عراك داخل البرلمان الایراني-
کوالیس الیوم- د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي:
مأزق الخيارات الإيرانية بين الانسداد الاستراتيجي وتصاعد الضغوط
تعيش المنطقة حالة من حبس الأنفاس مع دخول المواجهة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني طوراً جديداً من التصعيد الممنهج في مضيق هرمز.. فلم تعد الأزمة مجرد مناوشات عسكرية عابرة بل تحولت إلى عملية “إعادة تعريف لقواعد الاشتباك” ضمن توازن قلق يترنح بين الانفجار الشامل والتهدئة الهشة، وفي قلب هذا المشهد يجد النظام في طهران نفسه أمام استحقاقات مصيرية تضعه بين سندان الضغوط العسكرية الخارجية ومطرقة الأزمات البنيوية العميقة التي تنهش في الداخل الإيراني.
عسكرة الممرات المائية.. اختبار حدود “حافة الهاوية”
يمثل التحول النوعي في العمليات العسكرية الأميركية عبر ما يُعرف بـ “مشروع الحرية” لمرافقة السفن التجارية تحدياً مباشراً لسيادة طهران المفترضة على الممرات المائية.. وإن تدمير الزوارق السريعة واعتراض المسيرات الإيرانية يعكسان انتقالاً من سياسة الاستيعاب إلى سياسة “السلام عبر القوة”.. في المقابل يجد النظام نفسه مضطراً لتبني خطاب تصعيدي يصف هذه التحركات بـ “المغامرة العسكرية” محاولاً الحفاظ على صورة “القوة الإقليمية” عبر هجمات محدودة وردود فعل مدروسة؛ إلا أن هذا النمط من المواجهة يكشف عن حذر الطرفين من الانزلاق إلى صدام مباشر مما يضع استراتيجية “حافة الهاوية” الإيرانية تحت اختبار تاريخي قد لا تملك أدوات إدارته حتى النهاية.
التصدع البنيوي.. غياب العقيدة الاستراتيجية الموحدة
لا تقتصر أزمة طهران على التهديدات البحرية فحسب بل تمتد إلى تفكك الرؤية السياسية داخل دوائر صنع القرار.. وإن التباين الصارخ بين أجنحة النظام يظهر بوضوح وجود ارتباك استراتيجي عميق؛ فبينما يميل تيار نحو فتح قنوات التفاوض عبر وسطاء إقليميين مثل باكستان لامتصاص الضغوط يصر تيار آخر يمثله الصقور في حرس النظام الإيراني على فرض معادلة القوة في مضيق هرمز بينما يتبنى خط ثالث مقاربة جيوسياسية تراهن على الاستثمار في “تحولات النظام الدولي” والترويج لفكرة صياغة ترتيبات إقليمية لمرحلة “ما بعد الهيمنة الأميركية”.. هذا التشتت في المواقف لا يعكس “تعددية صحية” بل يشير إلى عجز القيادة العليا عن حسم المسار الاستراتيجي مما يجعل الدولة الإيرانية تتحرك في مساحات رمادية تزيد من ضبابية المشهد ومخاطر سوء التقدير.
الاقتصاد المأزوم.. الثقب الأسود في شرعية النظام
بموازاة التوتر العسكري يواجه النظام إفلاساً اقتصادياً بات يهدد الاستقرار الاجتماعي بشكل مباشر.. وإن تآكل قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية بالتزامن مع الحصار البحري الذي يهدد صادرات النفط؛ إذ وضع السلطة أمام خطر توقف الإنتاج الكلي.. وقد أدى هذا الانسداد الاقتصادي إلى تآكل القاعدة الشعبية حيث تتقاطع الأرقام الرسمية مع تقارير ميدانية تؤكد أن تكاليف المعيشة باتت تفوق طاقة المواطن العادي بمراحل، ولم يعد الاقتصاد مجرد ملف تقني بل صار أداة ضغط فاعلة بيد الخصوم لـ “إضعاف الداخل” وقد أقر بذلك مسؤولون بارزون مثل محمد باقر قاليباف.
الحراك المدني والمقاومة.. والبحث عن بديل ديمقراطي
في خضم هذا التأزم تبرز فاعلية الحراك الداخلي كعنصر حاسم في المعادلة، وتشير التقارير إلى تصاعد نشاط وحدات المقاومة التابعة لـ منظمة مجاهدي خلق الایرانیة في مختلف المحافظات مما يعزز مخاوف النظام من اندلاع انتفاضة شعبية كبرى تغذيها الأزمات المعيشية والقمع السياسي، ويأتي الإعلان عن التظاهرة الكبرى في باريس المقررة في 20 يونيو 2026 تحت شعار يرفض الدكتاتوريتين “البهلوية والدينية” ويدعو لـ جمهورية ديمقراطية ليؤكد أن الصراع لم يعد محصوراً في الأروقة الدبلوماسية بل انتقل إلى ساحة الشرعية الدولية والمطالبة ببديل سياسي شامل.
آفاق المرحلة.. سيناريوهات المواجهة والتحول
يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة “اللا حرب واللا سلم” مع بقاء قنوات الاتصال غير المباشر مفتوحة.. لكن هذه الحالة باتت غير مستدامة على المدى المتوسط.
إن النظام الإيراني يواجه اليوم معضلة “التنازل القاتل”؛ حيث يخشى أن يؤدي أي تراجع استراتيجي أمام واشنطن إلى تسريع وتيرة الانهيار الداخلي بينما يؤدي الاستمرار في التصعيد إلى مواجهة عسكرية قد لا تقوى بنيته المنهكة على تحمل تبعاتها.. في المحصلة يبدو أن النظام يتجه نحو لحظة الحقيقة حيث تضيق خيارات المناورة وتتجه الأزمات المفتعلة نحو نقطة الانفجار الكبير مما يضع المنطقة أمام تحولات مفصلية قد تعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي








