الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
حين يبدأ السجناء إضرابا عن الطعام في 64 سجنا في وقت واحد، فالمسألة لم تعد احتجاجا داخل الزنازين. وحين يستمر هذا الاحتجاج للأسبوع التاسع والثلاثين بعد المئة، فإن الجدران التي أرادتها السلطة فاصلا بين السجين والعالم تتحول إلى مكبر صوت.
من إيفين وقزل حصار إلى زاهدان والأهواز، ومن تبريز وأورمية ومهاباد إلى سنندج ومريوان وبانه، يتسع إضراب حملة “ثلاثاء لا للإعدام”. وفي 22 سبتمبر/أيلول، أعلنت الحملة انضمام سجني بندر عباس وضيابر في صومعة سرا، لترتفع، وفق بيانها، خريطة السجون المشاركة إلى 64 سجنا.
إنه مشهد يصعب على السلطة أن تخفيه خلف أبواب السجون.
فالمشنقة التي تريدها السلطة أداة لترهيب المجتمع تحولت إلى سبب إضافي للاحتجاج. وعقوبة الموت التي يفترض أن تسكت المعترضين باتت تنتج مزيداً من الأصوات. أما السجين الذي جرد من حريته، فلم يبق له سوى جسده ليقول: لن أقبل بأن يتحول الموت إلى سياسة حكم.
وتقول الحملة إن عدد الإعدامات منذ بداية العام بلغ 448 حالة على الأقل حتى 22 سبتمبر. وهذا رقم صادر عن الحملة ومصادرها، لكنه يضع العالم أمام سؤال لا يمكن دفنه في البيانات الدبلوماسية: ماذا يعني أن تصبح المشانق بهذه الكثافة جزءا من المشهد الإيراني؟
المسألة هنا ليست رقما.
كل رقم وراءه إنسان.
كل مشنقة وراءها عائلة.
وكل عملية إعدام تفتح سؤالا عن المحاكمة والعدالة والحق في الحياة.
وفي هذا السياق، أشارت الحملة إلى إعدام رضوان أصغرزاده، البالغة 45 عاما، والأم لستة أطفال، في سجن دستكرد بأصفهان في قضية مرتبطة بالمخدرات. وبصرف النظر عن الموقف من عقوبة الإعدام في قضايا المخدرات، فإن استخدام الإعدام في حد ذاته يضع النظام الإيراني أمام أسئلة متصاعدة حول الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة.
لكن المشكلة الأكثر عمقا لا تكمن فقط في عدد الذين أعدموا.
المشكلة في من يعتقد أن بإمكانه قتل الإنسان ثم قتل الحقيقة معه.
وهنا تأتي أهمية تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في 16 سبتمبر/أيلول. فالمنظمة وثقت، في تحقيقها بشأن قمع احتجاجات 2022، جرائم قالت إنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وحددت 87 مسؤولا إيرانيا قالت إن أدوارهم ينبغي أن تخضع للتحقيقات الجنائية، ودعت إلى إنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية.
أي أن القضية لم تعد مجرد مواجهة بين سلطة ومعارضين.
إنها قضية مساءلة.
وهذه هي الكلمة التي تخشاها منظومات الإفلات من العقاب أكثر من أي كلمة أخرى.
لأن السلطة تستطيع أن تغلق سجنا.
وتستطيع أن تمنع الصحافة.
وتستطيع أن تقطع الاتصالات.
وتستطيع أن تنصب مشنقة.
لكنها لا تستطيع، إلى ما لا نهاية، أن تمنع العالم من السؤال: من أمر؟ ومن نفذ؟ ومن حمى؟ ومن أفلت من العقاب؟
لهذا تحديدا يصبح إضراب السجناء عن الطعام فعلا سياسيا بالغ الدلالة. فالمضرب لا يملك دبابة ولا منبرا ولا صحيفة. لا يملك سوى جسده. وحين يقرر أن يضع ذلك الجسد في مواجهة الجوع والموت احتجاجا على المشنقة، فإنه يحول أضعف موقع يمكن أن يقف فيه الإنسان إلى أقوى رسالة يمكن أن يبعث بها.
السجين يقول للجلاد: تستطيع أن تسلبني حريتي، لكنك لن تجعلني شريكا في صمتك.
وتقول الزنازين للمجتمع الدولي: لا تبحثوا فقط عن ملفات المفاوضات والعقوبات والاتفاقات؛ انظروا أيضا إلى الذين ينتظرون مصيرهم خلف الأبواب الحديدية.
وهنا تحديدا ينبغي أن تتوقف سياسة التعامل مع الإعدامات باعتبارها ملفا ثانويا يمكن تأجيله لحسابات سياسية أخرى.
لا توجد مساومة تجعل حبل المشنقة أقل فتكا.
ولا توجد صفقة تجعل إعدام إنسان أقل مأساوية.
ولا يمكن لورقة دبلوماسية أن تمحو اسم أم أعدمت من ذاكرة أطفالها.
والأخطر أن الصمت الدولي، حين لا يتبعه تحقيق ومحاسبة، يمكن أن يقرأ داخل منظومة القمع باعتباره مساحة إضافية لمواصلة السياسة ذاتها.
لذلك فإن معركة “ثلاثاء لا للإعدام” لا تجري فقط بين السجين والسجان. إنها، في جوهرها، معركة على معنى الحق في الحياة وعلى حدود سلطة الدولة في استخدام الموت أداة للسيطرة.
139 أسبوعا من الإضراب ليست تفصيلا عابرا.
و64 سجنا ليست حادثة محلية.
و448 إعداما، وفق أرقام الحملة، ليست مجرد خانة في تقرير.
إنها إشارات متراكمة إلى مجتمع تقول شرائح منه، من داخل السجون وخارجها، إن الخوف لا يمكن أن يكون أساسا دائما للحكم.
لقد أرادت السلطة أن تجعل من السجن نهاية الطريق.
لكن السجناء جعلوا منه بداية الرسالة.
وأرادت أن تجعل من المشنقة خاتمة الاحتجاج.
فجاء الإضراب ليقول إن المشنقة نفسها أصبحت موضوع الاحتجاج.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي ألا يغفلها العالم: كلما حاولت السلطة إسكات السجين بالموت، عاد صوته من خلف القضبان أعلى.
إنها ليست معركة يوم الثلاثاء فقط.
إنها معركة ضد تحويل الإعدام إلى لغة دولة.
ومعركة ضد تحويل الإفلات من العقاب إلى قاعدة.
ومعركة من أجل أن يبقى الإنسان، حتى وهو خلف القضبان، إنسانا لا رقما ينتظر دوره على حبل المشنقة.
64 سجنا تقول شيئا واحدا: يمكن إغلاق أبواب الزنازين، لكن لا يمكن إغلاق قضية العدالة معها.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








