احتجاجات شعبیة في ایران-
سما عدن الاخباریة -د.سامي خاطر آكاديمي واستاذ جامعي:
تشهد الساحة السياسية والأمنية في إيران محطة جديدة من محطات الصراع الممتد بين السلطة والمؤسسة السياسية الحاكمة من جهة، والقوى المعارضة المنظمة من جهة أخرى. ويأتي قرار السلطة القضائية الإيرانية باستئناف جلسات المحاكمة الجماعية لـ 104 عضواً من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الایرانیة، بعد توقف دام نحو سبعة أشهر، ليطرح تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية والأبعاد الاستراتيجية لهذا التوقيت، خصوصاً أن القضايا ذات الصبغة التاريخية والسياسية الممتدة منذ عام 2023 غطت مساحة واسعة من المشهد الإداري والقضائي عقب الأحداث الشاملة التي شهدتها البلاد في عام 2022.
توقيت الاستئناف: دلالات الحسابات الداخلية والأمنية
إن القراءة الفاحصة لخطوة إعادة تفعيل المسار القضائي تكشف عن أبعاد تتجاوز مجرد سياق قضائي روتيني. فالمحاكمة التي انطلقت رسمياً في أعقاب موجة الاحتجاجات الكبرى، يمثّل استئنافها في هذه المرحلة إشارة إلى محاولة إعادة ضبط الإيقاع الداخلي وتثبيت معادلات الردع الاستباقي.
وتشير تقارير صادرة عن منظمات حقوقية مستقلة ومراكز رصد دولية، إلى أن تحريك الملفات القضائية الكبرى يتزامن عادة مع فترات تشهد ضغوطاً متزايدة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يرتبط هذا التحرك القضائي بسعي السلطات إلى محاصرة أي امتداد محتمل للتنظيمات المعارضة داخل الأوساط المجتمعية، والحد من تحويل وتراكم الاحتقان المعيشي إلى حراك سياسي تنظيمي.
وحدات المقاومة والتحديات الميدانية في الداخل
يمثل امتداد النشاط الميداني في نطاقات جغرافية متعددة أحد أبرز المتغيرات التي تأخذها أجهزة الرصد والاستخبارات في الاعتبار. فقد أظهرت البيانات الصادرة عن مراكز البحث الاستراتيجي الإقليمية أن الرقعة الجغرافية للأنشطة والاحتجاجات الميدانية لم تعد تقتصر على مراكز المدن الكبرى، بل امتدت لتشمل المحافظات الحدودية والمناطق الصناعية.
إن الظهور المتكرر لما يُعرف بـ وحدات المقاومة واستمرار استهداف المقرات والمؤسسات ذات الطابع الإداري والعسكري بسلسلة من الفعاليات الميدانية، يُظهر قدرة هذه الشبكات على التكيف الميداني والعمل تحت وطأة الاستنفار الأمني العالي. وتؤكد مؤسسات الرصد الميداني المستقلة أن الخطاب القائم على التغيير أصبح يجد قبولاً وتجاوباً واسعين بين الأجيال الشابة، مما يفرز واقعاً تنظيماً يتسم بالتجدد والاستقطاب المتزايد للكوادر الجديدة.
هندسة الردع: رفع كلفة الانخراط التنظيمي
تستند الاستراتيجية القضائية إلى استخدام أدوات القانون كوسيلة للردع العام والتأثير النفسي على الشارع. ومن خلال توجيه اتهامات خطيرة تحت بند “المحاربة” وتفعيل أحكام الإعدام، تسعى الأجهزة السياسية والأمنية إلى رسم خطوط حمراء واضحة تقضي برفع الكلفة المباشرة لأي انضمام أو تعاطف مع فصائل المعارضة.
وتوضح التقييمات الصادرة عن المرصد اليورومديتراني ومؤسسات حقوقية أخرى أن تزامن المحاكمات الجماعية مع صعود معدلات أحكام الإعدام يهدف بالدرجة الأولى إلى تقليل فرص تحول التعاطف الشعبي الضمني إلى مشاركة حركية فعالة. فالهدف المباشر لا يقتصر على محاكمة أسماء محددة، بل إيجاد بيئة مانعة تمنع تسرب الفئات الشبابية إلى الهياكل التنظيمية القائمة.
معركة الأجيال: صراع السيطرة على المستقبل
تكشف القراءة الاستراتيجية لخطوات السلطات الإيرانية أن البنية الأمنية والقضائية تتعامل مع الأزمة الحالية باعتبارها معركة على رسم ملامح المستقبل لا مجرد تصفية حسابات مع الماضي. فالأزمات الهيكلية المتراكمة تشكل حاضنة مستمرة لتقبل الأفكار والرؤى الراديكالية الداعية للتحول السيادي.
ويرى محللون سياسيون في معهد الدراسات الدولية أن التركيز المكثف على محاربة الشبكات الشبابية يعكس إدراكاً عميقاً بأن الرهان الحقيقي يكمن في مدى قدرة المعارضة على بناء جسور متينة مع الجيل الجديد. وبالتالي، تصبح محاكمة الـ 104 شخصاً أداة ضمن استراتيجية شمولية تهدف إلى قطع الطريق أمام أي تقارب بين التطلعات الشبابية للتغيير والبنى التنظيمية لمنظمة مجاهدي خلق.








