اشتباکات بالایدي داخل البرلمان الایراني-
تصدّع الرواية الرسمية لدى نظام الملالي
المركز الإعلامي السوري- د. مصطفى عبدالقادرأكاديمي وأستاذ جامعي:
تشهد المنظومة السياسية في إيران حالة من السيولة في الخطاب الإعلامي؛ سيولة تتجاوز في أبعادها حدود السجالات اليومية لتكشف عن أزمة بنيوية في السردية الرسمية.. فالمواجهة التي تدور في أروقة صنع القرار لم تعد محصورة في الملفات التقليدية كالاقتصاد أو السياسات الخارجية بل تمددت لتشمل “حرب الرواية” حول ماهية الدولة ومستقبلها في وقت تسعى فيه السلطة جاهدة لاحتواء تداعيات التصدعات الداخلية التي بدأت تطفو على سطح الإعلام الحكومي.
معضلة “الوحدة الوطنية” كمؤشر أزمة
يُعدّ البروز الطاغي لمصطلحات “الوحدة الوطنية” و”الانسجام الداخلي” في الصحف الإيرانية المقربة من السلطة مؤشراً سوسيولوجياً وسياسياً بليغاً.. ففي العلوم السياسية عادة ما يكون الاستدعاء المكثف لمفاهيم الوحدة انعكاساً لحالة من التشظي المؤسساتي؛ حيث تدرك دوائر الحكم أن الانقسامات لم تعد تقف عند حدود الفجوة بين المجتمع والسلطة بل اخترقت جدران مراكز القوى ذاتها.
إنّ تحول مفهوم أو مفاهيم ومضامين “الوحدة” إلى موضوع يومي في المنصات الرسمية يشير بوضوح إلى أن الدولة تعاني من فقدانٍ لمركزية القرار الإعلامي حيث أضحت المؤسسات الإعلامية ساحة لتصفية الحسابات السياسية وتبادل الرسائل المبطنة بين التيارات المتنافسة.
السيطرة على الخطاب.. من “البيان” إلى صراع التفسير
تجسدت ذروة هذا التخبط في الواقعة المثيرة للجدل المتعلقة بحذف أجزاء من رسائل الولي الفقيه خلال البث التلفزيوني.. ولم تكن هذه الحادثة مجرد خطأ تقني عابر بل قُرئت في أوساط مراكز الرصد كإشارة إلى صراع على ‘شرعية التأويل’؛ وهو ما يجسد حالة التنازع المؤسساتي حول من يملك حق هندسة الخطاب وتوجيه الرسائل السياسية العليا للداخل والخارج.
إن وجود تيارين متنازعين داخل مؤسسة “صداوسيما” (هيئة الإذاعة والتلفزيون) حول مهامها هل هي لسان حال الدولة أم منصة لتوجيه سياسي محدد!! ليعزز القناعة بأن الهيكل الإعلامي الرسمي يواجه أزمة هويّة مؤسساتية تجعل من الصعب عليه إقناع المتلقي برواية موحدة وسط واقع اجتماعي يتسم بالتشكيك المتزايد.
معركة الفضاء الرقمي وتآكل الاحتكار
تُعد قضية “الإنترنت الدولي” وقيود الوصول إليه الجبهة الأكثر حساسية في هذه المعركة.. وإنّ التشبث بسياسات الإغلاق الرقمي ليس مجرد إجراء أمني تقني بل هو محاولة بائسة للحفاظ على احتكار المعلومات وهي استراتيجية باتت تعاني من الوهن في ظل الانفتاح الرقمي العالمي.. ولقد أثبتت التقارير الميدانية المستقلة أن الفجوة بين ما تطرحه الرواية الرسمية حول “الاستقرار والتماسك” وبين واقع الأجيال الشابة رقمياً لتزداد اتساعاً.. وإن التنازع داخل السلطة بين دعاة الرقابة الصارمة وبين المنادين بانفتاح مدروس يعكس عدم قدرة النظام على إيجاد صيغة تعايش مع العصر الرقمي مما يزيد من عزلة الخطاب الرسمي عن واقع الحال وتطلعات القاعدة الشعبية.
التناقض بين الخطاب والواقع الاقتصادي
تحاول المؤسسة الإعلامية الرسمية حالياً هندسة سردية ما بعد الحرب؛ سردية تصوّر المرحلة كـ “عهد مختلف” خرجت فيه الدولة أكثر قوة.. غير أن هذا الخطاب يصطدم بوقائع اقتصادية واجتماعية ضاغطة ما يخلق حالة من التنافر المعرفي لدى المواطن الإيراني.
إنّ استمرار الجدل داخل أعمدة الصحف حول طبيعة المرحلة المقبلة وحدود التغيير ليؤكد أن السلطة عاجزة عن تقديم “عقد اجتماعي جديد” يربط بين سرديتها السياسية وبين الواقع الاقتصادي المأزوم مما يجعل من محاولات الترويج للقوة مجرد “مناورة إعلامية” لا تجد صدى في موازين الاستقرار الحقيقي أو حتى في أذهان المواطن العادي.
حرب الرواية كأداة بقاء
إنّ الحرب الإعلامية الدائرة اليوم في أروقة نظام الملالي الحاكم في إيران ليست مسألة ثانوية بل هي جوهر الصراع على شكل ومستقبل السلطة.. فكلما تعمقت الأزمات الهيكلية تزداد حاجة النظام إلى السيطرة على الرواية؛ لكن هذه السيطرة تظل رهينة بمدى قدرته على تجاوز انقساماته الداخلية.
إنّ “حكومة في الانتظار” (أي المقاومة الديمقراطية المنظمة) تجد في هذه الحالة من التفكك في الخطاب الرسمي فرصة استراتيجية لتسليط الضوء على فشل النموذج الإداري القائم مما يجعل من معركة الرواية في التحليل الأخير العامل الحاسم في تحديد مآلات المرحلة القادمة وتوازنات القوى داخل الدولة.
د. مصطفى عبدالقادرأكاديمي وأستاذ جامعي
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








