم المزمن إلا إذا جرى كبح الإنفاق الحكومي وعجز الموازنة، ومنع النظام المصرفي من خلق ائتمان غير منضبط، وتمكين البنك المركزي من اتباع سياسة نقدية مستقلة ومتماسكة، وجعل بيئة الأعمال متوقعة بما يكفي لتشجيع الاستثمار الإنتاجي. وقد يخفف الدخل النفطي الإضافي مؤقتاً من الضغط على العملة ويوفر موارد للإصلاح الاقتصادي، ولكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاح نفسه.

وتكمن المعضلة الأكثر عمقاً في طبيعة نظام الحكم؛ إذ وضع النظام باستمرار مسألة الحفاظ على سلطته فوق الرفاه الاقتصادي للشعب الإيراني. وظلت أولوياته الرئيسية تتمثل في تمويل الأجهزة الأمنية والقمعية، وحرس النظام ، والبرامج النووية والصاروخية، وتمويل وتسليح الميليشيات والشبكات الإقليمية؛ في حين عُملت ملفات التنمية الاقتصادية، والرفاه العام، والتوظيف، والرعاية الصحية، والسكن، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين كقضايا ثانوية.

وتعزز التجارب الماضية هذا الاستنتاج؛ فعندما أتيحت للنظام قنوات الوصول إلى عوائد نفطية أكبر أو موارد مالية كانت مقيدة سابقاً، لم يكن هناك أي ضمان لتوجيه هذه الأموال نحو الاستثمارات الإنتاجية أو تحسين مستويات المعيشة. وبدلاً من ذلك، جرى تحويل حصة هائلة من الموارد المتاحة نحو المشاريع العسكرية، والأمنية، والنووية، والإقليمية، فضلاً عن المؤسسات المعتمة التي تعمل خارج أي رقابة عامة ملموسة؛ ولهذا السبب، فإن الإفراج عن الأصول أو زيادة الدخل النفطي لن يترجم تلقائياً إلى أسعار منخفضة أو أمن اقتصادي أكبر للمواطنين البسطاء.

وهناك خطر آخر يتمثل في إمكانية استخدام عوائد النقد الأجنبي الجديدة في المقام الأول لتثبيت سعر الصرف مؤقتاً أو كبح الأسعار عبر التدخل قصير المدى في السوق؛ وهي إجراءات قد تخلق فترة وجيزة من الهدوء النسبي، لكنها تستنزف الاحتياطيات وتمهد الطريق لصدمة عملة أخرى إذا بقيت الأسباب الكامنة للتضخم دون علاج.

إن أي سياسة مستدامة لمكافحة التضخم يجب أن تعالج بالتزامن: التوسع النقدي، وعجز الموازنة، والاختلالات المصرفية، والإنتاج، والتجارة، والاستثمار، والحماية الاجتماعية؛ كما يتطلب دعم الأسر ذات الدخل المحدود أن يكون مستهدفاً ومعدلاً وفقاً للتضخم الفعلي للسلع الأساسية. غير أن سجل النظام لا يعطي سبباً لتوقع أنه سيضع مثل هذه الإصلاحات فوق الاحتياجات المالية لأجهزته الأمنية ومشاريعه الاستراتيجية.

بناءً على ذلك، حتى لو أدى الاتفاق مع الولايات المتحدة إلى تقليص الضغوط الخارجية وإحداث تحسن مؤقت في سوق العملات، فمن المشكوك فيه أن ينخفض التضخم بشكل ملحوظ أو يظل منخفضاً؛ وطالما استمر النظام في تقديم أولويات بقائه، وقمع الداخل، والبرامج النووية والصاروخية، وشبكات الوكلاء الإقليميين على حساب الاقتصاد ورفاهية السكان، فإن أي تحسن سيكون محدوداً، ومؤقتاً، وقابلاً للانتكاس والارتداد في أي لحظة.