موقع المجلس:
شهدت إيران، اليوم الاثنين 29 ديسمبر 2025، موجة احتجاجات وإضرابات غير مسبوقة انطلقت من قلب بازار طهران، وامتدت سريعاً إلى أكثر من 24 موقعاً حيوياً في العاصمة، قبل أن تتوسع إلى مدن كبرى من بينها همدان وقشم. ومع وصول سعر صرف الدولار إلى عتبة 150 ألف تومان، خرج الغضب المعيشي من إطاره الاقتصادي ليتحول إلى حركة احتجاجية ذات طابع سياسي صريح، رفعت شعارات إسقاط النظام ورموزه، في تحدٍ مباشر لإجراءات القمع التي لجأت إليها قوات الأمن وحرس النظام الإيراني باستخدام الغاز المسيل للدموع.
هذا التحرك الشعبي مثّل لحظة فاصلة، انهار فيها حاجز الخوف أمام واقع اقتصادي خانق دفع شرائح واسعة من المجتمع إلى الشارع، تحت شعارات تؤكد الإصرار على المواجهة ورفض الاستسلام رغم كلفة القمع.
الإثنين، ۲۹ ديسمبر ۲۰۲۵ – #طهران
تصاعد وتيرة الاحتجاجات في منطقة بازار طهران: هتافات بإسقاط النظام واستهداف سيارة لملا الحکومي
تواصلت الاحتجاجات العارمة في قلب العاصمة طهران، اليوم الإثنين ۲۹ ديسمبر ۲۰۲۵، حيث ردد المتظاهرون من كسبة ومواطنين شعارات راديكالية طالبت برحيل السلطة،… pic.twitter.com/eixWyUx7Vl
— منظمة مجاهدي خلق الإيرانية (@Mojahedinar) December 29, 2025
بازار طهران في الصدارة: كسر الجمود وعودة الشارع التجاري
تحولت منطقة بازار طهران ومحيطها إلى بؤرة مركزية للاحتجاج، بعدما أعلن تجار الأسواق التقليدية، من صرافي العملات وتجار الحديد والذهب، إضراباً شاملاً أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة التجارية. ولم يقتصر التحرك على إغلاق المحال، بل خرج المحتجون في مسيرات حاشدة رددوا خلالها شعارات مناهضة للسلطة، من بينها “الموت للديكتاتور” و”يا بزشكيان ارحل”.
الإثنين، ۲۹ ديسمبر ۲۰۲۵ – #طهران
انضمام سوق "يافت آباد" للأثاث إلى الاحتجاجات: صرخة الكسبة ضد الغلاء والانهيار
شهد سوق "يافت آباد" للأثاث في طهران، والذي يعد أكبر مركز لتجارة الأثاث في البلاد، اليوم الإثنين ۲۹ ديسمبر ۲۰۲۵، موجة واسعة من الاحتجاجات والإضرابات؛ حيث أقدم الكسبة… pic.twitter.com/aUyoroj7b3
— منظمة مجاهدي خلق الإيرانية (@Mojahedinar) December 29, 2025
وفي مشهد يعكس تصاعد حدة الغضب، أقدم محتجون في محيط البازار على تحطيم سيارة رجل دين موالٍ للنظام بعد أن هاجم المتظاهرين لفظياً، في رسالة رمزية تعبّر عن رفض متزايد لكل رموز السلطة التي يُحمّلها الشارع مسؤولية التدهور المعيشي.
اتساع رقعة الإضرابات وتلاحم القطاعات
امتدت الاحتجاجات داخل العاصمة لتشمل قطاعات اقتصادية متنوعة، حيث انضم تجار سوق الكمبيوتر في شارع ولي عصر، وتجار الأثاث في منطقة يافت آباد، وباعة الأجهزة المنزلية في أمين حضور، إلى الإضراب العام. ويعكس هذا التنسيق الميداني فقدان الثقة الكامل بالمنظومة الاقتصادية، في ظل انفلات الأسعار واستحالة استمرار النشاط التجاري.
وشهدت هذه المناطق مواجهات متفرقة مع قوات الأمن التي حاولت تفريق المحتجين باستخدام الغاز المسيل للدموع ووحدات الدراجات النارية، إلا أن المتظاهرين واصلوا تحركاتهم، فيما أقدم بعض الشبان على الجلوس في وسط الطرقات في تحدٍ مباشر للقمع، مرددين شعارات تدعو إلى التضامن وكسر الخوف.
كما امتد الغليان الشعبي إلى ساحات رئيسية مثل ساحة الثورة (انقلاب)، وساحة الحرية (آزادي)، وساحة هفت حوض، إضافة إلى أحياء جنوب العاصمة كمنطقة إمام زاده حسن وشارع بيروزي، في مؤشر على أن الأزمة المعيشية وحّدت مختلف مناطق طهران، شمالها وجنوبها، في موجة احتجاج واحدة.
تحركات مهنية تضيف زخماً للاحتجاجات
بالتوازي مع ذلك، شهدت العاصمة تجمعات مهنية لافتة، حيث نظم كوادر القطاع الصحي ومعالجون نفسيون احتجاجاً أمام منظمة الغذاء والدواء، تنديداً بنقص الأدوية وتدهور الخدمات الصحية. ويشير هذا التلاقي بين الفئات المهنية، وتجار البازار، والطبقات الشعبية، إلى تشكّل حالة اعتراض عابرة للقطاعات ضد سياسات النظام.
ومع حلول المساء، تحولت عدة شوارع في طهران إلى مسارح لمواجهات متقطعة، استمرت خلالها الهتافات المطالبة بإسقاط النظام حتى ساعات متأخرة، رغم حالة الاستنفار الأمني الواسع التي فرضتها قوات حرس النظام الإيراني.
المحافظات تلتحق: من همدان إلى قشم
لم تقتصر الاحتجاجات على العاصمة، إذ شهدت مدينة همدان، غرب البلاد، تظاهرات واسعة جابت المناطق التجارية، احتجاجاً على التضخم الحاد الذي أفقد المواطنين قدرتهم الشرائية. وردد المحتجون شعارات تضامن مع إضرابات بازار طهران، مؤكدين وحدة المعاناة في مختلف المدن الإيرانية.
وفي أقصى الجنوب، خرج سكان جزيرة قشم في مسيرات احتجاجية غير مسبوقة، في تطور يعكس وصول الأزمة الاقتصادية إلى المناطق الحرة والموانئ. وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة نظراً للموقع الاستراتيجي والتجاري للجزيرة، ما يضع النظام أمام تحدٍ أمني متزايد مع اتساع رقعة الاحتجاجات جغرافياً.
اقتصاد منهوب وغضب الجياع
تأتي هذه التطورات في سياق تراكم طويل لسياسات اقتصادية قائمة على الفساد واستنزاف الثروات، حيث يعيش ملايين الإيرانيين تحت خط الفقر، مقابل استمرار شبكات مرتبطة بحرس النظام والمؤسسات الخاضعة لخامنئي في الاستحواذ على موارد البلاد. وقد ترافقت هذه السياسات مع إنفاق مليارات الدولارات على مشاريع عسكرية ونووية وتدخلات خارجية، في وقت يعجز فيه المواطن عن تأمين احتياجاته الأساسية.
ورغم اعتماد النظام على سياسة الإعدامات والترهيب لبث الخوف، أظهرت احتجاجات اليوم أن هذه الأدوات لم تعد كافية لاحتواء الغضب الشعبي. فالوصول إلى عتبة 150 ألف تومان للدولار فجّر ما يصفه مراقبون بـ«انتفاضة الجياع»، وهي حركة تجاوزت المطالب المعيشية لتطرح سؤال السلطة ومستقبل الدولة. وتشير المؤشرات الميدانية إلى أن ما شهدته طهران والمحافظات اليوم قد لا يكون سوى بداية لمسار احتجاجي أوسع، في ظل تراجع الخوف واتساع دائرة السخط الشعبي.








