اليوم الثامن- اليمن – د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي:
سقطة الدبلوماسية القضائية: شهادة مارك ترويديك وتوظيف ملفات الإرهاب لخدمة صفقات الطاقة مع طهران
مقايضة المبادئ بالمصالح: الخلفيات السياسية لاستهداف المعارضة الإيرانية
في شهادة تاريخية بالغة الأهمية كشف عنها القاضي الفرنسي البارز مارك ترويديك خلال مؤتمر “العدالة في مواجهة تحدي الإرهاب” في مدينة نانت، جرى تسليط الضوء على الكواليس الخفية لعمليات مكافحة الإرهاب وتوظيفها سياسياً خلال مطلع الألفية. فقد أوضح ترويديك — الذي تولى مهام رفيعة في محكمة الاستئناف في فرساي ونيابة مكافحة الإرهاب في باريس —أن الحملة الأمنية الواسعة التي استهدفت مقر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في أوفير سور أواز عام 2003 لم تكن سوى ثمرة لصفقة سياسية وتجارية مع طهران. وفي تلك الفترة، سعت فرنسا لإبرام عقود مربحة في قطاعي النفط والغاز، فاستجابت باريس للشرط الإيراني القاضي بملاحقة المعارضة، في انحراف خطير عن معايير العدالة واستقلال القضاء.
وتعكس هذه الشهادة طبيعة التجاذبات التي تخضع لها الملفات الأمنية الحساسة، حيث تتحول المفاهيم القانونية أحياناً إلى ورقة مساومة دبلوماسية. إن إقحام الأجهزة الأمنية في صفقات اقتصادية أدى إلى تشويه المعايير الموضوعية لتعريف الجريمة، ليجد اللاجئون السياسيون أنفسهم في مهب الرياح السياسية، ضحية لمصالح عابرة تتجاهل المبادئ الإنسانية والحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية.
تسييس القوائم وتهافت المعايير المزدوجة في مكافحة الإرهاب
تطرقت شهادة ترويديك بجرأة نقدية نادرة إلى آلية إدراج المنظمات على قوائم الإرهاب الدولية، مؤكدة أنها خاضعة لاعتبارات سياسية بحتة تفتقر إلى الثبات والاستقرار القانوني. وأشار القاضي الفرنسي إلى أن القوى السياسية تصدر قراراتها وفقاً لمستويات التقارب أو التباعد الدبلوماسي مع الأنظمة، مدللاً على ذلك بتغير تصنيفات قوى وشخصيات عدة عبر الزمن تبعاً لمصالح اللحظة. في المقابل، يلتزم القضاء المستقل بدراسة الوقائع المادية المجردة بعيداً عن ضغوط الحكومات وأروقة الدبلوماسية.
هذا التناقض بين الاعتبارات السياسية السريعة واليقين القانوني الصارم يضع المؤسسات القضائية أمام معضلة كبرى. فالقوائم المسيسة تفقد مصداقيتها بتبدل التحالفات، مما يجرد مفهوم مكافحة الإرهاب من مضمونه الحققيقي ليتحول إلى أداة ضغط استراتيجية لا أداة لتحقيق العدالة الكونية. وقد تجلى ذلك بوضوح في تقلبات الموقف الأوروبي تجاه العديد من الملفات الإقليمية والدولية الحساسة على مدار العقود الماضية.
شرعية المقاومة وحق الشعوب في إسقاط الاستبداد
مثّل القرار القضائي التاريخي الذي أصدره ترويديك عام 2011 — والقاضي بإسقاط تهم الإرهاب وتبرئة المعارضة الإيرانية استناداً إلى المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان والمواطن — نقطة تحول قانونية وفلسفية عميقة. فقد رسخ هذا المبدأ أن حق مقاومة القمع والاضطهاد يعد حقاً أصيلاً يعلو على القوانين الوضعية والمصالح الدبلوماسية العابرة. واستند القرار إلى إدراك موضوعي لطبيعة الصراع في إيران، حيث تواجه الشعوب نظاماً استبدادياً يمارس القمع الممنهج، مما يضفي الشرعية على التحركات الرامية إلى تفكيك منظومة الاستبداد واستعادة حرية القرار الوطني.
تؤكد هذه المقاربة القانونية أن إسقاط الأنظمة الديكتاتورية عبر النضال الميداني والمقاومة المنظمة يندرج ضمن الحقوق الطبيعية للشعوب المقهورة. وعندما تتخلى الديمقراطيات الغربية عن مبادئها سعياً خلف صفقات الطاقة، يبرز دور القضاة الأحرار في إعادة تصحيح البوصلة القانونية وحماية الأفراد من بطش الاتفاقيات السرية والتواطؤ السياسي.
استعادة استقلال العدالة ودروس التاريخ الجيوسياسي
تقدم شهادة مارك ترويديك درساً بليغاً في ضرورة حماية النظم القضائية من الهيمنة السياسية، وتؤكد أن الانصياع لابتزاز الأنظمة القمعية لا يحقق استقراراً طويل الأمد، بل يقوض مصداقية الدول الديمقراطية. إن تفكيك شبكات القمع والتعامل مع الملف الإيراني يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز المصالح التجارية الضيقة، وتنحاز بثبات إلى جانب حقوق الإنسان وقيم الحرية والعدالة الاجتماعية.
خلاصة تحليلية: تُبرز شهادة القاضي الفرنسي كيف أن المصالح الاقتصادية المؤقتة كادت أن تضحي بعدالة التاريخ، غير أن صمود المبادئ القانونية أثبت أن مقاومة الاستبداد حق لا يسقط بالتقادم ولا تلغيه الصفقات الدبلوماسية.
د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








