الرئيسية بلوق الصفحة 10

تصعيد المشانق في إيران: قراءة في دلالات الرعب المؤسسي ومأزق السلطة

أمد للإعلام – د. سامي خاطر:
أمد/ مقدمة تحليلية في ميكانيزمات البقاء الأمني واستراتيجيات الاحتواء
يتصدر المشهد الإيراني الراهن منعطف دقيق تتكشف فيه بوضوح طبيعة الأزمات البنيوية العميقة التي تعاني منها المنظومة الحاكمة، حيث بات لجوء السلطة القضائية إلى استخدام أقصى درجات العقاب الدموي يعكس حالة من الاضطراب الوجودي والخشية العميقة من اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجية الشعبية العارمة. وفي هذا السياق المضطرب، تُظهر التقارير الميدانية والمتابعات الحقوقية المستقلة تصاعداً ملحوظاً وغير مسبوق في وتيرة تنفيذ الأحكام القاسية، مما يضع المراقبين والمحللين الاستراتيجيين أمام تساؤلات حاسمة حول جدوى هذه السياسات القمعية في كسر إرادة الشارع الإيراني، أم أنها لا تعدو كونها محاولة يائسة ومتخبطة لتصدير أزمات داخلية متراكمة نحو الخارج تعجز المنظومة عن إدارتها بالوسائل السياسية أو الاقتصادية المتاحة.
آلة الإعدامات المتسارعة ومؤشرات الهلع الداخلي الممنهج
تشير البيانات الميدانية الموثقة خلال فترة زمنية قصيرة امتدت من أواخر يوليو وحتى مطلع أغسطس إلى تنفيذ أعداد هائلة من الإعدامات شملت مختلف السجون الإيرانية، في نمط متكرر يؤكد استمرار النهج الدموي المعتمد لترهيب الفضاء العام. وتكشف تفاصيل هذه العمليات الدامية عن استهداف مباشر لشرائح واسعة تشمل معتقلي الاحتجاجات السابقة، وأفراداً محكومين بتهم فضفاضة مثل التجسس أو التعاون الاستخباراتي، وسط تعتيم رسمي متعمد على مصير بعض المعتقلين وتأخر لافت في الإعلان عن تنفيذ الأحكام بحقهم، كما حدث مع السجين آروين خيرخواهان الذي أُعدم سراً في شاهرود دون الكشف عن تفاصيل ملفه لأيام متتالية. إن هذا التصعيد المنهجي في تطبيق عقوبة الإعدام يعكس بحسب القراءات الحقوقية المستقلة رعباً متصاعداً يسيطر على أجهزة السلطة من اتساع رقعة السخط الشعبي الناتج عن تدهور الظروف المعيشية والاقتصادية الحادة.
تفكيك البعد الجيوسياسي وتداعيات العزلة الإقليمية والدولية
على الصعيد الاستراتيجي، لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذا التوحش القمعي عن سياق العزلة الدولية المتزايدة التي تعاني منها طهران وفشلها الذريع في احتواء الأزمات الإقليمية والاقتصادية المتلاحقة. فالتضخم المفرط وانهيار قيمة العملة الوطنية، إلى جانب الإنفاق الباهظ على مشاريع إقليمية عابرة للحدود وطموحات نووية متعنتة، خلقت بيئة اجتماعية متفجرة قابلة للاشتعال في أي لحظة. وفي مواجهة هذه المعضلة الاقتصادية والاجتماعية العميقة، تختار القيادة الإيرانية الهروب إلى الأمام عبر تكثيف القبضة الأمنية ونصب المشانق في الساحات العامة ومختلف المدن، معتقدة أن لغة الرعب والدم قادرة على وأد أي حراك محتمل، ومتجاهلةً التجارب التاريخية الكبرى التي تثبت أن القمع المفرط غالباً ما يضاعف من حالة الاحتقان ويقوض شرعية النظام من أساسها.
مطالبات التحرك الدولي واختبار المعايير الحقوقية الإنسانية
أمام هذا التدهور الحقوقي المتسارع والخطير، تتجه الأنظار نحو المسؤولية القانونية والأخلاقية الملقاة على عاتق المنظمات الدولية والهيئات الأممية المعنية بحقوق الإنسان. وتبرز الدعوات المستمرة الصادرة عن قوى المعارضة الإيرانية – وفي مقدمتها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية – مطالبةً المجتمع الدولي بتجاوز بيانات الإدانة التقليدية إلى تبني خطوات عملية فاعلة وجادة، تتضمن إرسال بعثة تقصي حقائق دولية مستقلة لزيارة السجون الإيرانية والوقوف على أوضاع المعتقلين السياسيين وجهود حماية المحتجين. إن استمرار الصمت الدولي أو الاكتفاء بردود الفعل الباهتة والمترددة يمنح أجهزة القمع مزيداً من الحصانة للتمادي في انتهاكاتها الجسيمة، مما يجعل من الضروري ربط أي تفاوض أو مسار دبلوماسي مع طهران بملف وقف الإعدامات الفوري واحترام حقوق الإنسان الأساسية.

معضلة التردد الغربي أمام هشاشة السلطة في طهران

أمد للإعلام-د. مصطفى عبدالقادر:
أمد/ مقدمة استراتيجية في مأزق الشرعية والاحتواء
يتصدّر المشهد الإقليمي والدولي اليوم تساؤل جوهري حول الأسباب الكامنة وراء استمرار التردد الغربي في دعم حركات التغيير الديمقراطي في إيران، رغم توفر كافة المؤشرات الموضوعية التي تثبت هشاشة النظام الإيراني وعمق أزماته البنيوية. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه حالة الرعب المتصاعد لدى القيادة في طهران من جبهتها الداخلية، يبرز تباين واضح بين الحراك الشعبي الواسع الساعي إلى تفكيك منظومة الاستبداد، وبين الحذر الدبلوماسي الذي تعتمده عواصم صنع القرار الغربي. إن هذا التباين يستدعي تفكيكاً دقيقاً لمعادلة الصراع القائمة بين سلطة فقدت أي رصيد أخلاقي أو شعبي، ومجتمع مدني ومقاوم يخوض مخاضاً عسيراً من أجل انتزاع حريته وحقوقه الأساسية وفق أسس ديمقراطية واضحة.
البنية القمعية واستنزاف الموارد الجيوسياسية
لقد أرست السلطة الحاكمة في طهران دعائم حكمها على سجل حافل بالدموية المفرطة، جعلها تتصدر تقارير المنظمات الحقوقية الدولية باعتبارها الراعي الأول للإرهاب والعنف المنظم العابر للحدود. وفي هذا السياق، شهدت الساحة الإيرانية تصعيداً خطيراً تمثل في أعنف حملة قمع نفذتها الأجهزة الأمنية وحرس النظام الإيراني، والتي أودت بحياة الآلاف من المحتجين السلميين في محاولة يائسة وبائسة لإخماد جذوة الغضب الشعبي العارم. والأكثر خطورة من ذلك هو إصرار طهران على الإمساك بملف الطموحات النووية المتعنتة، ومواصلة ضخ الأموال الطائلة على مشاريع التسليح الإقليمي وتصدير الأزمات على حساب لقمة عيش المواطن الإيراني، مما عمق حالة الانهيار الاقتصادي وأدخل البلاد في نفق مظلم من التضخم والبطالة والعزلة الدولية المتزايدة.
تصاعد آلة الإعدامات واستهداف المعارضة المنظمة
على المستوى الحقوقي والميداني، تتجلى ضراوة الأزمة في الارتفاع الحاد والمقلق لمعدلات الإعدامات ذات الدوافع السياسية، حيث تسجل إيران المعدل الأعلى عالمياً في تنفيذ عقوبة الإعدام نسبة إلى عدد السكان. وقد تركزت هذه الموجة القمعية الشرسة ضد المعارضين الداخليين، وخصوصاً كوادر منظمة مجاهدي خلق الإيرانية باعتبارها المكون الرئيسي والفاعل داخل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. وقد وثقت تقارير مستقلة إعدام العشرات من الناشطين، من بينهم شباب مثل مهدي خانكي، في محاولة استباقية لكسر إرادة الشارع وثني القوى المعارضة عن مواصلة نضالها السلمي والمؤسسي نحو التغيير الشامل.
سقوط الشرعية وحتمية التغيير الجذري
استناداً إلى مسار الأحداث التاريخية والمعطيات الميدانية، فقد سقطت تماماً أي ادعاءات بالشرعية الدستورية أو الشعبية للنظام الإيراني بعد عقود طويلة من القمع والقتل المنهجي. هذا السقوط الأخلاقي والسياسي دفع نخبة واسعة من الساسة والمشرعين والناشطين الدوليين إلى الإقرار بأن تغيير النظام بات الخيار الاستراتيجي الوحيد والسبيل الممكن أمام الشعب الإيراني، بعد استنفاد كافة فرص الإصلاح السلمي التي أجهضتها السلطة بقوة السلاح. وتؤكد التجارب التاريخية الكبرى، كتجربة إسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وانهيار جدار برلين، أن الأنظمة الاستبدادية التي تبدو في ظاهرها منيعة وراسخة، غالباً ما تتهاوي فجأة تحت وطأة الضغط الشعبي المتواصل والتنظيم المحكم.
اختبار التاريخ وضرورة الاعتراف بالبديل الديمقراطي
ختاماً، يوضع صناع القرار في واشنطن وعواصم القرار الغربي أمام اختبار تاريخي أخلاقي حاسم: فإما الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ عبر دعم تطلعات الشعب الإيراني المشروعة، أو الاستمرار في سياسة التردد والمهادنة التي طالما شجعت طهران على التمادي في انتهاكاتها. إن الخطوة الاستراتيجية الأولى تبدأ بالاعتراف الرسمي بـ المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بوصفه بديلاً ديمقراطياً منظماً وواضح الرؤية، وتدشين منظومة سياسية وقانونية فاعلة تحمي الناشطين وتفرض أشد العقوبات والملاحقات القضائية على المسؤولين عن جرائم القمع والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في إيران.

أزمة القرار في طهران… حين يصبح الانقسام أخطر من التهديد الخارجي

اشتباکات بالادي داخل البرلمان الایراني-

الحوار المتمدن – سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:

لم تكشف التطورات الأخيرة المتعلقة بتعليق الضربة العسكرية الأمريكية وما رافقها من جدل بشأن مستقبل التفاوض ومضيق هرمز عن تراجع حدة التوتر في المنطقة، بقدر ما كشفت عن حقيقة أكثر أهمية، وهي أن الأزمة الكبرى باتت داخل النظام الکهنوتي نفسه. فما ظهر إلى العلن من سجالات حادة بين أجنحة السلطة يؤكد أن معركة البقاء لم تعد مع الخارج، وإنما بين مراكز القوى المتصارعة في الداخل.

لقد اعتاد هذا النظام أن يوظف الأزمات الخارجية لإظهار نفسه كجبهة واحدة متماسكة، غير أن المشهد الأخير نسف هذه الصورة. فبين من يدعو إلى التشدد ورفض أي تفاوض، وبين من يرى أن الاتفاق أصبح ضرورة لتجنب الانهيار الاقتصادي، برزت هوة سياسية يصعب ردمها، لأنها ليست خلافا حول الوسائل، بل حول كيفية إنقاذ نظام تتآكل مقومات بقائه يوما بعد آخر.

والمفارقة أن كلا التيارين ينطلق من الشعور ذاته بالخطر. فالمتشددون يخشون أن يؤدي أي تنازل إلى انهيار هيبة النظام وفتح الباب أمام مطالب داخلية لا يستطيع احتواءها، فيما يدرك دعاة التفاوض أن استمرار المواجهة سيضاعف الضغوط الاقتصادية ويزيد من غضب مجتمع أنهكته البطالة والتضخم وتراجع مستويات المعيشة. وبين هذا وذاك، يقف النظام عاجزا عن اتخاذ قرار يحسم اتجاهه.

أما التخبط الذي رافق التصريحات المتناقضة بشأن مضيق هرمز، فقد كشف جانبا آخر من الأزمة. فحين تتحدث بعض المنابر عن وساطات وترتيبات لخفض التصعيد، بينما تسارع الأجهزة الأمنية إلى نفيها، فإن الرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج واحدة: لا يوجد موقف موحد، ولا مركز قرار قادر على ضبط إيقاع السياسة الإيرانية. وهذا بحد ذاته مؤشر على تراجع قدرة المؤسسة الحاكمة على إدارة الملفات الحساسة.

وتبدو المشكلة أكثر عمقا عندما يصبح المرشد عاجزا عن احتواء هذا التباين أو فرض رؤية تجمع الأطراف المتنافسة. فالسلطة التي قامت على مركزية القرار تواجه اليوم واقعا مختلفا، حيث تتنازع المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية رسم ملامح المرحلة المقبلة، في مشهد يعكس تصدعا داخليا أكثر مما يعكس تنوعا في الآراء.

إن أخطر ما يواجه النظام الإيراني اليوم ليس احتمال اندلاع مواجهة عسكرية، ولا تعثر المفاوضات مع الغرب، بل فقدانه القدرة على إنتاج قرار موحد. فالنظام الذي يعجز عن الاتفاق على كيفية التعامل مع أخطر التحديات، سيكون أكثر عرضة للاهتزاز كلما تصاعدت الضغوط الشعبية واتسعت الهوة بين السلطة والمجتمع.

ومن هنا، فإن أزمة التفاوض والجدل حول مضيق هرمز لا تمثلان حدثين منفصلين، بل هما مرآة لأزمة حكم تتعمق باستمرار. وعندما تتحول الانقسامات الداخلية إلى عبء على القرار السياسي، فإن بداية التراجع لا تأتي من الحدود، وإنما من داخل أروقة السلطة نفسها، حيث تتصارع أجنحة الحكم على إدارة أزمة باتت أكبر من قدرتها على الاحتواء.

عندما يتحول الخصم إلى عدو… مؤشرات النهاية في النظام الايراني

الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-

بحزاني – منى سالم الجبوري:
لم تعد الخلافات داخل نظام ولاية الفقيه مجرد تباينات في الرأي أو تنافس بين تيارات سياسية، بل تحولت إلى صراع مفتوح يقترب من حرب تصفية متبادلة. وهذا التحول ليس حدثا عابرا، وإنما يعكس أزمة بنيوية تضرب النظام في عمقه، حيث باتت الأولوية لدى كل جناح ليست البحث عن حلول لأزمات البلاد، وإنما تحميل الطرف الآخر مسؤولية الانهيار المتسارع ومحاولة إقصائه من معادلة السلطة.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة لأنها لم تعد مقتصرة على تحليلات المراقبين، بل باتت الصحافة الرسمية الإيرانية نفسها تعترف بها. فقد أقرت صحيفة “إيران” الحكومية بأن الحدود الفاصلة بين “المنافس” و”العدو” قد تلاشت، وأن الحوار السياسي حل محله التواجه، في اعتراف يكشف أن الأزمة تجاوزت الخلافات التقليدية لتصل إلى مرحلة تهدد تماسك النظام نفسه.
ويعود السبب في ذلك إلى أن أزمات النظام لم تعد قابلة للاحتواء. فالانهيار الاقتصادي، واتساع دائرة الفقر، والعزلة الدولية، والاحتجاجات الشعبية المتكررة، كلها عوامل عمقت الانقسامات الداخلية، وجعلت كل جناح يبحث عن وسيلة لإنقاذ نفسه، حتى لو كان ذلك على حساب إضعاف النظام بأكمله.
وفي قلب هذه التناقضات يقف الولي الفقيه، الذي كان ينظر إليه لعقود بوصفه الضامن لتوازن أجنحة السلطة. أما اليوم، فقد أصبح هو نفسه محورا للخلافات، بعد أن فقدت قراراته القدرة على احتواء الصراعات المتفاقمة. وهذا التطور يعد من أخطر المؤشرات على دخول النظام مرحلة التفكك، لأن الأنظمة الشمولية تعتمد في بقائها على وجود مركز قادر على ضبط الصراعات الداخلية، وعندما يفقد هذا المركز فاعليته تبدأ التناقضات بالتحول إلى صدامات يصعب احتواؤها.
وفي المقابل، لا يمكن فصل هذه الأزمة عن تصاعد النشاط المعارض داخل إيران، ولا سيما الدور الذي تؤديه منظمة مجاهدي خلق الایرانیة عبر شبكاتها المعروفة بـ”معاقل الانتفاضة”. فهذه الشبكات واصلت خلال السنوات الأخيرة تنظيم الأنشطة الاحتجاجية، وكسر أجواء الخوف، والحفاظ على زخم الحراك الشعبي، وهو ما دفع كبار مسؤولي النظام مرارا إلى التحذير من اتساع نفوذها واتهامها بتأجيج الاحتجاجات. ويعكس هذا الخطاب الرسمي إدراكا متزايدا بأن المعارضة المنظمة أصبحت عنصرا مؤثرا في المعادلة الداخلية، خصوصا مع تزايد حالة السخط الشعبي.
ولذلك، فإن تزامن الانقسام داخل السلطة مع استمرار الاحتجاجات الشعبية ووجود معارضة منظمة تمتلك خبرة سياسية وتنظيمية، يجعل الأزمة الحالية مختلفة عن سابقاتها. فالنظام لم يعد يواجه مجرد ضغوط اقتصادية أو سياسية، بل أصبح محاصرا بأزمة داخلية متفاقمة من جهة، وبمجتمع يزداد إصرارا على التغيير من جهة أخرى.
إن التجارب التاريخية تؤكد أن الأنظمة تبدأ بالانهيار عندما تفقد قدرتها على إدارة تناقضاتها الداخلية أكثر مما تفقد قدرتها على مواجهة خصومها. وهذا ما يبدو واضحا في الحالة الإيرانية اليوم. فالصراع بين أجنحة السلطة لم يعد وسيلة لتعزيز النظام، بل تحول إلى أحد أبرز عوامل استنزافه. ومع استمرار هذا المسار، وتزايد الحراك الشعبي، وتصاعد نشاط المعارضة المنظمة، تبدو إيران مقبلة على مرحلة ستكون فيها المواجهة بين النظام والمجتمع أكثر حسما من أي وقت مضى، وهو ما يجعل الحديث عن التغيير أقرب إلى مسار سياسي متراكم منه إلى مجرد احتمال نظري.

5 أغسطس 1906… الذكرى السنوية للثورة الدستورية للشعب الإيراني

موقع المجلس:
في ذكرى الثورة الدستورية الإيرانية، نهنئ الشعب الإيراني بهذه المناسبة، ونحيي ذكرى أبطال الوطن ستارخان وباقرخان، والأرواح الطاهرة للمجاهدين والفدائيين والمناضلين الذين استشهدوا خلال القرن الماضي في سبيل حرية إيران.

أدت هذه الثورة إلى تغيير نظام الحكم في إيران من ملكية مطلقة إلى ملكية دستورية، وتشكيل مجلس تشريعي، وصياغة أول دستور للبلاد.

وظهرت البوادر الأولى للثورة خلال حكم مظفر الدين شاه في مارس 1905، عندما أغلق المحتجون سوق طهران واعتصموا في مرقد عبد العظيم. وفي ديسمبر 1905، وبعد أن عاقب حاكم طهران عددا من التجار المعروفين بحجة ارتفاع أسعار السكر، اتسعت الاحتجاجات وطالب الشعب بتأسيس «دار العدالة».

وبعد أن وعد مظفر الدين شاه بالاستجابة لمطالب الشعب، هدأت الاحتجاجات مؤقتا، لكنها تجددت في يوليو 1906، إلى أن اضطر الشاه القاجاري في 5 أغسطس 1906 إلى توقيع مرسوم الحكم الدستوري.

وقد أوجدت الحركة الدستورية للمرة الأولى في إيران قيما ما زالت حتى اليوم تشكل منبعا للانتفاضات والثورات.

كيف نشأت فكرة الدستور؟

كانت الثورة الدستورية في البداية ولادة فكرة، ثم تحولت إلى حركة شعبية. وقد ولدت فكرة الدستور من التحول الكبير الذي شهدته أوروبا، ولا سيما الثورة الفرنسية الكبرى.

وأنتجت الثورة الفرنسية كتبا ومقالات ولوحات فنية ومدارس سياسية وأدبية وأفلاما، انتشرت في أنحاء العالم. وكان جوهرها رفض هيمنة الطبقات الحاكمة على الفئات الكادحة، والتحرر من العبودية الفكرية والاستبداد السياسي.

وقد ترجمت هذه الأفكار والرسائل، وانتشرت بين الإيرانيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بالتزامن مع حكم السلالة القاجارية لإيران.

أول نداء دستوري بعد قرون من الاستبداد

من هنا ظهرت للمرة الأولى في إيران تنظيمات مهنية وسياسية، منها جمعية التجار، ورجال الدين المؤيدون للدستور، والمثقفون الدستوريون، وجمعية النساء الوطنيات، وجمعيتا تبريز وكرمان.

وكانت هذه التنظيمات أول من رفع شعار أن الملك يجب أن يملك ولا يحكم. وكان هذا النداء بمثابة أول انفجار مدو لفكرة الدستور داخل أركان الحكومات القاجارية المستبدة.

كما أكدت هذه الجمعيات أن الحكومات الإيرانية يجب ألا تتلقى أوامرها من القوى الأجنبية.

العوامل التي أدت إلى إصدار مرسوم الدستور

كانت شعلة الحرية ورسالة الدستور تتسع عاما بعد عام داخل الجمعيات والتنظيمات وبين الجماهير الشعبية.

ولم يتمكن أصحاب المصالح الاستعمارية في إيران، إلى جانب مؤامرات البلاط القاجاري، من كسر إصرار الدستوريين وصمودهم وتضامنهم. ولهذا اضطر مظفر الدين شاه القاجاري في 5 أغسطس 1906 إلى توقيع مرسوم الدستور.

وبتوقيع المرسوم، تحققت المرحلة الأولى من تقييد سلطة الشاه، وتحويل موقعه من الحكم المطلق إلى مجرد الملكية. لكن الاستعمار والبلاط لم يتوقفا عن التآمر.

ومن هنا برز رجال الدين المناهضون للدستور بقيادة الشيخ فضل الله نوري، واستخدموا الخداع الديني المتجذر في طبيعتهم المتماهية مع الاستبداد، فتحولوا إلى أعداء للثورة الدستورية، ووقفوا عمليا إلى جانب بلاط محمد علي شاه.

ويمكن مقارنة هذا الموقف بما فعله خميني قبل وبعد 11 فبراير 1979.

جمعية تبريز… كاسرة سحر الاستبداد الصغير

كانت الضربة الكبرى التي وجهها الاستعمار الروسي والبلاط القاجاري إلى مرسوم الدستور ومقاومة البرلمان الدستوري، هي قصف البرلمان بالمدفعية، وما أعقبه من مجازر وإعدامات وبداية مرحلة عرفت باسم «الاستبداد الصغير».

تفككت العديد من التنظيمات، وأصيبت قوى كثيرة بالإحباط، وسيطرت سياسة «النصر بالرعب».

ومنذ ذلك الوقت، برز دور جمعية تبريز المنظمة في ترسيخ فكرة الدستور والحرية بين الناس، كما ظهرت قيادة ستارخان وباقرخان، لتصبح المنقذ الحقيقي للثورة الدستورية.

وأدى صمود تبريز، رغم قلة الإمكانات، في مواجهة جيوش الحكومة إلى نهوض المنكفئين والمصابين بالهزيمة من جديد.

وتوسعت قوات المقاومة، وعاد الأمل إلى قلوب سكان تبريز، ثم إلى شمال البلاد وبقية أنحاء إيران. واستمرت مقاومة تبريز واتسعت حتى وصلت إلى طهران، وأعادت الثورة الدستورية من جديد.

كنز لم تتم حمايته فجاء اللصوص

هكذا انتشرت فكرة الدستور في المجتمع الإيراني وفي الأدبيات السياسية، باعتبارها أول خطوة على طريق التقدم والتطور.

ومنذ ذلك الحين، وكما هو الحال في جميع الثورات السياسية والاجتماعية، كانت هذه الفكرة بحاجة إلى الحماية والضمانات التنفيذية والقضائية والقانونية.

وكانت نتائجها الأولى تتمثل في الأمل بتقييد الاستبداد، وحصر دور الملك في الملكية من دون الحكم، وتطبيق القانون على الجميع، بمن فيهم الحكام.

لكن في هذه اللحظة ظهر رضا خان، التابع والمحمي من قوات القوزاق الروسية. وبانقلابه على الثورة الدستورية، أعاد الاستبداد الملكي المطلق والحكم السياسي الفردي.

وهكذا قام رضا خان، ثم ابنه من بعده، بسحق الدستور، واعتبرا أن «الملكية هبة إلهية»، وأن أبناء الأسرة الذكور هم ورثة العرش.

ويمكن مقارنة ذلك بادعاء أن «ولاية الفقيه هبة إلهية» وأن الولي الفقيه «وريث الإمام الغائب»، في إطار نظام ذكوري معاد للمرأة.

تحول الحلم التاريخي إلى هدف وطني

كانت الحركة الدستورية منبع النهضة الإيرانية الحديثة، لكنها تعرضت لهزيمة سياسية بعد نزع سلاح الدستوريين في طهران، ثم تهميشهم، وأخيرا انقلاب رضا خان.

لكن فكرة الدستور ومبدأ الحرية لم يهزما قط، ولم يتحولا إلى مجرد ذكرى جامدة.

بل أصبحا طائرا عاهد الحرية على ألا يحط أبدا على كتف أو يد أي «ملكية مقدسة موهوبة من الله»، أو «فقاهة مقدسة موهوبة من الله».

ومع الثورة الدستورية، لم يستمر هدف الحرية في المجال السياسي فحسب، بل خرج التعبير عن القضايا الاجتماعية والثقافية من القصور، وظهر بلغة جديدة في الكتب والأغاني، لغة أصبحت قريبة من لسان الشعب وحياته.

إيران اليوم… مطالب أوسع وأكثر شمولا

بفضل فكرة الحرية التي انطلقت من الثورة الدستورية، وبفضل الوعي المتراكم جيلا بعد جيل بضرورة تحقيقها، وبفضل النضال ضد الدكتاتوريتين الوراثيتين، الملكية والدينية، أصبحت مطالب الشعب الإيراني اليوم أوسع بكثير من مواد دستور الثورة الدستورية.

فمطالب الإيرانيين لا تقتصر اليوم على الحرية، بل تشمل المساواة بين المرأة والرجل، وتطبيق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والحق في تشكيل التنظيمات المهنية والسياسية المستقلة، والفصل بين الدين والدولة، واستقلال السلطات الثلاث، وتحقيق المساواة الكاملة لجميع الأقليات القومية والدينية.

وهذه المطالب هي التي تطارد اليوم نظام ولاية الفقيه الاستبدادي والمعادي للدستور، وستواصل ملاحقته حتى إسقاطه المحتوم.

السجينة السياسية بريسا كمالي من سجن يزد: «تجاوزنا الخوف من الموت… وامتلأنا غضباً»

موقع المجلس:
في موقف نضالي شجاع يعكس الصمود الفولاذي للمرأة الإيرانية من خلف القضبان، وجهت السجينة السياسية بريسا كمالي ، إحدى أنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والقابعة في سجن يزد المركزي، رسالة مؤثرة ومباشرة ضد النظام الإيراني وفاشيته الحاکمة. وأكدت كمالي في رسالتها أن موجات الإعدامات المتتالية وسياسات الترهيب التي ينتهجها نظام الولي الفقيه لن تنجح في إخماد جذوة التحدي، مشددة على أن إرادة الشعب والمقاومة أصلب من آلة القمع والبطش الممتدة منذ عقود.

پیام پریسا کمالی از زندان مرکزی یزد

وعبّرت السجينة البطلة بريسا كمالي في رسالتها عن المشاعر الوطنية والحزن الممتد في قلوب أبناء الشعب الإيراني جراء المجازر الحكومية المتواصلة، مشيرة إلى أن دماء الشهداء الجريئة لم تتوقف عن الجريان منذ مجزرة صیف عام 1988 وحتى القمع الدموي لانتفاضة يناير الشاملة. وأوضحت أن سلطات طهران تسعى جاهدة عبر توسيع نطاق عقوبة الإعدام وتثبيت أجواء الرعب والترهيب إلى ضمان بقاء سلطتها المتهالكة وشراء المزيد من الوقت؛ غير أن هذه المحاولات البائسة واهمة ولن تزيد الجماهير المنتفضة إلا غضباً وإصراراً على مواجهة الثيوقراطية الحاكمة.

وأضافت كمالي في رسالتها المفعمة بالأمل والتحدي: “لقد تجاوزنا مرارة الموت، وصرنا اليوم ممتلئين بالغضب والمقاومة. لدينا إيمان راسخ بأن يوماً قريباً سيأتي لتتحرر فيه إيران بالكامل، ولن يكون لعقوبة الإعدام أي مكان أو وجود في الدستور الجديد لبلادنا المستقلة”.

ووجهت كمالي نداءً عاجلاً ومباشراً إلى المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والحقوقية حول العالم، داعية إياهم إلى عدم غض الطرف أو التغاضي عن الجرائم الفظيعة والتصفيات الميدانية التي يرتكبها النظام الإيراني بحق المواطنين والأحرار، وضرورة اتخاذ القرارات الحاسمة والمواقف الرادعة الكفيلة بتفكيك ووقف آلة القتل الحكومية وتوفير الحماية للمعتقلين والشارع الثائر.

واختتمت بريسا كمالي رسالتها المدوية بشعار الحركة الوطنية “لا للإعدام”؛ مؤكدة ثباتها وإيمانها العميق ببزوغ فجر الحرية والازدهار في إيران بفضل نضال وتضحيات أبنائها.

اعتقال ومحاكمة

بريسا كمالي، من مواليد عام 1986 في مدينة آبادان، متزوجة وطالبة في قسم الجغرافيا، اعتُقلت في العاشر من مايو 2024 بمدينة أصفهان، ثم نُقلت بعد فترة إلى سجن دولت آباد.

وبعد خضوعها للاستجواب والمحاكمة أمام القاضي توكلي، وُجهت إليها اتهامات من بينها «القيام بأعمال ضد الأمن»، و«تخريب الممتلكات العامة»، و«الانتماء إلى منظمة مجاهدي خلق»، قبل أن تُحكم بالسجن ست سنوات، ثم خُفف الحكم لاحقاً إلى ثلاث سنوات ونصف.

نقل إلى سجن يزد وتشديد الضغوط

وفي عام 2025، نُقلت كمالي بصورة مفاجئة ومن دون إخطار مسبق من سجن أصفهان إلى السجن المركزي في يزد، في خطوة قالت مصادر مقربة منها إنها جاءت بهدف زيادة الضغوط عليها.

وتشير التقارير إلى أنها تعرضت بعد نقلها إلى مزيد من القيود، شملت حرمانها من الحصول على الرعاية الطبية، وفرض قيود على اتصالاتها، إضافة إلى تعرضها لتهديدات أمنية متكررة، في ظل استمرار احتجازها.

نيويورك بوست تقرأ الواقع الإيراني… لا تتنبأ به

الحوار المتمدن- سعاد عزيز- کاتبة مختصة بالشأن الايراني:
منذ سنوات، دأبت وسائل الإعلام الدولية ومراكز الدراسات على نشر تقديرات واحتمالات بشأن مستقبل النظام الإيراني، إلا أن معظم تلك القراءات كانت تتعامل مع الأزمة الإيرانية بوصفها ملفا قابلا للاحتواء أو التأجيل. لكن التقرير الأخير الذي نشرته صحيفة نيويورك بوست يختلف في جوهره؛ فهو لا يقدم سيناريو افتراضيا، بل ينقل صورة ميدانية من داخل إيران تؤكد أن البلاد تقف بالفعل على أعتاب مرحلة فاصلة، وأن الحديث عن اندلاع انتفاضة جديدة لم يعد مجرد تكهن سياسي، وإنما انعكاس مباشر لواقع يتشكل أمام الأنظار.
إن ما ورد في التقرير من شهادات لناشطين ومشاركين في الاحتجاجات لا يمكن عزله عن مجمل التطورات التي شهدتها إيران خلال الأعوام الأخيرة. فالاحتجاجات لم تعد أحداثا متفرقة ذات مطالب معيشية محدودة، بل أصبحت تعبيرا عن رفض شامل لمنظومة الحكم برمتها. ولذلك فإن استعداد المحتجين لمراجعة تجاربهم السابقة، وتطوير أساليب تحركهم، يعكس انتقال الحركة الاحتجاجية إلى مرحلة أكثر نضجا وتنظيما، وهو أمر لا يحدث عادة إلا عندما تفقد السلطة قدرتها على استعادة هيبتها السياسية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير ليس الحديث عن استعدادات الشارع، وإنما ما يكشفه عن سلوك النظام نفسه. فالسلطة التي تضطر إلى الاستعانة بقوات أجنبية للمشاركة في عمليات القمع، وتلجأ إلى إشراك فتيان صغار في الدوريات الأمنية، إنما تعلن، من حيث لا تريد، عن أزمة ثقة عميقة داخل أجهزتها وعن تراجع قدرتها على الاعتماد على قاعدتها التقليدية. فالدول الواثقة من استقرارها لا تبحث عن وسائل استثنائية لحماية نفسها من شعبها.
وفي الوقت ذاته، تتكامل الأزمة الأمنية مع انهيار اقتصادي غير مسبوق. فالتضخم المتصاعد، والانقطاع المزمن للكهرباء والمياه، واتساع رقعة الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، ليست أزمات طارئة، بل نتائج طبيعية لعقود من سوء الإدارة واستنزاف موارد البلاد في مشاريع خارجية على حساب احتياجات المواطنين. وحين تتزامن هذه الأوضاع مع تصاعد الإعدامات العلنية واتساع دائرة القمع، فإنها تخلق البيئة المثالية لانفجار اجتماعي قد تشعل شرارته حادثة تبدو في ظاهرها محدودة.

ومن هنا، فإن استنتاج الصحيفة بأن الثورة قد تندلع في أي لحظة ليس مبالغا فيه، لأن التاريخ يؤكد أن الثورات الكبرى لم تبدأ عادة بسبب حدث استثنائي، بل جاءت نتيجة تراكم طويل للأزمات، قبل أن تأتي لحظة يفقد فيها المجتمع قدرته على الاحتمال. وهذا تحديدا ما تشير إليه الوقائع الإيرانية اليوم؛ إذ لم يعد النظام يواجه أزمة اقتصادية أو أمنية أو سياسية منفصلة، وإنما يواجه تراكما متزامنا لكل هذه الأزمات.
كما أن ما يزيد من هشاشة النظام هو اتساع الهوة بين المجتمع والسلطة إلى درجة باتت معها الشعارات المطلبية تتحول بسرعة إلى شعارات تطالب بإسقاط النظام. وهذه النقلة النوعية تعني أن المشكلة لم تعد تتعلق بأداء الحكومة أو سياساتها، بل بشرعية النظام نفسه، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة سياسية.
إن الأيام الأخيرة للأنظمة لا تقاس بعدد الدبابات أو السجون، وإنما بمدى قدرتها على استعادة ثقة المجتمع. والنظام الإيراني يبدو اليوم أبعد ما يكون عن تحقيق ذلك. فكل إجراء يتخذه لاحتواء الأزمة يتحول إلى عامل جديد لتعميقها، وكل محاولة للقمع تفضي إلى اتساع دائرة السخط الشعبي، وكل إعدام جديد يزيد من القناعة بأن السلطة فقدت أدواتها السياسية ولم يبق لديها سوى القوة المجردة.
لذلك، فإن ما نشرته نيويورك بوست ينبغي النظر إليه بوصفه قراءة لواقع قائم، لا تنبؤا بمستقبل مجهول. فالمؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية تتلاقى جميعها في اتجاه واحد، وهو أن نظام ولاية الفقيه يمر بمرحلة هي الأخطر منذ تأسيسه، وأن استمراره أصبح مرهونا بقدرته على تأجيل الانفجار، لا بمنع وقوعه. أما السؤال الحقيقي فلم يعد: هل ستندلع انتفاضة جديدة؟ بل متى ستكون اللحظة التي تتحول فيها الأزمة المتراكمة إلى تغيير تاريخي لا يمكن وقفه.

دي سي نيوز ناو: على واشنطن دعم المقاومة المنظمة في إيران وتخلي عن سياسة استرضاء

موقع المجلس:
في حوار سياسي خاص أجرته شبكة «دي سي نيوز ناو» الأمريكية عبر برنامجها كابيتال ريفيو مع المذيع مارك هالب، أكد الدكتور مجيد صادق بور، الناشط الحقوقي والمدير السياسي لتنظيم مجتمعات الإيرانيين الأمريكيين (OIAC)، أن الخطاب السياسي والإستراتيجية الغربية تجاه إيران ظلا محصورين لعقود طويلة في خيارين فاشلين؛ إما سياسة الاسترضاء والمهادنة، أو الاندفاع نحو المواجهات العسكرية المباشرة. وأوضح صادق بور أن أي استراتيجية دولية جادة للتعامل مع التهديدات الصادرة من طهران يجب أن تتجاوز هذه الأطر التقليدية لتضع في مركز صدارتها الشعب الإيراني، وانتفاضته الوطنية، والمقاومة المنظمة التي تلعب دوراً حاسماً في صراع الإنسانية ضد زمرة الاستبداد الحاكمة في إيران.

عقم السياسات الغربية وفشل رهان تغيير السلوك
وسلط الدكتور صادق بور الضوء على خطأ استراتيجي ارتكبته الإدارات الغربية المتعاقبة على مدى ما يقرب من 50 عاماً، والمتمثل في محاولة تغيير سلوك النظام الإيراني. وأكد أن الثيوقراطية الحاكمة في طهران غير قابلة لإصلاح سلوكها أو تعديله، سواء عبر سياسات المداراة والتنازلات الدبلوماسية أو عبر الضغوط العسكرية الخارجية؛ لأن بنية هذا النظام قائمة بالأساس على تصدير الأزمات وانتهاك القوانين الدولية وسحق حقوق الإنسان.

وأشار صادق بور إلى أن تركيز واشنطن والغرب المفرط على العمليات العسكرية والردود المتبادلة يغفل العنصر الأكثر أهمية وتأثيراً في المعادلة الإيرانية، وهو قوة الرفض الداخلي المتمثلة في الجماهير الغاضبة والتنظيمات الميدانية التي تقود الحراك الداخلي، مؤكداً أن الحل الجذري والوحيد يستوجب دعم إرادة الشعب الإيراني لإسقاط الاستبداد من الداخل بدلاً من استنزاف الوقت في مفاوضات عقيمة.

رعب السلطة من الغضب الداخلي وتفضيل خيار الحرب
ورداً على سؤال حول طبيعة المخاوف التي تحرك قرارات طهران، أوضح المدير السياسي لـ (OIAC) أن التهديد الأول والأكبر لـ النظام الإيراني لا يأتي من القوى الخارجية، بل من انتفاضة الشارع والمقاومة المنظمة. وأكد صادق بور حقيقة لافتة مفادها أن النظام لو خُيّر بين خوض حرب عسكرية خارجية وبين اعتراف الغرب بالمقاومة الإيرانية المنظمة، لاختار خيار الحرب دون تردد.

وفسّر ذلك بأن نظام الولي الفقيه يعتاش على أجواء الحروب والنزاعات المسلحة منذ عقود، ويستخدم ضبابية المعارك كدرع لحماية نفسه وإيجاد ذريعة لتشديد القمع الداخلي وسحق الأصوات المعارضة. واستشهد بما أكدته السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، من أن تحقيق السلام الحقيقي والاستقرار في المنطقة يمثل حبل شنق بالنسبة لهذا النظام؛ لأنه يجرده من ذريعة الحرب ويضعه في مواجهة مباشرة وأمام المجهول مع الشعب الإيراني المنتفض.

دي سي نيوز ناو: على واشنطن دعم المقاومة المنظمة في إيران وتخلي عن سياسة استرضاءخطة السيدة مريم رجوي من 10 نقاط لمستقبل إيران الحرة
تُمثّل خطة المواد العشر التي طرحتها السيدة مريم رجوي خلاصة تطلعات الشعب الإيراني والمقاومة لبناء إيران الغد. وتدعو الخطة إلى إسقاط نظام الولي الفقیة وإقامة جمهورية ديمقراطية تعددية قائمة على الفصل بين الدين والدولة، والمساواة الكاملة بين الجنسين، وإلغاء عقوبة الإعدام، وتفكيك كافة مؤسسات القمع، بالإضافة إلى ضمان الحريات الأساسية وإعلان إيران دولةً خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.

مريم رجوي | خطة المواد العشر | إيران المستقبل | ديمقراطية وتعددية
السيدة مريم رجوي – خطة المواد العشر
خريطة الطريق نحو إسقاط النظام ودعم الخيار الشعبي
وأشار صادق بور إلى أن الوضع الراهن المتمثل في تهديد الملاحة في مضيق هرمز واضطراب الاقتصاد العالمي غير قابل للاستمرار، وأن الحرب العسكرية وحدها لن تفكك أركان السلطة في طهران. ومن هذا المنطلق، دعا واشنطن والمجتمع الدولي إلى ملاءمة سياساتهم مع تطلعات الشارع عبر تقديم الدعم السياسي الصريح للمقاومة الإيرانية المنظمة بقيادة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (NCRI).

وأوضح أن هذا الدعم لا يعني تدخل عساكر أجانب أو تنفيذ عمليات ميدانية خارجية نيابة عن الإيرانيين، بل يتلخص في تقديم الغطاء والاعتراف السياسي الدولي لحق الشعب الإيراني في التغيير والسيطرة على مقدراته. وأعلن صادق بور في هذا الصدد عن تنظيم تظاهرات وإجراءات واسعة أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك يومي 22 و23 سبتمبر القادم، لحث المجتمع الدولي على الاعتراف بحق الشعب في إسقاط النظام الإيراني.

الإعدامات القياسية وحتمية التضامن السياسي
واختتم الدكتور مجيد صادق بور حواره بالإشارة إلى السجل الدموي المروع لـ النظام الإيراني، لافتاً إلى أن إيران تسجل أعلى معدل للإعدامات للفرد في العالم، حيث نفذ النظام أكثر من 80% من إجمالي حالات الإعدام المسجلة عالمياً خلال عام 2025 وما تلاه، نتيجة للمحاكمات الصورية والانتقامية.

وأكد أن هذه الأرقام المفزعة تُظهر حجم التضحيات التي يقدمها المواطنون الإيرانيون المنتفضون بأيديهم العارية في مواجهة بطش السلطة، مشدداً على أن المجتمع الدولي يقع على عاتقه واجب أخلاقي وسياسي لدعم هذه المعركة الوطنية النبيلة، وتوفير الاعتراف السياسي الحاسم الذي يمهد الطريق لقيام جمهورية ديمقراطية حرة ومستقلة في إيران.

فولكر تورك: النظام الإيراني يستغل الإعدامات لإشاعة الرعب وقمع المعارضة في إيران

موقع المجلس:
في تصريح صادر عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك ، ونشره الموقع الرسمي لمكتب المفوض السامي (OHCHR)، أعرب تورك عن قلقه البالغ إزاء الارتفاع الحاد في أحكام وإعدامات السلطات في إيران منذ مارس الماضي. وأكد المسؤول الأممي أن النظام الإيراني يواصل استخدام عقوبة الإعدام كأداة ترهيبية لإشاعة الخوف والذعر بين أطياف المجتمع وقمع أي شكل من أشكال المعارضة والتظاهر، داعياً السلطات الإيرانية بشكل عاجل إلى الوقف الفوري لكافة الإعدامات والتحرك الجدي نحو إلغاء عقوبة الإعدام نهائياً.

فولكر تورك: الإعدامات في إيران تُستخدم لزرع الخوف وقمع المعارضة
عَبَّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن قلقه البالغ إزاء تصاعد أحكام وعمليات الإعدام في إيران منذ مارس. وأكد تورك أن عقوبة الإعدام تُستغل من قبل نظام الولي الفقيه لترهيب المواطنين وإخضاع المعارضة، مشيراً إلى تنفيذ ما لا يقل عن 56 إعداماً بتهم أمنية منذ 19 مارس 2026، من بينها 27 حالة مرتبطة باحتجاجات مطلع العام، ومطالباً بإيقاف كافة الإعدامات فوراً والتحرك نحو إلغائها.

فولكر تورك | حقوق الإنسان | موجة الإعدامات | الولي الفقيه | النظام الإيراني | أغسطس 2026
فولكر تورك: الإعدامات في إيران تُستخدم لزرع الخوف وقمع المعارضة
تصاعد الإعدامات والتهم الكاذبة
وأوضح تورك أنه منذ 19 مارس 2026، جرى إعدام ما لا يقل عن 56 شخصاً بتهم تتعلق بما يسمى الأمن القومي، من بينهم 27 فرداً ارتبطت قضاياهم بالاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في مطلع العام الجاري. وحذر البيان من أن أكثر من 100 شخص آخرين يواجهون حالياً خطر الإعدام الوشيك تحت تهم مماثلة، بالتوازي مع استمرار تنفيذ عقوبة الإعدام في قضايا الجرائم المرتبطة بالمخدرات بمعدلات مرعبة ومقلقة للغاية.

غیاب المحاكمات العادلة وانتزاع الاعترافات بالتعذيب
وسلط المفوض السامي الضوء على الغياب المستمر لضمانات المحاكمة العادلة ومعايير الإجراءات القانونية الواجبة في المحاكمات، مشيراً إلى أن الاعترافات تُنتزع قسراً تحت التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة. ولفت البيان إلى أن العديد من أحكام الإعدام تُنفذ علناً، وأن بعضها يُنفذ بعد أسابيع قليلة فقط من عملية الاعتقال. وكشف التقرير عن سابقة قضائية خطيرة تمثلت في الحكم بالإعدام على 12 متهماً عقب جلسة محاكمة مغلقة واحدة لم تستغرق سوى ثلاث ساعات فقط.

الخلاصة
واختتم فولكر تورك تصريحه بالتشدید على أن عقوبة الإعدام لا تتوافق مطلقاً مع الحق الأصيل في الحياة وتتعارض تماماً مع الكرامة الإنسانية، مؤكداً أنه لا مكان لهذه العقوبة الصارمة في عالمنا اليوم، ومجدداً المطالبة الدولية بوقف آلة الإعدامات في إيران.

إيران…هکذا یلاحقُ النظام الایراني النقاباتِ التعليميةَ منها قمعُ المعلمين

موقع المجلس:
عقب موجة الاحتجاجات الوطنية في يناير 2026؛ شهدت إيران تصاعداً حاداً في قمع المعلمين والناشطين النقابيين. حيث توسعت الأجهزة الأمنية في استهداف هذه الشريحة عبر الاعتقالات التعسفية والملاحقات القضائية والعقوبات الإدارية. ولم يعد هذا الاستهداف الممنهج محصوراً في فترات التظاهر الميداني فحسب، بل تحول إلى سياسة دائمية يمارسها نظام الولي الفقيه لإسكات واحدة من أكثر الشرائح الاجتماعية تأثيراً وحضوراً في المدن الإيرانية ومحيطها الاجتماعي.

إيران...هکذا یلاحقُ النظام الایراني النقاباتِ التعليميةَ منها قمعُ المعلمين

الفقر يلتهم نصف سكان إيران وأزمة تتجاوز حدود الاقتصاد
كشف تقرير جديد صادر عن مركز البحوث البرلماني في إيران عن رسم صورة قاتمة ومظلمة للمستقبل الاقتصادي للبلاد، محذراً من أن معدلات الفقر ستشهد قفزة مخيفة لترتفع من 41% في عام 2026 إلى نحو 45.5% بحلول عام 2028. وهذا يعني عملياً أن يقترب مواطن إيراني من بين كل اثنين من العيش تحت خط الفقر الحرج، في مؤشر يتجاوز لغة الأرقام الصماء ليعكس واقعاً يزداد قسوة على ملايين الأسر في طهران ومختلف المحافظات الإيرانية.

الفقر في إيران | مركز البحوث البرلماني | أزمة اقتصادية
الفقر يلتهم نصف سكان إيران
وتكشف التقارير الحقوقية عن تنفيذ موجات اعتقال طالت العديد من التربويين في العاصمة طهران والمدن الصغرى دون اتباع أي إجراءات قانونية سليمة. وتواجه غالبية المعتقلين تهم أمنية فضفاضة مثل «التجمّع والتواطؤ ضد الأمن القومي» و«الدعاية ضد النظام»، وهي ذرائع مكررة تهدف إلى تجريم العمل النقابي السلمي. كما تمتد الانتهاكات إلى داخل المحابس عبر حرمان المعلمين المحتجزين من الرعاية الطبية اللازمة كأداة ضغط إضافية، مما دفع المجلس التنسيقي لنقابات المعلمين الإيرانيين للمطالبة بوقف هذه الملاحقات والإفراج الفوري عن كافة المعتقلين.

ولا يقتصر القمع الإيراني للمعلمين على الجدران الخرسانية للسجون، بل يمتد إلى حرب اقتصادية وإدارية منظمة تدار عبر اللجان الانضباطية؛ حيث تُفرض عقوبات تشمل فصل المعلمين، وتجميد رواتبهم، وإيقافهم القسري عن العمل. وتهدف هذه التدابير المالية إلى محاصرة المعلمين في قوت يومهم وإخضاع عائلاتهم لضغوط معيشية خانقة، خاصة وأن هذا الحراك النقابي يأتي في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة وتحذيرات نقابية من اتساع خط الفقر ليلتهم نصف سكان البلاد.

إن الذعر الحكومي من النقابات التعليمية المستقلة لا يرتبط فقط بالمطالبات المباشرة لتحسين الأجور وتعديل خطط المعاشات، بل يعود إلى الدور الجوهري الذي يلعبه المعلم في غرس التفكير النقدي ونشر الوعي المدني بين أجيال الشباب. ترى السلطة في هذه الاستقلالية تهديداً مباشراً لهيمنتها الأيديولوجية؛ فالتعليم بالنسبة للمنظومة الحاكمة يجب أن يظل أداة للتوجيه، بينما يصر المعلمون على خوض معركة ديمقراطية تعتبر التعليم حقاً عاماً أصيلاً وتربط بين كرامة الكادر التربوي وحقوق الطلاب وحريات المجتمع ككل.

تثبت هذه المواجهة المستمرة أن الممارسات القمعية لنظام الولي الفقيه عاجزة عن اقتلاع المطالب الهيكلية لإصلاح المنظومة التعليمية. إن استمرار الملاحقات والإبعاد القسري للمعلمين من مدراسهم يسلّط الضوء عالمياً على عمق الأزمة الداخلية، ويحول قضية التربويين في إيران من مجرد نزاع فئوي إلى رمز لنضال المجتمع المدني من أجل العدالة والحرية.

على شفا الانهيار: البعد الجيوسياسي لانتفاضة الشارع الإيراني وتآكل منظومة الردع

الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-

أمد للإعلام-د. سامي خاطر:
أمد/ مقدمة استراتيجية في مأزق الشرعية والاحتواء
تتجلى في المشهد الإيراني الراهن ملامح أزمة هيكلية عميقة تُنذر بتحولات جذرية في معادلات الحكم واستقرار السلطة. فمع تصاعد حدة التصدعات الداخلية، بات الشارع الإيراني يقف على حافة منعطف تاريخي حاسم، في ظل تقاطعات معقدة تجمع بين الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، وتكثيف سياسات القمع والإعدام العلني، وتبعات الصراعات الإقليمية المستمرة. هذا المخاض العسير يعكسه تقرير ميداني بارز نشرته صحيفة نيويورك بوست، مسلطاً الضوء على تحولات جوهرية في بنية الحراك الاحتجاجي واستراتيجيات المواجهة الشعبية ضد النظام الإيراني.
التحول التكتيكي نحو الردع الميداني المسلح
أبرزت المعطيات الميدانية التي نقلتها شبكات سرية وناشطون من العاصمة طهران تطوراً نوعياً في بنية التخطيط للانتفاضة المرتقبة. فبعد الصدمة البالغة التي خلفتها أحداث يناير الماضي وما رافقها من عمليات قمع دموية وُصفت بالمجازر، لا سيما مع تقديرات بسقوط أعداد هائلة من الضحايا أشار إليها الرئيس دونالد ترامب، تعكف قوى المقاومة الشعبية على مراجعة تكتيكات المواجهة لتلافي الثغرات السابقة. وتشير التقارير إلى إنشاء شبكات سرية لتهريب وتخزين الأسلحة وأدوات الردع الدفاعية في مختلف المدن، في تحول استراتيجي يعكس انتقال المتظاهرين من مرحلة الاحتجاج السلمي المكشوف إلى الاستعداد لـ التسلح الشعبي، لتغيير موازين القوى الميدانية في وجه بطش السلطة.
استنزاف المؤسسة الأمنية ولجوء السلطة لخيارات اليأس
في محاولة مستميتة لاحتواء الغضب المتصاعد، لجأت الأجهزة الأمنية وحرس النظام إلى استراتيجيات قمعية تعكس حالة من العجز والرعب البنيوي. ووفقاً للشهادات الميدانية، استعان النظام بـ مرتزقة أجانب استُقدموا من العراق وأفغانستان وباكستان لتشديد القبضة الأمنية وتفتيش الهواتف والسيارات، فضلاً عن خطوة بالغة الخطورة تتمثل في تسيير دوريات أسرية وأمنية عبر تسليح فتيان لا تتجاوز أعمارهم الثالثة والرابعة عشرة. هذه الممارسات لا تعزز من قدرة النظام فحسب، بل تُظهر التآكل المتسارع في الوعاء البشري الموثوق للمؤسسة الحاكمة وتعمق الشرخ الأخلاقي والاجتماعي بين السلطة والمجتمع.
الشرارة الاقتصادية وتوسع الجغرافيات الثورية
لم يعد الغضب محصوراً في الأوساط السياسية، بل تفجر في عمق الأزمات المعيشية الطاحنة ونقص الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء في المحافظات الجنوبية، مترافقاً مع تضخم مالي جامح جعل أبناء الطبقة المتوسطة عاجزين عن توفير أبسط مقومات العيش رغم وفرة السلع بأسعار فلكية. وقد تجسد هذا الاحتقان الميداني في خروج أكثر من ألفي متظاهر في أصفهان تنديداً بالإعدام العلني للثائرين أبوالفضل سباهي وأمير حسين صفري. إن هذا التلاحم بين الوجع الاقتصادي والقمع المنهجي يجعل من أي حادثة عابرة الشرارة الفاصلة لاندلاع ثورة شاملة يصعب على المنظومة الأمنية احتوائها.
ختام استراتيجي: خيارات الوجود والمواجهة الفاصلة
تؤكد التقارير الميدانية والمؤشرات الاقتصادية أن بقاء النظام بات مرتبطاً حصرياً بسطوة الآلية الأمنية المطلقة وسط انسداد آفاق الإصلاح وتآكل الشرعية السياسية. وإذا كانت قوى الانتفاضة تدرك حجم المخاطر والتكلفة البشرية الباهظة، فإن شعورها بأن الخيار محصور بين الرحيل الحتمي للنظام أو الفناء المباشر يضفي على الحراك طابعاً وجودياً لا رجعة فيه، مما يضع استقرار المنطقة برمتها أمام حسابات جديدة ومفصلية.

إيران بين تآكل السلطة وتصاعد القمع في السجون

ایلاف – نظام مير محمدي:
يكشف تصاعد القمع في السجون الإيرانية عمق أزمة السلطة وانقسامها، وعجز النظام عن احتواء الرفض الشعبي والاستعصاء السياسي.
تشهد الساحة الإيرانية، في هذه المرحلة الحساسة، مسارين متوازيين يصبان في مجرى واحد: تصاعدًا متسارعًا في حدة القمع والانتهاكات داخل السجون، ومواكبة ذلك بانكشاف عميق لأزمة الفراغ والانقسام في رأس الهرم السياسي. فما يجري اليوم في معتقلات إيفين ولاكان رشت وغيرها، لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن حالة التخبط والاستعصاء البنيوي التي يعيشها نظام “ولاية الفقيه”، عقب الغياب الفعلي لعلي خامنئي وعجز نجله مجتبى عن ردم الفجوة أو فرض الهيبة، مما جعل السلطة تتخبط بين خوفها من الانفجار المجتمعي وتصفية الحسابات بين أجنحتها المتصارعة.

تُظهر التطورات الأخيرة في السجون الإيرانية أن سياسة الترهيب أخذت أبعادًا أكثر خساسة وخطورة. فقد شهد سجن إيفين اقتحامًا وحشيًا نفذته قوات القمع التابعة للنظام في القاعة الخامسة بالعنبر السابع، تخلله اعتداء جسدي صارخ على السجناء السياسيين ونهب ممتلكاتهم الشخصية، بتوجيه مباشر من القيادات الأمنية والإدارية في السجن. ولم تقتصر هذه الانتهاكات على العنف الفيزيائي، بل تعدته إلى تدهور مأساوي في الظروف المعيشية والصحية، عبر الدمج التعسفي واحتجاز السجناء السياسيين عمدًا إلى جانب مرتكبي الجرائم الخطرة لممارسة ضغط نفسي وجسدي مضاعف، فضلاً عن تفشي الأمراض الجلدية جراء انتشار القوارض والحشرات، وتقنين استخدام الحمامات، والبيع التعسفي للمواد الأساسية بأسعار مضاعفة ودون فواتير رسمية.

وفي سجن لاكان رشت، تجلت الفاشية في ابتكار أساليب النهب والسلب، حيث أدى تغيير الإدارة إلى نهب الميزانيات واختلاس المساعدات، وقطع حصص المواد الصحية، ونصف حصة الخبز، وفرض إتاوات مالية باهظة على عوائل السجناء مقابل منحهم حقوقًا قانونية كالإجازات. إن هذا السلوك السادي ينبع من حقيقة واحدة، وهي الذعر البنيوي للنظام من تحول السجون إلى منارات تنظم المقاومة وتلهم الشارع الثائر.

على الضفة الأخرى، تعيش السلطة حالة تآكل غير مسبوقة. فبعد أفول نجم خامنئي، فشلت محاولات ترتيب “الوفاق” أو التستر على التناقضات عبر إقحام الحروب والمواجهات الإقليمية. إذ تحول التنافس بين كتل الحكم من “اختلاف حول إدارة النظام” إلى “تخاصم صفري يستهدف المحو والإلغاء”. وقد اعترفت صحافة النظام نفسها، كما جاء في صحيفة إيران الحكومية، بهذا التفتت، حين تحدثت عن تحول المفهوم من “رقيب” إلى “عدو”، وعن خروج أصوات “نشاز” عبر شاشات الإعلام الرسمي تعبر عن سلطة “تيار الأقليات”. هذا الاعتراف الذاتي تؤكده الوقائع، ويمثل انهيارًا لمركز السيطرة والتوازن، فولي الفقيه لم يعد يمثل صمام الأمان، بل أضحى هو نفسه بؤرة الصراع. ومع عجز مجتبى خامنئي عن ممارسة دور الحاسم، تصاعدت الاتهامات المتبادلة لرمي مسؤولية الفشل الاقتصادي والسياسي، وازدادت خشية النظام من لحظة الاندماج بين الرفض الشعبي العارم والصمود المنظم داخل المعتقلات.

وختام القول: إن هذا الربط بين وحشية السجون وانكسار التوازن في الهرم السياسي يوضح أن نظام الملالي قد وصل إلى نفق مسدود غير قابل للترقيع، حيث أصبحت أدوات الترقيع السياسية والقمع المفرط عاجزة تمامًا عن احتواء الأزمة. إن الحقيقة الساطعة التي يتجاهلها النظام هي أن القمع الداخلي وتصدير الأزمات إلى الخارج يمثلان جوهر عقيدته ونسيج سياستيه الخارجية والداخلية، ولن يتوقف هذا المسار المظلم إلا بزوال السبب نفسه. ومن هنا، فإن المخرج الوحيد من هذا الاستعصاء الشامل والحل النهائي لكل أزمات إيران والإقليم يكمن في إسقاط هذا النظام وتغييره جذريًا، وهو المطلب الشعبي العارم الذي تتطلع إليه غالبية الشعب الإيراني وتصنع معالمه المقاومة الوطنية كل يوم.

شبكة الوكلاء الإقليمية لطهران: هندسة التراجع أم محاولة للبعث الجيوسياسي؟‘

وکالاء نظام الملالي في المنطقة-

PANET – بقلم: د. مصطفى عبدالقادر:
تُظهر التحولات المتسارعة في مشهد الشرق الأوسط إصرار النظام الإيراني على إبقاء خيار الحروب بالوكالة العصب الأساسي لعقيدته الأمنية واستراتيجيته الخارجية. وفي ظل الضغوط الهيكلية المتصاعدة والأزمات البنيوية العميقة

صورة شخصية
التي تعتصر الداخل الإيراني، تسعى طهران إلى إعادة تدوير شبكة الميليشيات الإقليمية وتأهيلها لتجاوز مرحلة الانتكاسات الميدانية والضربات الاستخبارية القاسية التي تلقتها قياداتها مؤخراً، مما يفتح باباً واسعاً أمام قراءة تحليلية موضوعية لطبيعة هذه التحولات وتداعياتها الجيوسياسية المباشرة.
إعادة هندسة الشبكة وتكييف التكتيكات العملياتية
كشفت تقارير استخبارية دولية وميدانية متطابقة، أبرزها ما نشرته شبكة سي إن إن نقلاً عن خبراء ومسؤولين، أن المجموعات المسلحة المدعومة من طهران لم تتفكك كلياً رغم الخسائر الفادحة، بل انخرطت في عملية تحول وتكيف هيكلي. تهدف هذه العملية إلى تأمين خطوط الإمداد وإعادة ترتيب الصفوف وفق بيئة أمنية جديدة تفرضها المعادلات العسكرية المستحدثة. وتعمل هذه الكيانات على تدوير أولوياتها التشغيلية بما يضمن الحفاظ على التنسيق الأيديولوجي والاستراتيجي مع مركز القرار في طهران، متجنبة في الوقت ذاته الوقوع في فخ المواجهة العسكرية المباشرة التي قد تفضي إلى تفكيك بنيتها كلياً.
الحوثيون في اليمن: مسارات الاستقلال الاستراتيجي والإمداد النوعي
تبرز جماعة الحوثي في اليمن كواحدة من أكثر الأذرع الإقليمية قدرة على المناورة والمحافظة على استقلالية نسبية في اتخاذ القرارات الميدانية، رغم انضوائها الكامل ضمن الفلك الاستراتيجي الإيراني. وقد تجسد هذا البعد في الأزمة المستجدة حول مطار صنعاء، إثر الاتهامات الموجهة للمملكة العربية السعودية باستهدافه لعرقلة وصول وفد رفيع قادم من طهران، وهو ما توازى مع مساعٍ حثيثة لتدشين رحلات جوية مباشرة بين العاصمتين لأول مرة منذ عقد كامل. يقرأ المراقبون هذه الخطوة باعتبارها تحولاً نوعياً يهدف إلى تعزيز خطوط التواصل اللوجستي وتكريس عمق استراتيجي جديد يخدم المصالح المشتركة للطرفين.
المركزية العقيدية لـ حزب الله ورسائل القيادة العليا
في المقابل، يظل حزب الله في لبنان يحتل الموقع المرجعي والمحوري الأبرز في العقيدة الإقليمية الإيرانية. فقد أثبت الهيكل التنظيمي للحزب قدرة استثنائية على التعافي السريع فاقت التوقعات الأمنية والعسكرية عقب الضربات الهيكلية الموجعة. وفي هذا السياق الدقيق، جاءت الرسالة الرسمية التي وجهها مجتبى خامنئي – الذي آلت إليه مقاليد القيادة في إيران عقب وفاة علي خامنئي- إلى الأمين العام للحزب نعيم قاسم، لتؤكد الدعم المطلق والالتزام الاستراتيجي طويل الأمد، واصفة الحزب بأنه الخط الأمامي المتقدم لمشروع النفوذ الإقليمي الإيراني.
إنذارات دول الطوق وتكلفة استنزاف الجوار
أثارت هذه التحركات المتسارعة حالة من الاستنفار الأمني والسياسي العالي في عواصم الجوار الإقليمي، لا سيما في الأردن والسعودية. فقد وجهت عمّان تحذيرات شديدة اللهجة إلى الحكومة في بغداد، مؤكدة جاهزيتها لتنفيذ ضربات استباقية داخل الأراضي العراقية حال استخدام الميليشيات المرتبطة بـ حرس النظام الإيراني الأجواء أو الأراضي العراقية منطلقاً لشن هجمات عدائية ضد المملكة، مدعومة بمعلومات استخبارية دقيقة. وعلى الصعيد ذاته، رصدت الرياض هجمات متكررة بصواريخ ومسيرات انطلقت من مناطق نفوذ تلك الفصائل في العراق، مما دفعها للضغط المكثف على السلطات العراقية لفرض ضبط أمني صارم وكبح جماح تلك التجاوزات.
أفق مسدود وخيارات وجودية متآكلة
يؤكد الرهان المستمر لنظام الولي الفقيه على ورقة الوكلاء أن طهران تفتقر إلى البدائل التنموية والسياسية، وتعتبر هذا النهج خياراً وجودياً لا غنى عنه لتصدير أزماتها الهيكلية العميقة ومحاولةً لإطالة أمد نفوذها الخارجي. ورغم محاولات الترميم التنظيمي، فإن تقاطع الضغط العسكري الإقليمي، والرفض الدولي المتصاعد، والانفجار الوشيك للغضب الشعبي والاقتصادي في الداخل، يضع استراتيجية الحروب بالوكالة أمام طريق مسدود، مكرساً عزلة النظام ومؤذناً بتداعي خيارات بقائه على المدى المنظور.

تصعيد الضغوط على السجناء السياسيين، النقل القسري والحرمان اللاإنساني

صعّد النظامُ الكهنوتي الحاكم في إيران من ضغوطه وقيوده ضد السجناء السياسيين، بالتوازي مع الوتيرة المتزايدة لإعدام السجناء المنتمين لمنظمة مجاهدي خلق الایرانیة والشباب الثوار الشجعان، واعتقال أنصار وعائلات مجاهدي خلق.

في يوم الاثنين 3 أغسطس 2026، تم نقل 100 سجين، معظمهم من سجناء الجرائم الجنائية، من سجن فشافويه (سجن طهران الكبير) إلى سجن إيفين وعنابر السجناء السياسيين؛ وذلك بهدف التضييق على السجناء السياسيين وإيذائهم.

وفي يوم الأحد 2 أغسطس، نُقل السجين أفشين رنكريز حيرتي، وهو من أنصار مجاهدي خلق، قسراً من القاعة 2 في سجن إيفين إلى قاعة أخرى بين سجناء الجرائم الجنائية.

كما يقبع السجين السياسي ستار بابائي، وهو من أنصار مجاهدي خلق، دون تحديد مصيره منذ 5 أشهر في سجن ضيابر بمحافظة جيلان. وكان عناصر النظام قد نهبوا وسرقوا عند اعتقاله في مارس 2026 جميع متعلقاته الشخصية ووثائقه، بما في ذلك هاتفه المحمول وحاسوبه المحمول، وحتى وثائق ملكية منزله وغيرها من المستندات.

وفي يوم الاثنين 3 أغسطس، تم نفي السجين السياسي حجة عليزادكان من سجن يزد إلى سجن سراوان، كما تم نفي عبد السلام شهميري من سجن زاهدان إلى سجن إيرانشهر.

من جهة أخرى، يشهد الوضع المعيشي في سجن كنبد كاووس تأزماً للغاية؛ حيث يخصص السجانون رغيف خبز واحد فقط لكل ثلاثة سجناء، في حين يمتنع متجر السجن عن توفير الخبز، ما يكبد عائلات السجناء مشقة كبيرة لجلب الخبز لأحبائهم من خارج السجن.

إن المقاومة الإيرانية إذ تدين بشدة تصعيد الضغوط على السجناء السياسيين، تؤكد مرة أخرى على ضرورة قيام بعثة دولية لتقصي الحقائق بزيارة السجون في إيران واللقاء بالسجناء، ولا سيما السجناء السياسيين.

أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

5 أغسطس/ آب 2026

ما بعد الحرب والمفاوضات… لماذا يبقى الحل في إيران نفسها؟

الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
منذ قيام النظام الإيراني، انشغل المجتمع الدولي في البحث عن الصيغة الأنسب للتعامل معه؛ فتارة كان الرهان على العقوبات، وتارة على المفاوضات، وتارة أخرى على الضغوط العسكرية أو التلويح بها. غير أن القاسم المشترك بين معظم هذه السياسات أنها تعاملت مع نتائج الأزمة أكثر مما تعاملت مع جذورها، الأمر الذي أتاح للنظام، في محطات عديدة، هامشا للمناورة وإعادة ترتيب أوضاعه.
لقد أظهرت التجارب أن النظام الإيراني يتعامل مع الأزمات بمنطق مختلف عن الدول التقليدية. فهو لا ينظر إلى المفاوضات باعتبارها نهاية لخلاف سياسي، ولا إلى التصعيد العسكري بوصفه حدثا استثنائيا، بل يتعامل مع كل أزمة باعتبارها فرصة لإدارة الوقت، وإعادة بناء أوراق القوة، وتحسين شروط بقائه. ولهذا، فإن أي مسار لا يغير المعادلة الأساسية، والمتمثلة في استمرار بنية السلطة كما هي، قد يمنحه فرصة إضافية لإطالة عمره.
ومن هنا، فإن الاقتصار على خيار المفاوضات، مهما بلغت جديتها، أو على سياسة الضغوط وحدها، لا يكفي إذا كان الهدف هو معالجة أسباب التوتر المزمن بين إيران ومحيطها. فالاتفاقات المؤقتة قد تخفف من حدة أزمة معينة، لكنها لا تعني بالضرورة زوال العوامل التي أدت إلى نشوئها، ما دام جوهر الإشكال السياسي قائما.
كما أن اللجوء إلى القوة العسكرية لا يقدم ضمانة لتحقيق استقرار دائم. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن الحروب قد تنهي مرحلة، لكنها لا تنشئ بالضرورة واقعا سياسيا مستقرا، بل قد تفتح الباب أمام تحديات جديدة، بينما يجد النظام في أجواء المواجهة الخارجية فرصة لتعزيز خطاب التعبئة الداخلية.
لهذا، فإن حصر الخيارات بين الحرب والمفاوضات يغفل بعدا أساسيا، وهو أن مستقبل إيران يصنعه الإيرانيون أنفسهم في المقام الأول. فالقضية الإيرانية ليست مجرد ملف نووي أو خلاف دبلوماسي، وإنما ترتبط أيضا بمستقبل الحكم والعلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن ثم، فإن أي معالجة طويلة الأمد لا يمكن أن تتجاهل دور الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة التي تطالب بالتغيير.
إن تحقيق أمن أكثر استدامة في المنطقة يتطلب سياسات لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تبحث عن معالجتها من جذورها. وهذا يقتضي أن تقترن الجهود الدبلوماسية والضغوط الدولية بدعم الحقوق الأساسية للشعب الإيراني، وفي مقدمتها حقه في التعبير والمشاركة السياسية وتقرير مستقبله. فاستقرار المنطقة لن يتحقق عبر تمديد عمر الأزمات أو الاكتفاء بتجميدها، وإنما من خلال معالجة الأسباب التي تجعل هذه الأزمات تتجدد بصورة مستمرة.
ومن هذا المنظور، فإن أي سياسة تمنح النظام مزيدا من الوقت من دون أن تفتح أفقا لمعالجة الأسباب الداخلية للأزمة، قد تؤدي إلى تأجيل المشكلة لا إلى حلها. أما الطريق الذي يركز على المجتمع الإيراني بوصفه الفاعل الرئيس في رسم مستقبل بلاده، فيبقى الأقرب إلى معالجة مستدامة تنطلق من الداخل، وتنعكس آثارها على أمن المنطقة واستقرارها.

من “الاستسلام” إلى “الاتفاق الشريف”… خطاب يكشف مأزق النظام الإيراني

نشاط وحدات المقاومة داخل ایران-

بحزاني – منى سالم الجبوري:
لم يكن التحول المفاجئ في خطاب حرس النظام الإيراني تجاه التفاهمات الأخيرة مع الولايات المتحدة مجرد تبدل في اللغة السياسية، بل عكس حجم المأزق الذي يواجهه النظام داخليا وخارجيا. فما كان يصور قبل أسابيع على أنه تنازل مذل وخيانة لثوابت الثورة، أصبح فجأة “اتفاقا شريفا” أنجز ـ بحسب الرواية الرسمية ـ من موقع القوة وبإشراف مباشر من الولي الفقيه. وهذا التناقض لا يكشف براعة سياسية بقدر ما يفضح ارتباكا في إدارة الأزمة ومحاولة يائسة لاحتواء آثار التراجع.
فقد سبق للأجنحة المتشددة ووسائل الإعلام المقربة من الحرس أن شنت حملة واسعة ضد أي تفاهم مع واشنطن، واعتبرت المفاوضين متهاونين بحقوق إيران، بل جرى تحريك القواعد الأيديولوجية لتأليب الرأي العام ضد أي تسوية. واليوم يطلب من هذه القواعد نفسها التصفيق لما كانت تعتبره استسلاما. وهذا التحول السريع يثير تساؤلات حول طبيعة القرار داخل النظام، ويعكس حجم الضغوط التي دفعت القيادة إلى تغيير موقفها.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن المتغيرات التي شهدتها الأسابيع الأخيرة. فالضغوط العسكرية والاقتصادية، وتراجع النفوذ الإقليمي، وارتفاع كلفة المواجهة، جعلت استمرار سياسة التصعيد خيارا بالغ الخطورة. لذلك بدا القبول بتفاهم مع واشنطن أقل كلفة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد بقاء النظام نفسه.
لكن التجربة الإيرانية تؤكد أن أخطر ما يواجه السلطة ليس الضغوط الخارجية وحدها، بل انعكاسها على الداخل. فكل تراجع سياسي أو عسكري يتزامن مع تصاعد المخاوف من احتجاجات شعبية جديدة، خصوصا في ظل الانهيار الاقتصادي واتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى. ولهذا تسعى السلطة إلى تسويق التراجع باعتباره انتصارا، خشية أن يفسر داخليا بوصفه علامة ضعف تشجع الشارع على التصعيد.
وفي هذا السياق، تكتسب تحركات وحدات المقاومة داخل إيران أهمية متزايدة، إذ تشير إلى أن المعارضة المنظمة تواصل نشاطها رغم القبضة الأمنية المشددة. كما أن تصاعد الإعدامات والإجراءات القمعية يعكس إدراك النظام بأن التهديد الحقيقي لم يعد يقتصر على الضغوط الدولية، بل يتمثل في احتمال التقاء الأزمة الاقتصادية مع السخط الشعبي في موجة احتجاجات واسعة.
إن تحويل “الاستسلام” إلى “اتفاق شريف” ليس انتصارا دعائيا، بل اعتراف غير مباشر بأن موازين القوى لم تعد كما كانت. فالنظام الذي يحاول إقناع أنصاره بجدوى التراجع، يدرك في الوقت نفسه أن مستقبله لن يتحدد على طاولة المفاوضات وحدها، بل في الشارع الإيراني، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع المطالب السياسية، ويتزايد حضور الرفض الشعبي كعامل مؤثر في معادلة التغيير.

واشنطن إكزامينر: الملالي يخشون شعبهم.. فلماذا لا يزال الغرب متردداً؟

موقع المجلس:
نشرت صحيفة واشنطن إكزامينر الأمريكية مقالاً للسياسي الأمريكي باتريك كيندي، النائب السابق عن ولاية رود آيلاند في الكونغرس، تناول فيه حالة الرعب المتصاعد لدى النظام الإيراني من شعبه، متسائلاً عن أسباب تردد الغرب في دعم حركة التغيير الديمقراطي في إيران رغم توفر كل مؤشرات هشاشة هذا النظام. وأشار كيندي، الذي شارك على مدى سنوات في مؤتمرات وفعاليات داعمة لحركة التغيير في إيران بقيادة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ورئيسته المنتخبة السیدة‌ مريم رجوي، إلى أن المشاركين في هذه الفعاليات من مختلف أنحاء العالم يتحدثون جميعاً لغة واحدة: الالتزام بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان العالمية.

إيران.. نصب المشانق في مختلف المدن خوفاً من الانتفاضة: ما لا يقل عن 26 إعداماً خلال أسبوع واحد
يواصل النظام الإيراني موجة الإعدامات التعسفية خوفاً من اندلاع الانتفاضة الشعبية، حيث أُعدم ما لا يقل عن 26 سجيناً خلال أسبوع واحد بين 28 يوليو و3 أغسطس. وأعلنت السلطة القضائية إعدام أميد بهزاد وبوريا صفوت بتهمة «التجسس»، إضافة لإعدام آروين خيرخواهان والتكتم على التفاصيل، في إطار الترهيب والتضييق الذي يمارسه نظام الولي الفقيه.

موجة الإعدامات | الولي الفقيه | السلطة القضائية | أميد بهزاد | بوريا صفوت | أغسطس 2026
إيران.. نصب المشانق وموجة إعدامات خوفاً من الانتفاضة
قمع دموي وطموحات نووية متعنتة
أوضح الكاتب أن النظام الإيراني بات معروفاً على نطاق واسع بوصفه الراعي الأول للإرهاب في العالم، مذكّراً بأن حرس النظام الإيراني الإيراني نفّذ في يناير الماضي أعنف حملة قمع في تاريخه، أودت بحياة آلاف المحتجين السلميين في محاولة يائسة لإخماد الغضب الشعبي. وأضاف أن الوضع يزداد تعقيداً مع تمسك طهران بطموحاتها النووية حتى في ظل الانهيار الاقتصادي والصراعات، بعدما سبق أن رصدت مليارَي دولار لمشروع كان من الممكن أن يجعل كل دولة تقريباً هدفاً محتملاً لسياساتها العدوانية.

تصاعد الإعدامات واستهداف مجاهدي خلق
ولفت كيندي إلى أن الأزمة الأكثر إلحاحاً تكمن في تهديد المزيد من الانتقام ضد المعارضين الداخليين، وخصوصاً منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، المكوّن الرئيسي للمجلس الوطني للمقاومة. وذكر أن تسعة من أعضائها أُعدموا منذ مارس الماضي، من بينهم مهدي خانكي (26 عاماً)، إلى جانب 29 من المشاركين في حركة الاحتجاجات، في وقت ترتفع فيه وتيرة الإعدامات ذات الدوافع السياسية بشكل حاد في بلد يوصف أصلاً بأنه الأعلى عالمياً من حيث معدل الإعدامات نسبة إلى عدد السكان.

إيران: هجوم وحشي على سجناء إيفين والوضع الكارثي والفساد المستشري في سجن لاكان برشت
شنت القوات القمعية في سجن «إيفين» هجوماً وحشياً على القاعة رقم 5 بالعنبر رقم 7، حيث اعتدت بالضرب المبرح على السجناء وسرقت متعلقاتهم الشخصية تحت إشراف مباشر من مسؤولي السجن. وتزامن ذلك مع كشف تقارير عن الوضع الكارثي والفساد المستشري داخل سجن «لاكان» بمدينة رشت، مما يعكس تصاعد القمع المنهجي والانتهاكات بحق المعتقلين في سجون نظام الولي الفقيه.

سجن إيفين | سجن لاكان رشت | السجناء السياسيون | الولي الفقيه | النظام الإيراني | يوليو 2026
هجوم وحشي على سجناء إيفين وسجن لاكان برشت
تغيير النظام الخيار الوحيد المتبقي
واعتبر الكاتب أن النظام الإيراني، عبر هذا التاريخ الطويل من القتل والقمع، فقد أي ادعاء بالشرعية، مما جعل عدداً متزايداً من السياسيين والناشطين يقتنعون بأن تغيير النظام هو السبيل الوحيد الممكن أمام الشعب الإيراني، بعد عقود من المحاولات السلمية التي رفضتها طهران جميعها. واستشهد بتجربتي جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري وسقوط جدار برلين كدليل على أن الأنظمة القمعية التي تبدو راسخة يمكن أن تنهار فجأة.

دعوة لدعم المقاومة الإيرانية
وختم كيندي مقاله بالقول إن السؤال الوحيد المطروح هو ما إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها سيقفون في الجانب الصحيح من التاريخ، داعياً إلى الاعتراف بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بديلاً ديمقراطياً واضحاً، ووضع سياسات تحمي الناشطين الإيرانيين وتحاسب المسؤولين عن ممارسات القمع بحقهم.

حين تتحول المحرمات إلى أدوات لتمويل النظام

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد الالتفاف على العقوبات الدولية بالنسبة لنظام الملالي مجرد نشاط مالي سري، بل تحول إلى منظومة متكاملة توظف كل ما هو محظور أو غير مشروع من أجل تأمين الموارد المالية اللازمة لاستمرار نفوذه. ويكشف التحقيق الاستقصائي الذي نشرته وكالة رويترز عن جانب بالغ الخطورة من هذه المنظومة، إذ يربط بين شبكات المقامرة الإلكترونية والعملات الرقمية وجهات خاضعة للعقوبات، في نموذج يعكس طبيعة الاقتصاد الموازي الذي نشأ في ظل هيمنة الحرس الثوري على مفاصل الدولة.
فالمفارقة اللافتة أن المقامرة، التي يجرمها هذا النظام ويعاقب عليها بالسجن والجلد، تحولت – بحسب التحقيق – إلى مصدر تمويل ضخم يجري استثماره عبر شبكات مرتبطة بمراكز نفوذ داخل النظام. وهذه الازدواجية لا تعكس تناقضا أخلاقيا فحسب، بل تكشف عن آلية حكم تقوم على احتكار السوق السوداء والسيطرة عليها بدلا من القضاء عليها.
وتشير المعطيات الواردة في التحقيق إلى أن منصات العملات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة تقنية لتبادل الأصول، بل أصبحت جسرا يربط الأموال المتأتية من أنشطة غير قانونية بالأسواق المالية العالمية، بما يتيح الالتفاف على القيود المصرفية والعقوبات المفروضة على طهران. كما أن ورود أسماء مؤسسات وشخصيات خاضعة للعقوبات ضمن شبكة التحويلات يثير تساؤلات جدية بشأن حجم الاقتصاد الخفي الذي يديره النظام بعيدا عن الأطر المالية التقليدية.
والأخطر من ذلك أن هذه الشبكات، وفق ما عرضه التحقيق، واصلت نشاطها حتى خلال فترات التصعيد العسكري، بما يعكس أن البنية المالية الموازية أصبحت جزءا أساسيا من استراتيجية النظام في مواجهة الضغوط الخارجية، وليس مجرد نشاط عابر فرضته العقوبات.
ولا يقتصر أثر هذه الشبكات على الجانب المالي، بل يمتد إلى تقويض الثقة بالنظام القانوني نفسه. فحين تحظر أنشطة معينة رسميا بينما تستغل في الخفاء لتحقيق أرباح هائلة من قبل جهات نافذة، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع هي أن القانون لا يطبق على الجميع، وإنما يستخدم أداة للسيطرة والاحتكار.

إن ما كشفته رويترز لا يسلط الضوء على قضية غسل أموال أو تهرب من العقوبات فحسب، بل يطرح صورة أوسع عن طبيعة النظام الاقتصادي الذي نشأ في إيران، حيث تتداخل السياسة والأمن والاقتصاد في شبكة واحدة، يصبح فيها النشاط غير المشروع جزءا من آليات إدارة الدولة. ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تتعلق فقط بتشديد العقوبات، وإنما بكشف البنية التي تسمح بتحويل الاقتصاد الموازي إلى أحد أهم مصادر القوة والاستمرار للنظام.

الفقر والتضخم والفساد.. أسباب حقيقية وراء تصاعد غضب شعبي في إيران

موقع المجلس:
تكشف بيانات اقتصادية وبيئية وميدانية صادرة عن مؤسسات إيرانية وتقارير دولية أن البلاد تسير بخطى حثيثة نحو انفجار اجتماعي واسع، لا بفعل عوامل خارجية، بل نتيجة عقود من التخريب البنيوي ونهب الثروات والفساد المالي الممنهج داخل مؤسسات نظام الولي الفقيه. فرغم امتلاك إيران ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم وثالث أكبر احتياطي نفط، تراجع الحد الأدنى للأجور إلى نحو 87 دولاراً شهرياً بحلول يوليو 2026، وهو ما أفرغ معيشة المواطنين من أي مقومات الاستقرار ووضع الشارع أمام احتمال الانفجار.

الفقر والتضخم والفساد.. أسباب حقيقية وراء تصاعد غضب شعبي في إيرانأرقام الإفقار: تضخم جامح وانهيار القدرة الشرائية
تُظهر البيانات الرسمية لمركز الإحصاء الإيراني عن شهر يوليو 2026 حجم التدهور الذي يعيشه المواطنون، إذ سجّلت الأسعار ارتفاعاً سنوياً بلغ 87.9%، فيما بلغ معدل التضخم التراكمي السنوي 66%:

ارتفاع حاد في أسعار الغذاء: قفزت أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 129% سنوياً، مع ارتفاع أسعار الزيوت والدهون بنسبة 278%، واللحوم الحمراء والبيضاء بنسبة 178%، ومنتجات الألبان والبيض بنسبة 152%، والخبز والحبوب بنسبة 139%.
الفئات الفقيرة الأكثر تضرراً: أظهر تحليل البيانات أن معدل التضخم بالنسبة للشرائح الأكثر فقراً تجاوز 100%، مقارنة بـ85% لدى الشرائح الأكثر ثراءً، بينما تخطى معدل التضخم في الأرياف حاجز 100% أيضاً.
فجوة الأجور والعملة: لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور المحدد بـ166.3 مليون ريال إيراني ثلث أو ربع قيمة سلة المعيشة الأساسية البالغة 42.9 مليون تومان، وخط الفقر في طهران المقدر بـ60 مليون تومان. في المقابل، انهار سعر صرف الريال الإيراني ليسجل رقماً قياسياً بلغ 1.92 مليون ريال مقابل الدولار الواحد في يوليو 2026، بما يعني خسارة تفوق 96% من قيمته.

الفقر والتضخم والفساد.. أسباب حقيقية وراء تصاعد غضب شعبي في إيران
اقتصادي إيراني يحذر: الأوضاع الاقتصادية «بالغة السوء» وارتفاع سعر الصرف قد يدفع البلاد نحو التضخم المفرط
حذر الخبير والاقتصادي الإيراني حسين راغفر من التدهور المتواصل للأوضاع الاقتصادية في البلاد، مؤكداً أن الاستمرار في القرارات الحكومية الخاطئة، وخاصة الرفع المتواصل لسعر الصرف، قد يدفع إيران نحو مرحلة التضخم المفرط. وأوضح راغفر، تعليقاً على تصريحات مسعود نيلي، أن أسعار العديد من السلع ارتفعت بأكثر من 100%، مما يعكس تفاقم الأزمة المعيشية المستشرية في ظل الفشل الاقتصادي لنظام الولي الفقيه.

حسين راغفر | الاقتصاد الإيراني | التضخم المفرط | سعر الصرف | الولي الفقيه | أغسطس 2026
اقتصادي إيراني يحذر من التضخم المفرط وتدهور الأوضاع
وتتجنب السلطات الاعتراف بالسبب الحقيقي لهذا التدهور، متذرعة بالعقوبات الدولية، في حين تشير المعطيات الميدانية إلى أن القطاع الخاص الفعلي لا يشكل سوى 14.5% من الاقتصاد الإيراني، بينما تستحوذ المؤسسات المرتبطة بالولي الفقيه وأذرع الحرس على الحصة الأكبر من موارد البلاد.

فساد خلف قناع الرقابة الأخلاقية: تعدين العملات الرقمية وشبكات المراهنات
تكشف تحقيقات مالية عن تناقض صارخ في سلوك المؤسسات الحاكمة، ففيما يخضع المواطنون لقمع باسم الشعارات الدينية، تُدار عمليات مالية غير مشروعة بمليارات الدولارات لصالح الأجهزة الأمنية:

منصة شيلبيت وشبكات المراهنات: كشف تحقيق صحفي أن منصة غير مرخصة تعمل من دبي عالجت أكثر من 4 مليارات دولار منذ مايو 2024، وكان أبرز عملائها شبكة مراهنات ناطقة بالفارسية تضم نحو 2000 موقع إلكتروني، إلى جانب تحويل 125 مليون دولار مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني ومحافظ رقمية تابعة لحرس النظام.
استنزاف شبكة الكهرباء: تستهلك مزارع تعدين العملات المشفرة المرتبطة بالنظام نحو 2000 ميغاواط من الكهرباء، وهو ما يوازي إنتاج مفاعلين نوويين في بوشهر، ويمثل خُمس عجز الطاقة الوطني. وتسبب هذا الاستنزاف، الذي تتركز مصادره في مناطق اقتصادية خاصة ومنشآت تابعة للحرس، في انقطاعات كهربائية متكررة طالت المدن والمرافق الحكومية.
جفاف المياه وانهيار الأراضي: 600 سد وأزمة بيئية مستفحلة
تسببت سياسات هندسية عشوائية نفذها الذراع الإنشائية لحرس النظام (مقر خاتم الأنبياء) في أزمة بيئية بالغة الخطورة يصعب تداركها:

أزمة السدود والآبار: ارتفع عدد السدود الكبرى من 12 سداً قبل عام 1979 إلى ما يزيد على 600 سد حالياً، ما أدى إلى جفاف 500 من أصل 609 أحواض مائية في إيران، وتراجع حاد في منسوب المياه الجوفية.
انخساف التربة وتضرر التراث: تسجل مناطق مثل رفسنجان معدلات انخساف أرضي تصل إلى 340 ملم سنوياً، وجنوب غرب طهران 130 ملم سنوياً، وهو ما تسبب في ظهور شروخ خطيرة في مسجد إصفهان الجامع وميدان نقش جهان التاريخي.
نزوح القرى: أُخليت أكثر من 31 ألف قرية من أصل 69 ألف قرية إيرانية، ويعاني أكثر من 10 ملايين مواطن في 27 ألف قرية من أزمة مياه حادة، في حين توقف نهر زاينده رود عن الجريان الدائم منذ عام 2006.
وتترافق هذه الأزمة البيئية مع مصادرة واسعة للأراضي الزراعية والعقارات تنفذها هيئة ستاد التابعة للولي الفقيه، إلى جانب مؤسسات الحرس، في محافظة خوزستان وعدد من المحافظات الأخرى.

تهريب رؤوس الأموال ونزيف الكفاءات: نخبة تصفّي أصولها
يعكس سلوك النخبة الحاكمة انعدام ثقتها بمستقبل النظام؛ إذ سجّل الحساب الرأسمالي الإيراني تدفقاً خارجياً بلغ نحو 27 مليار دولار خلال عام 2025 وحده، بالتوازي مع ارتفاع ديون الحكومة تجاه البنك المركزي بنسبة 68%، وتجاه المنظومة المصرفية بنسبة 41%.

وإلى جانب تصفية الأصول المالية، تشهد إيران معدلات قياسية من هجرة الشباب والكفاءات، إذ يدرس نحو 130 ألف طالب إيراني في جامعات أجنبية، ولا يعتزم أكثر من 90% منهم العودة إلى البلاد، ما تسبب في خسائر ناجمة عن هجرة العقول تجاوزت 200 مليار دولار وفق تقديرات غرفة تجارة طهران.

الفقر والتضخم والفساد.. أسباب حقيقية وراء تصاعد غضب شعبي في إيرانخط الفقر عند 70 مليون تومان: العمال في إيران على شفير انفجار اجتماعي وشيك
يواجه ملايين العمال في إيران ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة إثر تدهور القيمة الشرائية للعملة الوطنية وتجاوز التضخم حاجز 100% في المحافظات الصناعية، مع ارتفاع خط الفقر بالمدن الرئيسية إلى 70 مليون تومان شهرياً. وأمام القمع المنهجي وتأخر صرف الأجور وعجز حكومة مسعود بزشكيان ونظام الولي الفقيه عن تقديم الحلول، يحذر النشطاء النقابيون من انفجار اجتماعي وشيك للطبقة العاملة.

خط الفقر | حقوق العمال | التضخم | مسعود بزشكيان | الولي الفقيه | يوليو 2026
خط الفقر عند 70 مليون تومان والعمال في إيران
من التراجع إلى الانفجار: سيكولوجية السقوط وحتمية التغيير
تشير دراسات اجتماعية إلى أن الأزمة الحالية في إيران تجاوزت حدود الفقر المزمن لتدخل مرحلة التدهور المعيشي المفاجئ، وهي الحالة التي تُعد المحرك الرئيسي للثورات، إذ يتفجر الغضب الشعبي حين يفقد المواطنون مستوى معيشتهم المستقر لصالح طبقة حاكمة فاسدة.

اتساع رقعة الاحتجاجات: سجّل شهر يوليو 2026 وقوع 158 تحركاً احتجاجياً منفصلاً، مقابل 135 تحركاً في يونيو، شملت العمال والمتقاعدين والطلاب والكوادر الطبية والمزارعين.
إغلاق أفق الإصلاح: أدى لجوء السلطة إلى العنف المفرط، ومحاولات توريث السلطة داخل عائلة الولي الفقيه، إلى إغلاق كل مسارات الحلول الترقيعية، ولم يترك أمام المجتمع الإيراني سوى خيار المواجهة.
تؤكد المؤشرات الاقتصادية والبيئية والميدانية مجتمعة أن نظام الولي الفقيه في إيران يواجه أزمة وجودية لا مفر منها. فقد حوّل نهب الثروات وتجويع المواطنين وتدمير البيئة الشارع الإيراني إلى ساحة غضب مفتوحة. وبين تراكم الفقر والتضخم ذي الأرقام الثلاثية، وتصاعد نشاط وحدات المقاومة والقوى العاملة، يبدو الانفجار الاجتماعي في إيران مسألة وقت لا أكثر، وينذر بقرب نهاية الاستبداد الحاکم.

أزمة وجودية تمس أسس نظام ولاية الفقيه وآليات استمراره. والسلام… حبل المشنقة لنظام

السیدة مریم رجوي في البرلمان الایطالي-

موقع المجلس:
في كلمة ألقتها السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، أمام البرلمان الإيطالي يوم الخميس 16 يوليو/تموز 2026، تناولت طبيعة الأزمة التي يواجهها نظام ولاية الفقيه، معتبرة أنها ليست أزمة سياسية عابرة أو خلافاً حول الحرب والمفاوضات، بل أزمة وجودية تمس أسس النظام وآليات استمراره.

وأوضحت أن النظام، رغم الضغوط والتحديات التي واجهها، لم يغيّر ركائزه الأساسية المتمثلة في قمع الداخل، والسعي إلى تطوير البرنامج النووي، وتوسيع النفوذ الإقليمي عبر الحروب والأنشطة التي تصفها المعارضة بالإرهابية. ورأت أن هذه العناصر تشكل منظومة مترابطة يعتمد عليها النظام لضمان بقائه، وليست مجرد سياسات قابلة للتعديل أو التراجع.

وفي هذا الإطار، أشارت إلى أن المواقف التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة كشفت استمرار الخلافات داخل مؤسسات الحكم، إذ سارع المرشد الإيراني إلى الإشارة إلى أنه كان يحمل موقفاً مختلفاً من حيث المبدأ، وهو ما اعتبرته دليلاً على أن الاتفاق لم يعالج الأزمة الداخلية، بل أظهر عمق الانقسامات القائمة. واستشهدت في هذا السياق بقول مسعود رجوي إن “هذا النظام لا مستقبل له ولا فرصة للبقاء من دون الحرب”.

وانطلاقاً من هذا التصور، رأت رجوي أن السلام يمثل تهديداً مباشراً للنظام، لأنه يسلبه الذرائع التي استخدمها لعقود لتبرير القمع الداخلي وتعبئة أجهزته الأمنية والعسكرية، ويعيد تركيز الأنظار على الأزمات الداخلية، وفي مقدمتها التدهور الاقتصادي، واتساع حالة السخط الشعبي، وتصاعد نشاط المعارضة داخل البلاد.

كما انتقدت السياسات الغربية التي اعتمدت، على مدى عقود، على الحوار والانفتاح الاقتصادي باعتبارهما وسيلة لتغيير سلوك النظام، معتبرة أن هذه المقاربة لم تحقق النتائج المرجوة، بل وفرت للنظام إمكانات إضافية استُخدمت، بحسب رأيها، في تعزيز برامجه العسكرية والنووية وتوسيع نفوذه الإقليمي، بدلاً من تحسين الأوضاع المعيشية للإيرانيين.

وأكدت أن التخلي عن القمع أو البرنامج النووي أو السياسات الإقليمية لا يمثل بالنسبة للنظام مجرد تعديل في توجهاته، وإنما يشكل تهديداً مباشراً لبنيته السياسية، مشيرة إلى تصريحات لمسؤولين إيرانيين تفيد بأن أي تراجع قد يفتح الباب أمام تنازلات أوسع يصعب التحكم في حدودها.

ورأت رجوي أن أي مقاربة دولية للأزمة الإيرانية ينبغي أن تنطلق من فهم هذه المعطيات، معتبرة أن النظام يتحرك بدافع الخوف من الداخل أكثر من تحركه من موقع القوة، في ظل تزايد الاحتقان الشعبي، واستمرار التباينات داخل مؤسسات الحكم بشأن كيفية التعامل مع التحديات الراهنة.

وفي هذا السياق، شددت على أن بقاء النظام بعد الحرب لا يعني بالضرورة أنه أصبح أكثر قوة، بل إن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحسب تقديرها، ازدادت حدة، مع استمرار التضخم والبطالة واتساع رقعة الفقر، إلى جانب تصاعد الخلافات داخل هرم السلطة.

كما أشارت إلى أن مجتبى خامنئي لا يمتلك، وفق رؤيتها، النفوذ السياسي والديني الذي كان يتمتع به والده، الأمر الذي ينعكس على قدرة القيادة الحالية في إدارة التوازنات الداخلية، في وقت يشهد فيه المجتمع الإيراني تنامياً في الاحتجاجات وظهور جيل جديد من الشباب شارك في الانتفاضات الأخيرة إلى جانب وحدات المقاومة.

وأكدت أن التغيير في إيران، من وجهة نظرها، لن يتحقق عبر تدخلات خارجية أو انتظار انهيار النظام تلقائياً، وإنما من خلال تفاعل الحراك الشعبي مع قوى المعارضة المنظمة ووحدات المقاومة.

وأضافت أن تجاهل المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأوروبية، للمعارضة الإيرانية المنظمة حرمها من الاستفادة من طرف تعتبره قادراً على إحداث تغيير سياسي منظم، داعية إلى إعادة النظر في السياسات التي تراهن على إصلاح النظام من الداخل.

واختتمت رجوي كلمتها بالتأكيد على أن تحقيق السلام والاستقرار الدائم في المنطقة، وفق رؤيتها، يرتبط بمعالجة الأسباب التي أدت إلى استمرار التوترات، وفي مقدمتها سياسات النظام الإيراني، مشيرة إلى أن مستقبل إيران ينبغي أن يقوم على نظام ديمقراطي يستند إلى سيادة الشعب، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة، واحترام حقوق الإنسان، مؤكدة أن تحقيق هذا الهدف يبقى مسؤولية الشعب الإيراني وقواه المعارضة.