بحزاني – منى سالم الجبوري:
مع بدء تنفيذ مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، وما يرافقها من حديث عن تخفيف للعقوبات، وزيادة في صادرات النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، قد توحي المؤشرات الاقتصادية الأولية بأن النظام حصل على متنفس يحتاج إليه بشدة بعد سنوات من الضغوط والعزلة. إلا أن التجربة الممتدة منذ قيام ولاية الفقيه تثبت أن المشكلة لم تكن يوما في قلة الموارد، وإنما في الكيفية التي تدار بها الدولة. فكل مورد إضافي حصل عليه النظام في السابق لم ينعكس إصلاحا اقتصاديا أو انفتاحا سياسيا، بل صب في تعزيز القبضة الأمنية، وتمويل المشاريع العسكرية، ومواصلة السياسات التي أوصلت البلاد إلى أزماتها الراهنة.
ومن هذا المنطلق، جاءت تصريحات السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، لتؤكد أن النظام لن يتخلى عن أعمدة بقائه المتمثلة في المشروع النووي، والبرنامج الصاروخي، وشبكة الميليشيات التابعة له، وأن الدفع بمجتبى خامنئي إلى الواجهة لا يعني سوى استمرار النهج ذاته الذي حكم إيران طوال العقود الماضية، واستعداد السلطة للذهاب إلى أبعد الحدود حفاظا على بقائها.
لهذا لا يتعامل النظام مع التفاهمات الأخيرة باعتبارها مدخلا لتغيير سياساته، وإنما كوسيلة لشراء الوقت، وإعادة بناء قدراته الأمنية والعسكرية، وتوفير سيولة مالية تساعده على تجاوز أزماته الداخلية. وفي الوقت نفسه، يسعى إلى تصوير ما جرى على أنه انتصار سياسي، أملا في استعادة شيء من الثقة داخل قواعده، وإقناع الرأي العام بأن سياسة المواجهة أثمرت مكاسب ملموسة.
لكن خلف هذا المشهد الدعائي تتفاقم الخلافات داخل أجنحة السلطة. فهناك من يزعم أن التفاهم جاء نتيجة التشدد والإصرار على البرنامج النووي، في حين يرى آخرون أن الوصول إليه لم يكن ممكنا إلا بعد تقديم تنازلات والقبول بالتفاوض. وبين هذين الاتجاهين تبدو مرحلة ما بعد خامنئي أكثر تعقيدا، مع تصاعد المنافسة داخل هرم السلطة وتزايد مؤشرات الهشاشة السياسية.
أما خارجيا، فما زالت أسباب الخلاف بين طهران والمجتمع الدولي قائمة. فالمطالب المتعلقة بالبرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، تمس ركائز المشروع الذي يعتبره النظام أساس بقائه، الأمر الذي يجعل أي تفاهم معرضا للاهتزاز كلما اقترب من هذه الملفات الجوهرية.
وفي الداخل، لا تبدو الظروف أكثر استقرارا. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي فجرت انتفاضة يناير 2026 ما زالت قائمة، بل ازدادت حدة. والتضخم، والبطالة، واتساع دائرة الفقر، وانهيار القدرة الشرائية، كلها عوامل لم تعالجها التفاهمات الجديدة، ولا توجد مؤشرات على أن الأموال المتوقع الإفراج عنها ستخصص لتحسين معيشة المواطنين، في ظل استمرار أولوية الإنفاق على الأجهزة الأمنية والعسكرية.
بل إن أي تحسن اقتصادي محدود قد يرفع سقف تطلعات الإيرانيين، وعندما يكتشف المواطن أن أوضاعه لم تتغير، فإن خيبة الأمل قد تتحول إلى موجة احتجاج جديدة أشد اتساعا من سابقاتها.
وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن المجتمع الإيراني تجاوز مرحلة الخوف. فالإعدامات، والاعتقالات، والحملات الأمنية، لم توقف حركة الاحتجاج، كما واصلت وحدات المقاومة نشاطها رغم كل محاولات الاحتواء. وفي المقابل، تراجع تأثير المشاريع التي حاولت تقديم بدائل بعيدة عن المقاومة المنظمة، ما عزز القناعة لدى شرائح واسعة بأن التغيير لن يأتي إلا عبر نضال الشعب الإيراني نفسه.
لذلك، فإن ما يجري اليوم لا يغير طبيعة الأزمة، بل يؤجل انفجارها. فالنظام يسعى إلى كسب الوقت، بينما تتراكم عوامل التغيير بوتيرة متسارعة. وقد تؤخر التفاهمات موعد المواجهة، لكنها لن تعالج الأسباب التي جعلت النظام يعيش واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ تأسيسه. فالأزمة الحقيقية ليست أزمة عقوبات أو نقص في الموارد، وإنما أزمة نظام جعل من القمع والتوسع الخارجي وإدامة التوترات وسيلته الوحيدة للبقاء، وهي معادلة لم تعد قادرة على ضمان استمراره مهما تعددت الاتفاقات أو تبدلت الظروف.








