الاعدامات في ایران-
وكالة حمورابي الاخبارية الدولية- د. مصطفى عبدالقادر أستاذ جامعي:
الحرب والردع القضائي كأدوات لإدارة الأزمات البنيوية
في الرابع من مايو.. شهدت مدينة مشهد في إيران فصلاً جديداً من فصول التوتر الداخلي بتنفيذ أحكام إعدام بحق سجناء سياسيين في خطوة تتجاوز في أبعادها الإطار الجنائي لتستقر في صلب الاستراتيجية السياسية لنظام الملالي في إيران.. وأي قراءة لهذه الإعدامات بمعزل عن السياق السياسي والأمني والاجتماعي داخل إيران بالوقت الراهن قد تبدو قاصرة؛ إذ يظهر نمط متسق يربط بين التصعيد الأمني الداخلي وبين المناخات الإقليمية المتوترة مما يشير إلى أن السلطة الحاكمة تعيد تفعيل “بروتوكولات البقاء” عبر تحويل الحرب وممارسات الإعدام إلى أدوات وظيفية في إطار القمع الاجتماعي والسياسي.
عقيدة “التوتر الدائم”.. الحرب ضرورة وجودية
لا ينظر العقل الاستراتيجي في طهران إلى الأزمات الخارجية كتهديداتٍ محضة بل كفرص لإعادة ترتيب البيت الداخلي.. وتُظهِر تصريحات المسؤولين الإيرانيين مؤخراً مثل ما نقله الإعلام الرسمي عن غلام رضا قاسمیان تحولاً في الخطاب من “الدفاع” إلى “الاستثمار في الصراع”.. وإن وصف الحرب بأنها “إرادة إلهية” ومصيرية والتعبير عن الأسف لوقف إطلاق النار ليكشفان عن قناعة راسخة بأن حالة “لا حرب ولا سلم” هي البيئة المثالية التي تتيح للنظام تبرير القبضة الأمنية وإطالة عمر بقاء النظام مع المناورة بما يسمونه بـ سياسة الإصلاح الداخلي. هذه المقاربة ليست وليدة اللحظة بل هي امتداد لجذور تأسيسية؛ فقد سبق وأن أقر جواد منصوري أحد المؤسسين الأوائل لحرس النظام الإيراني بأن الحرب الإيرانية العراقية كانت الرافعة التي مكنت الثورة من الصمود وقمع المعارضين.. إن هذا الاستحضار التاريخي يثبت أن إدامة الصراع تمثل ركيزة في العقيدة الأمنية لدى نظام الملالي حيث يُستخدم التهديد الخارجي لتكريس شرعية استثنائية تسمح بتحييد الفصائل الرافضة تحت دعاوى “الأمن القومي”.
الردع القضائي.. رسالة منهجية متأصلة في المشهد السياسي لدى الملالي
تأتي الإعدامات الأخيرة في مشهد كرسالة ردع استباقية موجهة إلى ما تصفه السلطات بـ “الشبكات المتمردة”.. ففي ظل هشاشة الوضع الاقتصادي وتنامي الضغوط الدولية يخشى النظام من تحول الاستياء الشعبي إلى نهضة شعبية واسعة ومنظمة قادرة على الإطاحة بعرش الملالي كما أطاحت بعرش سلفهم الشاه.. لذا فإن تسريع وتيرة أحكام الإعدام بتهم التورط في مواجهات مع ميليشيا الباسيج يهدف إلى إعادة ترميم “جدار الرعب” الذي تصدع خلال الاحتجاجات الماضية. من الناحية التحليلية يمثل الإعدام في هذه المرحلة أداة وقائية أكثر منها عقابية؛ فالسلطة تدرك أن اتساع الفجوة بينها وبين المجتمع يتطلب استعراضاً مستمراً للقوة المفرطة لضمان عدم خروج الاحتجاجات عن السيطرة.. إنها “هندسة القمع” التي تتزامن طردياً مع حدة التوترات الخارجية؛ حيث تجد السُلطة في غبار المعارك الإقليمية غطاءً مثالياً لتصفية الحسابات الداخلية بعيداً عن الرقابة الدولية المهادنة.
صراع الرؤى.. بين الاستقرار الثوري والتحول الديمقراطي
على الضفة الأخرى من هذا الصراع يبرز خطاب المعارضة كبديل بنيوي يسعى لفك الارتباط بين بقاء الدولة وبين دوامة العنف، وفي هذا السياق تطرح السيدة مريم رجوي الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة رؤية تقوم على أن السلام المستدام في المنطقة لا يمكن تحقيقه إلا عبر تغيير كلي في طبيعة الحكم في طهران. إن التباين بين خطاب النظام الذي يرى في الحرب وسيلة للبقاء، وخطاب المقاومة الإيرانية الذي يربط بين السلام والحرية وتأسيس جمهورية ديمقراطية يسلط الضوء على “خط الصدع” الجوهري في مستقبل إيران.. فبينما يراهن النظام على التصعيد كآلية دفاعية تراهن المقاومة على استثمار لحظات الهدوء لكشف التناقضات الداخلية للنظام معتبرة أن إنهاء الحكم الاستبدادي الديني هو المدخل الوحيد للاستقرار الإقليمي.
مآلات المقاربة الأمنية
إن لجوء قيادة الولي الفقيه إلى تشديد القبضة القضائية بالتوازي مع الخطاب الحربي يشير إلى أن النظام يمر بمرحلة “انكماش استراتيجي” يفضل فيها التضحية بالاستقرار الداخلي طويل الأمد مقابل البقاء القريب.. ومع ذلك فإن الاعتماد المفرط على الإعدامات كأداة وحيدة للإدارة السياسية قد يؤدي إلى نتائج عكسية حيث يتحول القمع من وسيلة للردع إلى محفز لـ راديكالية الحراك الشعبي.
في نهاية المطاف..
تبدو إيران اليوم في حالة صراع بين نموذجين؛ نموذج يقتات على الأزمات ويعتبر الحرب ضرورة، ونموذج يبحث عن مخرج من “منهجية الدم” نحو شرعية الصندوق، وإن ما حدث في مشهد ليس مجرد إجراء قانوني بل هو إقرار ضمني بأن التحديات التي تواجه زمرة السلطة الحاكمة قد وصلت إلى مستوى لا يمكن التعامل معه إلا بـ لغة المشانق وهي لغة، رغم قسوتها تعكس في طياتها قلقاً عميقاً من مستقبل غير مستقر.








