مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارحين يفضح النظام نفسه

حين يفضح النظام نفسه

صورة توضيحية للمقال: حين يفضح النظام نفسه-
ایلاف – فرامرز صفا:
تكشف المناظرة بين نائبين في برلمان النظام الإيراني تصدع السلطة وتآكل هيبة المرشد وتصاعد الصراع بين أجنحة الحكم وسط أزمات سياسية واقتصادية متفاقمة.
هناك لحظات في حياة الأنظمة المغلقة لا تحتاج فيها المعارضة إلى كشف أسرارها، لأن السلطة تتكفل بذلك بنفسها وعلى الهواء مباشرة. هذا ما حدث في المناظرة التي بثتها قناة همشهري في تموز (يوليو) 2026 بين نائبين في برلمان النظام الإيراني: محمد مهدي شهرياري، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، وأمير حسين ثابتي، المحسوب على جبهة پايداري المتشددة.

كان الهدف الواضح من البرنامج إظهار صورة نظام قوي، قادر على استيعاب النقاش الداخلي حول الحرب والمفاوضات. لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا. فخلال ساعتين، لم يقدم الرجلان نقاشًا سياسيًا بقدر ما قدما شهادة حية على عمق التصدع داخل السلطة. تبادلا الاتهامات، وشكك كل منهما في موقف الآخر، وتحدثا بلغة تكشف أن الخلاف لم يعد بين “معتدلين” و”متشددين”، كما يحب بعض الغرب أن يقرأ المشهد، بل بين أجنحة داخل جهاز واحد تتنازع فوق أرض تهتز تحت أقدامها.

اللافت أن السجال وصل إلى النقطة الأكثر حساسية في بنية النظام: موقع المرشد نفسه. فقد قال ثابتي إن اتفاق إسلام آباد فُرض على خامنئي، فرد شهرياري معتبرًا ذلك “إهانة صريحة للقيادة”. لكن ثابتي لم يتراجع، بل قال إن ما ذكره “ليس إهانة بل حقيقة”. في نظام يقوم على قداسة موقع الولي الفقيه وادعاء طاعته المطلقة، يصبح مجرد القول إن قرارًا استراتيجيًا فُرض على المرشد مؤشرًا بالغ الدلالة على تآكل هيبة المركز الذي تستند إليه منظومة الحكم كلها.

حاول شهرياري الدفاع عن سلطة خامنئي، فأكد أن وزير الخارجية عباس عراقجي كان اختيار المرشد نفسه، وأنه استُدعي من قبله. لكن ثابتي رد بطريقة كشفت حدود تلك السلطة في لحظة الصراع، قائلًا إن واجبه القانوني هو معارضة أي وزير، حتى لو كان المرشد قد أوصى به. وهنا بدت المفارقة واضحة: المدافعون عن ولاية الفقيه أنفسهم يقرون عمليًا بأن أوامرها لم تعد كافية لضبط الأجنحة المتصارعة.

أما الشق الأخطر في المناظرة فكان متعلقًا بالحرب والتصعيد. ثابتي لم يتحدث عن أوراق ضغط تفاوضية، بل عن رغبة صريحة في توسيع المواجهة. وصف التفاوض بأنه “شر لا بد منه”، وقال إنه إذا لم يقبل العدو بالاتفاق “فيجب القتال”. وانتقد إعادة فتح مضيق هرمز، داعيًا إلى استخدامه، إلى جانب باب المندب، كسلاح لكسر سلاسل الإمداد العالمية. ثم ذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن استهداف قادة وقصور مسؤولين في دول عربية تستضيف قوات أميركية.

هذه اللغة لا تكشف فقط نزعة مغامرة، بل تعكس جوهر تفكير التيار المتشدد داخل النظام: تحويل إيران والمنطقة إلى رهينة لحسابات البقاء. وعندما رد شهرياري عليه بالقول: “لا قدّر الله أن تقع قوة أميركا في يديك”، كان يعبّر، ولو من داخل النظام، عن خوف حقيقي من جنون سياسي قد يدفع البلاد والمنطقة إلى كارثة أوسع.

لكن شهرياري نفسه لم يكن أقل إضرارًا بصورة النظام. ففي معرض حديثه عن الدبلوماسية النووية، كشف أن مرافقي وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف كانوا من عناصر الحرس الثوري الذين لا يشاركونه آراءه، وكانوا يراقبون لقاءاته حتى ساعات متأخرة. هذا الاعتراف يعني أن الدبلوماسية، في جوهرها، لم تكن عمل وزارة خارجية مستقلة، بل عملية يحيط بها الحرس الثوري من الداخل والخارج.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك. فقد سأل شهرياري خصمه إن كان يسمح للمعترضين في إيران بالكلام، ثم أضاف: “ألا تعتقلونهم؟”. وتحدث، من تجربته كمسؤول محلي سابق، عن ملفات قضائية مفبركة كانت تُصنع ضد أشخاص مستهدفين. كما أشار إلى أن حسن روحاني نفسه لا يستطيع الحصول على فرصة إعلامية للرد على منتقديه. هذه ليست اتهامات صادرة عن معارضين، بل اعترافات من داخل السلطة بوجود رقابة وملاحقات وتلفيق ملفات وخنق إعلامي حتى داخل دوائر النظام.

الأرقام التي ظهرت في المناظرة كانت، بدورها، كاشفة. تحدث شهرياري عن أضرار حرب قد تصل إلى 270 أو 300 مليار دولار، أي ما يعادل سنوات طويلة من ميزانية البلاد. وأشار إلى قرى في دائرته الانتخابية لا تملك المياه، وإلى عجز الدولة عن توفير مبالغ أساسية لمعالجة أزمات محلية. في المقابل، تحدث ثابتي عن رئيس يجلس في موقع ليس له، وعن برلمان تعطل لأشهر. هكذا بدت الدولة من خلال كلام رجالها: ميزانية منهكة، مؤسسات مشلولة، رئاسة مطعون في شرعيتها، وبرلمان عاجز.

الأكثر دلالة أن النقاش وصل إلى الشارع. قال شهرياري مخاطبًا ثابتي إن أنصار تياره أحرقوا رموزًا لمسؤولي النظام في الشوارع، وإن الناس باتوا يكرهونهم، وإن الحشود في الساحات تتراجع ليلة بعد أخرى. ثم طرح السؤال الذي يخشاه أي نظام استبدادي: هل تجرؤون على إجراء استفتاء؟

هذا السؤال وحده يكفي لفهم عمق الأزمة. فالسلطة التي تتحدث باسم الشعب منذ أربعة عقود تخاف من الاحتكام إليه. والنظام الذي يملأ الشاشات بخطاب القوة والوحدة، يظهر في مناظرة واحدة فاقدًا للثقة بنفسه وبشارعه وبمؤسساته.

ما جرى في برنامج همشهري لم يكن مناظرة حول السياسة الخارجية أو شكل التفاوض، بل مشهدًا نادرًا لنظام يفضح نفسه. فقد ظهر المرشد قابلًا للتجاوز، والحكومة مطعونًا في موقعها، والبرلمان معطلًا، والدبلوماسية تحت رقابة الحرس، والمعترضون عرضة للاعتقال، والشارع في حالة نفور متزايد.

في النهاية، لم تكشف المناظرة قوة النظام، بل ضعفه. ولم تُظهر تعددية داخلية، بل صراع أجنحة يتبادل أصحابها الاتهامات حول من سيقود السفينة وهي تغرق. أما الشعب الإيراني، الذي لا ينتمي إلى أي من هذه الأجنحة، فيراقب المشهد وهو يدرك أكثر من أي وقت مضى أن الأزمة ليست في هذا الجناح أو ذاك، بل في بنية نظام فقد قدرته على الحكم إلا بالخوف، وفقد حتى قدرته على إخفاء خوفه.