ایلاف – حسن محمودي:
كثير من المشتركين في إيران يقولون إن التكلفة الفعلية أصبحت أعلى بكثير بسبب تغيير طريقة احتساب استهلاك البيانات
يكشف ارتفاع أسعار الإنترنت وتراجع جودته واستمرار الحجب في إيران عن أزمة رقمية تضرب حرية المستخدمين ومصادر رزقهم والاقتصاد الرقمي.
لم يعد الإنترنت في إيران خدمة تقنية عادية، بل تحوّل إلى عبء اقتصادي وسياسي إضافي على ملايين المواطنين. فبين ارتفاع الأسعار، وتراجع جودة الاتصال، واستمرار الحجب الواسع، يجد الإيرانيون أنفسهم أمام شبكة أغلى، وأبطأ، وأقل قدرة على تلبية حاجات العمل والتعليم والحياة اليومية.
الزيادة الرسمية في أسعار باقات الإنترنت تبدو كبيرة بحد ذاتها، لكن المشكلة لا تقف عند السعر المعلن. فكثير من المشتركين يقولون إن التكلفة الفعلية أصبحت أعلى بكثير بسبب تغيير طريقة احتساب استهلاك البيانات. في السابق، كان المرور الدولي يُحسب بطريقة مختلفة عن المرور الداخلي، بينما يجري اليوم احتساب الباقات بطريقة تجعل كل غيغابايت من الإنترنت العالمي يستهلك نحو 2.7 غيغابايت من الرصيد الفعلي. وبذلك، فإن المستخدم الذي يشتري غيغابايت واحدًا لا يحصل عمليًا إلا على نحو 370 ميغابايت من الوصول إلى الإنترنت العالمي.
هذا الغموض في الاحتساب زاد شعور المستخدمين بالخداع. فكثيرون يتلقون رسائل تفيد بأن باقاتهم شارفت على النفاد بالرغم من استخدام محدود، في حين لا تقدم شركات الاتصالات ولا الجهات المنظمة تفسيرًا واضحًا لطريقة الحساب الجديدة. وهكذا، لا يدفع المواطن أكثر فحسب، بل يدفع من دون شفافية.
الارتفاع الفعلي في الأسعار يبدو أشد من الأرقام الرسمية. فقد أصبحت بعض الباقات أغلى بنسبة تتراوح بين 60 و150 بالمئة لكل غيغابايت، بعدما رفعت الشركات الأسعار وخفضت في الوقت نفسه حجم البيانات. فباقة كانت تمنح 230 غيغابايت مقابل 350 ألف تومان استُبدلت بأخرى تمنح 140 غيغابايت مقابل 528 ألف تومان. وعلى مدى أطول، ارتفع سعر الغيغابايت في بعض الباقات طويلة الأمد من نحو 8 إلى 10 آلاف تومان بين عامي 2023 و2026، إلى ما يقارب 40 ألف تومان، أي بزيادة تقارب 400 بالمئة.
تأتي هذه التطورات في وقت أصبح فيه الإنترنت ضرورة معيشية لا رفاهية. فبحسب أحدث استطلاع وطني لوكالة استطلاع الطلاب الإيرانيين، يستخدم 89.3 بالمئة من الإيرانيين فوق سن الخامسة عشرة الإنترنت، فيما يقول أكثر من 55 بالمئة إن دخلهم يعتمد مباشرة على اتصال مستقر بالشبكة. كما يضطر 74.4 بالمئة من المستخدمين إلى دفع تكاليف خدمات كسر الحجب للوصول إلى المنصات المحظورة، بمتوسط شهري يصل إلى 262 ألف تومان.
بالنسبة إلى أصحاب المتاجر الإلكترونية، والمبرمجين، والمترجمين، والمدرسين، والمسوقين الرقميين، والعاملين المستقلين، لم يعد الإنترنت وسيلة تواصل فقط، بل مصدر رزق. لذلك، فإن تراجع جودته وارتفاع تكلفته لا يضرب المستخدم الفردي وحده، بل يضعف قطاعات واسعة من الاقتصاد الرقمي.
حتى بعض مسؤولي وزارة الاتصالات أقروا بحجم الخسائر. فقد تحدث مسؤولون عن خسائر يومية تتراوح بين 400 و600 مليار تومان نتيجة الانقطاعات المتكررة وعدم استقرار الشبكة. ومع استمرار الحجب، يضطر المستخدمون إلى الاعتماد على برامج كسر الحظر، ما يزيد التكلفة ويبطئ الاتصال ويؤثر في الإنتاجية.
السياسة الرقمية للنظام الإيراني لا تضر بحرية التعبير وحدها، بل تضرب الاقتصاد أيضًا. فقد أظهرت تقارير أن نسبة كبيرة من الأعمال الإلكترونية شهدت تراجعًا حادًا في المبيعات، بينما ضعف الاستثمار، وتسارعت هجرة الكفاءات، وتضررت صادرات التكنولوجيا. وهكذا، يتحول الحجب من أداة رقابة إلى عامل خنق اقتصادي.
في النهاية، تكشف أزمة الإنترنت في إيران جانبًا جديدًا من فشل الحكم. فالنظام الذي يعجز عن توفير شبكة مستقرة ومعقولة الكلفة، ويضيف إليها رقابة وحجبًا ورسومًا خفية، لا يقيّد حرية الناس فقط، بل يضرب مصادر رزقهم. الإنترنت اليوم في إيران ليس مسألة تقنية، بل مرآة لأزمة أوسع: سلطة تخاف من اتصال الناس بالعالم، ولو كان ثمن ذلك خنق أحد أهم قطاعات المستقبل.








