مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارفشل النظام الإيراني في ترسيخ سلطة مجتبى خامنئي

فشل النظام الإيراني في ترسيخ سلطة مجتبى خامنئي

موقع المجلس:
لم تقتصر مراسم نقل جثمان علي خامنئي من طهران إلى قم، ثم نقله إلى العراق ودفنه اخیراً في مدینة مشهد، على كونها مراسم تشييع اعتيادية، بل تحولت إلى عملية سياسية وإعلامية واسعة النطاق، تُعد من أكبر الحملات التي نظمها النظام الإيراني منذ قيامه. فقد جرى تسخير مختلف الأجهزة العسكرية والأمنية والإعلامية، ورُصدت لها ميزانيات ضخمة، كما تعطلت مؤسسات الدولة والدوائر الرسمية، في وقت حشدت فيه قوات الحرس والباسيج وأجهزة الاستخبارات وعائلاتهم، إلى جانب عناصر الميليشيات المرتبطة بطهران من خارج البلاد، بهدف الإيحاء بأن نظام ولاية الفقيه لا يزال متماسكاً وقادراً على تجاوز أخطر منعطف في تاريخه.

غير أن السؤال المطروح بعد انتهاء هذه المراسم يبقى: هل نجح النظام فعلاً في تحقيق ما أراده من هذا الاستعراض؟

في الواقع، لم يكن الهدف الحقيقي من هذه المراسم يقتصر على تشييع علي خامنئي، بل تمحور حول إدارة مرحلة ما بعد رحيله وضمان استمرار النظام الذي ارتبط بشخصه لأكثر من ثلاثين عاماً. وانطلقت الخطة من ثلاثة أهداف رئيسية.

الهدف الأول تمثل في التأكيد على أن وفاة خامنئي لم تُحدث تصدعاً في بنية النظام، وأن مؤسساته لا تزال قادرة على الحفاظ على تماسكها.

أما الهدف الثاني، فكان ترسيخ موقع مجتبى خامنئي بوصفه الولي الفقيه الجديد، ليس فقط أمام الرأي العام، وإنما أيضاً داخل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية ومراكز القرار، فضلاً عن السعي إلى كسب قبول الحوزات الدينية والمرجعيات التي لم تعلن حتى الآن تأييدها له بصورة واضحة.

في حين تمثل الهدف الثالث في توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن انتقال السلطة تم بصورة منظمة، وأن النظام ما زال يتمتع بالاستقرار والقدرة على إدارة شؤونه، بما يعزز موقفه في أي مفاوضات أو مواجهات مستقبلية مع الولايات المتحدة والدول الغربية.

ولهذا ركزت الحملة الإعلامية على إبراز صور الحشود الجماهيرية، حتى وصل الأمر بوكالة «تسنيم» إلى الادعاء بأن عدد المشاركين في مراسم التشييع بلغ 42 مليون شخص، وهو رقم يفتقر إلى أي سند واقعي أو ديموغرافي.

لكن الإشكال الحقيقي لم يكن في حجم الأرقام المعلنة، بل في الرسالة التي حملتها الصورة نفسها.

فالشخص الذي كان يفترض أن يتصدر المشهد، وهو مجتبى خامنئي، غاب تماماً عن أبرز حدث شهده النظام منذ وفاة والده. وكان من المتوقع أن تتحول مراسم التشييع إلى إعلان عملي عن انتقال السلطة، إلا أن هذا الغياب أضعف الرسالة التي سعت السلطة إلى إيصالها، وأثار تساؤلات حول موقعه الحقيقي.

فمهما بلغت قوة الآلة الدعائية، فإنها لا تستطيع أن تعوض غياب الشخصية التي يُفترض أنها أصبحت في قمة هرم السلطة.

ويستند نظام ولاية الفقيه في جوهره إلى مركزية شخص الولي الفقيه أكثر من اعتماده على المؤسسات. فقد كان كل من الخميني وعلي خامنئي يتوليان شخصياً إدارة الأزمات، وحسم الخلافات، ورسم السياسات الكبرى. أما اليوم، فإن ابتعاد مجتبى خامنئي عن الواجهة يثير علامات استفهام حتى داخل مؤسسات النظام بشأن قدرته على أداء هذا الدور.

ومن ثم، فإن أبرز ما كشفت عنه مراسم التشييع لم يكن حجم المشاركة، بل الفراغ السياسي الذي ظهر نتيجة غياب الشخصية المرشحة لقيادة النظام.

وفي المقابل، لم تصمد الرواية الرسمية المتعلقة بالأعداد المليونية أمام التقارير المستقلة. فقد شككت وسائل إعلام دولية عديدة في الأرقام التي أعلنها النظام، بينما أشارت وكالة الصحافة الفرنسية، في تقرير للتحقق من الحقائق، إلى أن بعض الصور التي استُخدمت لإظهار كثافة الحشود جرى إنتاجها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما قدرت وكالة أسوشيتد برس عدد المشاركين في مراسم طهران بنحو مائة ألف شخص، وهو تقدير يبتعد كثيراً عن الأرقام التي روجت لها السلطات.

وتعكس هذه المعطيات أن المشكلة الأساسية لم تكن في عدد المشاركين، وإنما في أزمة الشرعية التي يعانيها النظام، وهي أزمة لا يمكن معالجتها عبر الحملات الإعلامية أو تقنيات الإخراج البصري.

إلى جانب ذلك، لم تحقق هذه المناسبة الهدف المعلن بتوحيد صفوف السلطة، بل كشفت حجم التباينات داخلها. فقد برزت خلال أيام التشييع مؤشرات على استمرار الخلافات بين مراكز القوى، كما لوحظ غياب عدد من الشخصيات البارزة من عائلة خامنئي ومن المسؤولين السابقين، الأمر الذي عزز الانطباع بأن ملف الخلافة ما زال مفتوحاً ولم يُحسم بصورة نهائية.

أما بالنسبة للمواطنين الإيرانيين، الذين يعيش أكثر من سبعين مليوناً منهم تحت خط الفقر، فقد بدت هذه المراسم أقرب إلى استعراض سياسي مكلف منه إلى مناسبة وطنية، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، وإنفاق مليارات التومانات على فعالية هدفت بالدرجة الأولى إلى إعادة ترميم صورة النظام.

وبذلك، يمكن القول إن السلطة نجحت مؤقتاً في إدارة انتقال الحكم خلال ظروف استثنائية، لكنها لم تتمكن من تحويل هذه المرحلة إلى مصدر جديد للشرعية. بل إن مراسم التشييع نفسها سلطت الضوء على هشاشة البنية السياسية، وصعوبة بروز القيادة الجديدة بثقة، واتساع الفجوة بين النظام والمجتمع.

لقد انتهت مراسم دفن علي خامنئي، إلا أن التحديات الحقيقية بدأت بعد انتهاء الدفن.

فمجتبى خامنئي يواجه اليوم واقعاً يختلف جذرياً عن الظروف التي واجهها والده عام 1989؛ إذ يتولى قيادة نظام يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وسياسية خانقة، ويشهد انقسامات داخلية عميقة، ويواجه ضغوطاً إقليمية ودولية متزايدة، إلى جانب مجتمع تتصاعد فيه حالة السخط الشعبي.

ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى اختبار لقدرة النظام على الاستمرار، أكثر من كونها مرحلة لترسيخ السلطة.

وعليه، فإن ما أعقب دفن علي خامنئي لا يمثل نهاية أزمة الخلافة، بل بداية فصل جديد منها، قد يقود إيران إلى مرحلة أشد اضطراباً، تتداخل فيها التحديات الداخلية مع الضغوط الخارجية، في وقت تتراجع فيه قدرة النظام على كسب الوقت وتأجيل استحقاقات أزماته كما اعتاد خلال العقود الماضية.