اشتباکات بالایدي داخل البرلمان الایراني-
کوالیس الیوم – عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري:
قراءة في تقاطعات الأزمات السيادية والاجتماعية في إيران
تواجه جمهورية الملالي في إيران في اللحظة الراهنة سلسلة من الاختبارات الوجودية التي تتجاوز في طبيعتها الأزمات الدورية المعتادة لتنتقل إلى طور “التأزم الهيكلي” الشامل.. فبين مطرقة الانهيار المعيشي وسندان التصدع في وحدة النخبة الحاكمة يجد النظام السياسي نفسه محاصراً في دائرة مفرغة من الخيارات الصعبة.
إن المشهد الراهن الممتد من حقول الأهواز جنوباً إلى أروقة القرار في طهران يشير إلى أن الفجوة بين الدولة والمجتمع، وبين أجنحة السلطة ذاتها قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من الانكشاف الاستراتيجي.
المقاربة الأمنية وإدارة التنوع.. ارتدادات القمع في الجغرافيا الطرفية
تمثل سياسات نظام الملالي المتبعة تجاه الأقليات العرقية والمذهبية.. وتحديداً في محافظة خوزستان أحد أبرز ملامح الأزمة السيادية.. وإن موجة الاعتقالات الأخيرة التي استهدفت المواطنين العرب في الأهواز وكوت عبد الله عقب شعائر عيد الفطر تعكس نزعة أمنية متزايدة نحو “تنميط التهديد”؛ فاعتقال العشرات واحتجازهم في مرافق تابعة لـ حرس النظام الإيراني بتهم ترتبط بممارسة شعائر دينية وفق التقاليد السنية يغذي حالة الاغتراب السياسي والاجتماعي، ولا تقتصر هذه الحملات آثارها على الجانب الحقوقي فحسب بل تؤدي إلى تآكل الشرعية الوطنية وتدفع بالمكونات العرقية نحو الراديكالية، مما يجعل الأطراف الجغرافية نقاط ضعف دائمة في جسد الدولة المثقل بالأزمات.
ثنائية السلطة.. بزشكيان والحرس ومؤشرات التفكك الداخلي
على مستوى القمة السياسية تعيش طهران حالة من الارتباك الاتصالي؛ حيث تحول النفي المتكرر لاستقالة الرئيس مسعود بزشكيان من مجرد إجراء روتيني إلى مؤشر على عمق الخلافات البينية رغم تصريحات مهدي طباطبائي وحاجي ميرزائي التي تؤكد على الإجماع والتنسيق مع حرس النظام الإيراني.. إلا أن لغة التخوين المتبادلة بين تيار جبهة بايداري المتشدد والفريق التفاوضي النووي تكشف عن شرخ عميق، وإن اتهام المفاوضين بالخيانة عبر منصات مثل رجا نيوز وتسنيم يعكس صراعاً على “هوية الدولة” في مرحلة ما بعد الحرب حيث يسعى كل طرف لتحميل الآخر مسؤولية الإخفاقات الاستراتيجية في ظل ضغط عسكري واقتصادي خارجي غير مسبوق.
الاقتصاد المنهار.. حين يصبح خط الفقر سقفاً للطموح
تمثل الأرقام الواردة من وزارة جهاد الزراعة وما تلاها من تقارير وكالة إيلنا صدمة إحصائية؛ إذ إن متوسط الرواتب الذي لا يتجاوز 24 مليون تومان في مقابل خط فقر يقترب من 75 مليون تومان يعني عملياً انزلاق الطبقة المتوسطة والموظفين العموميين نحو الفقر المدقع.. لقد أدى إلغاء سعر الصرف التفضيلي إلى قفزة جنونية في تكلفة السلة الغذائية بنسبة تجاوزت 115 في المائة بينما تضاعف سعر الدولار في السوق الحرة ليصل إلى 180 ألف تومان.. هذا العجز في القدرة الشرائية المقترن بفشل نظام الكوبونات الإلكترونية يخلق حالة من “الغليان المكتوم” والتي قد تتحول في أي لحظة إلى اضطرابات اجتماعية واسعة النطاق لا سيما مع استقالات الكوادر الفنية وتوقف المحفزات الإنتاجية.
العزلة الرقمية والانسداد الاستراتيجي في مضيق هرمز
تزامن القمع الداخلي مع أطول انقطاع للإنترنت في التاريخ الحديث، والذي تجاوز 1656 ساعة، ويهدف بوضوح إلى عزل المجتمع عن التفاعلات العالمية ومنع تنسيق الحركات الاحتجاجية.. لكن هذه العزلة الرقمية توازيها عزلة استراتيجية في إدارة ملف مضيق هرمز.. والتناقض بين خطاب المتحدث إسماعيل بقائي الذي يحاول حصر التفاوض في الجانب التقني ورفع الحصار، وفي المقابل فإن خطاب التيار المتشدد الذي يمثله أمير حسين ثابتي والداعي لتحويل إغلاق المضيق إلى أداة لـ “فرض العقوبات المضادة” إنما يُبرز بوضوح تصدع العقيدة الاستراتيجية الموحدة للدولة ويكشف عن تضارب حاد في تقدير المصالح العليا بين الأجنحة الدبلوماسية والعسكرية.. وإن تحميل الدبلوماسية مسؤولية مقتل الولي الفقيه علي خامنئي يعكس وصول الاستقطاب الداخلي إلى نقطة اللاعودة.
إدارة الانهيار أم السقوط فيه؟
خلاصة القول.. إن اعترافات محمد باقر قاليباف بضعف الجبهة الداخلية، وأوامر غلام حسين محسني إيجئي بتشديد القبضة القضائية تؤكدان أن النظام يدرك تماماً حجم المخاطر؛ ومع ذلك تظل الاستجابة المتبعة قائمة على “المسكنات الأمنية” بدلاً من الإصلاحات الهيكلية.
إن اجتماع الأزمات المعيشية وتصدع النخبة، والقمع العرقي أمرا يضع الدولة الإيرانية أمام معادلة صفرية؛ فإما التراجع الاستراتيجي الكامل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه أو الاستمرار في سياسة “حافة الهاوية” التي يبدو أنها باتت أقرب من أي وقت مضى إلى خط النهاية لنموذج الحكم الحالي.
عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري








