الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ما الذي يدفع سلطة سياسية إلى مطالبة مواطنيها بإبلاغ الأجهزة الأمنية قبل السفر إلى الخارج؟ وأي مفهوم للأمن القومي يجعل رحلة المواطن، أو لقاءاته خارج بلاده، موضع ريبة مسبقة؟ إن هذه الأسئلة تفرض نفسها في إيران بعد التصريحات التي أدلى بها النائب إسماعيل كوثري بشأن مشروع “مواجهة النفوذ”، والتي تضمنت مطالبة الراغبين في السفر بإخطار الجهات المعنية مسبقا، حتى لا يتعرضوا للمشكلات لاحقا. وقد نقلت وسائل إعلام إيرانية هذه التصريحات في أكتوبر 2026.
تقدم هذه الإجراءات عادة تحت عناوين براقة، من قبيل حماية الأمن القومي ومواجهة الاختراق الأجنبي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتسع مفهوم التهديد إلى درجة يصبح معها المواطن نفسه موضع اشتباه، لا لارتكابه فعلا غير قانوني، بل لمجرد رغبته في السفر أو التواصل مع العالم. عندئذ لا يعود الأمن حماية للمجتمع، بل يتحول إلى ذريعة لفرض الوصاية عليه.
لا أحد ينكر أن الدول تواجه مخاطر التجسس والتدخل الخارجي، وأن من حقها اتخاذ إجراءات قانونية لمواجهتها. غير أن الفارق كبير بين ملاحقة أفعال محددة استنادا إلى أدلة وإجراءات قضائية، وبين إخضاع حركة المواطنين لشبكة من الإخطارات والشكوك العامة. فالأمن الحقيقي لا يقوم على افتراض أن كل مواطن مشروع متهم، ولا على جعل الحرية امتيازا تمنحه السلطة لمن تثق به.
والأكثر إثارة للتساؤل أن مشروعا يقدم باعتباره وسيلة لمواجهة النفوذ الخارجي يمكن أن ينتهي إلى تحميل المواطنين العاديين عبء إثبات براءتهم مسبقا. فإذا كان الغرض حماية البلاد، فلماذا يصبح السفر في حد ذاته مناسبة للتحذير والاشتباه؟ ولماذا لا ينصب التركيز على الوقائع والأدلة، وعلى مساءلة المسؤولين عن الاختراقات الفعلية أينما حدثت، بدلا من توسيع دائرة الرقابة لتشمل المجتمع بأسره؟
لقد أوردت صحيفة “توسعه إيراني”، بحسب التقرير الذي بين أيدينا، انتقادا لمفارقة تستحق النقاش: إن إغلاق طريق المواطنين إلى العالم لا يعني بالضرورة إغلاق طريق النفوذ. وهي ملاحظة تصيب جوهر المشكلة؛ فالمجتمعات المنفتحة لا تفقد مناعتها لمجرد اتصالها بالعالم، كما أن العزلة لا تشكل ضمانة ضد الفساد أو الاختراق. بل إن غياب الشفافية وضعف المساءلة قد يخلقان بيئة يصعب فيها كشف التجاوزات الحقيقية.
ولا تتوقف المسألة عند حرية السفر. فحين تحاصر حركة الإنسان، ويضيق على اتصاله بالمؤسسات الإعلامية والثقافية خارج بلاده، تتقلص كذلك قدرته على المقارنة واكتساب المعرفة وتكوين رأي مستقل. وهكذا تتجاوز الرقابة حدود الإجراء الأمني لتصبح وسيلة للتأثير في وعي المجتمع نفسه، وتحديد ما يسمح له بمعرفته ومن يحق له التواصل معه.
إن السلطة الواثقة لا تخشى المواطن الذي يرى العالم، ويسمع آراء مختلفة، ويقارن بين التجارب. أما تحويل السفر إلى ملف أمني مفتوح فيبعث برسالة معاكسة: أن الاتصال بالخارج خطر ينبغي ضبطه، وأن المواطن لا يؤتمن على قراراته إلا تحت مراقبة الدولة.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: كيف يمكن الحديث عن حماية الاستقلال الوطني بينما تعامل حرية المواطن وكأنها تهديد لهذا الاستقلال؟ إن الوطن ليس ملكا للأجهزة الأمنية، والمواطن ليس ضيفا يحتاج إلى إذن معنوي كي يتواصل مع البشرية. السيادة الوطنية لا تعني مصادرة الحقوق الفردية، كما أن مواجهة التدخل الخارجي لا تبرر تحويل المجتمع إلى مساحة اشتباه جماعي.
والأمن الذي لا يستند إلى القانون والمساءلة يظل معرضا للتحول إلى أداة لحماية السلطة من النقد، بدلا من حماية المجتمع من المخاطر. لذلك فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع من هذا النوع لا يكمن في اسمه أو الشعارات التي ترفعه، بل في مواده القانونية، وحدود صلاحيات الأجهزة، والضمانات التي تمنع التعسف، والسبل المتاحة للمواطن للطعن في القرارات التي تمس حقوقه.
إن مواجهة النفوذ الأجنبي تبدأ ببناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في قوانينها، شفافة في إدارتها، وواثقة من مواطنيها. أما حين يطلب من المواطن أن يشرح مسبقا لماذا يريد السفر، ومع من سيلتقي، وما الذي قد يفعله خارج الحدود، فإن السؤال الأهم يصبح: من الذي يحتاج إلى الحماية من من؟
ليس الانفتاح خيانة، وليس الاختلاف دليلا على العمالة، وليس التواصل مع العالم جريمة. وإذا كانت الدولة تريد من مواطنيها الدفاع عن استقلالها، فعليها أولا أن تحترم استقلالهم الإنساني والقانوني. فالدولة التي تجعل الخوف أساس علاقتها بالمجتمع قد تستطيع فرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تجعل الصمت دليلا على الثقة، ولا أن تحول الرقابة إلى بديل عن الشرعية.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








