اشتباکات بالایدي في البرلمان الایراني-
MEO -د. مصطفى عبدالقادر:
صراع الصلاحيات بين أقطاب النظام الإيراني يكشف هشاشة القيادة الجديدة، ويعمق الانقسامات داخل مؤسسات الحكم وسط تصاعد الضغوط الخارجية وتراجع النفوذ الإقليمي.
معركة النفوذ تعيد رسم مراكز القوة في طهران
تُظهر التطورات السياسية والأمنية المتسارعة في العاصمة الإيرانية حجم الانكشاف الاستراتيجي والأزمات الهيكلية التي تعصف بأعلى هرم السلطة، بالتزامن مع تولي مجتبى خامنئي مقاليد القيادة وتصاعد التحديات الخارجية.
ولم تعد الخلافات الدائرة بين أقطاب النظام مجرد تباينات تكتيكية عابرة، بل تحولت إلى صراع محتدم على النفوذ وصلاحيات صنع القرار، لا سيما في إدارة الملفات الحساسة كالمفاوضات الإقليمية والدولية. وتكشف المعطيات الميدانية والتقارير الدبلوماسية عن تآكل في آليات التنسيق التقليدية داخل منظومة الحكم، مما يعكس حالة من التخبط الواسع في مواجهة الاستحقاقات الداخلية والضغوط الإقليمية.
شهدت الساحة السياسية الإيرانية تحولاً لافتاً في إدارة الملف التفاوضي مع الولايات المتحدة، تمثل في محاولات سحب الصلاحيات من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وحصرها في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي بقيادة محسن رضائي.
ورغم النفي الرسمي المستمر من قِبل المتحدث باسم الحكومة إسماعيل بقائي، إلا أن تقارير وسائل الإعلام المقربة من التيار المتشدد أشارت إلى إعادة هندسة مسار المباحثات، بالتوازي مع مقترحات لتشكيل مجلس سداسي يضم كبار القادة الأمنيين والعسكريين، وإلغاء اللجنة الإعلامية التابعة لقاليباف لتقليص تأثيره السياسي.
وتعزز هذا التراجع بوضوح إثر تداول أنباء عن توجيه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس رسالة مباشرة إلى محسن رضائي، فضلاً عن غياب قاليباف عن اجتماعات رفيعة المستوى استضافها رضائي في طهران، مثل الاجتماع الإقليمي ضمن إطار ميثاق مكة. تؤكد هذه المؤشرات أن معركة التمثيل الاستراتيجي أمام واشنطن والقوى الإقليمية قد حُسمت مؤقتاً لصالح جناح الأمن القومي، مما يعكس عمق التصدعات في توجيه دفة الدبلوماسية الرسمية.
يمتد التناحر الداخلي إلى البنية المؤسسية للأجهزة الأمنية والعسكرية، حيث يسعى الجناح المهيمن إلى تطهير المؤسسات الحساسة من الشخصيات المنافسة. ويبرز في هذا السياق استبعاد محمد باقر ذو القدر من تشكيلة المجلس الأعلى للأمن القومي لصالح محسن رضائي، وهي خطوة تُقرأ ضمن مساعي مجتبى خامنئي لإحكام السيطرة الفردية على مفاصل الدولة العميقة. وقد شدد رضائي علناً على حصر السياسة الدبلوماسية في زمن الحرب ضمن أمانة المجلس بالتنسيق مع الرئيس مسعود بزشكيان، في محاولة واضحة لتحييد تشكيلات البرلمان وتجريدها من أي دور تقريري.
هذا الصراع على الهيمنة الأمنية يعكس حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها القيادة الجديدة، والتي وجدت نفسها تدير منظومة منهكة بفعل الإخفاقات العسكرية وتفكك شبكات النفوذ الإقليمي. ولم تعد خيارات طهران تتسع سوى للتلويح بالأوراق الخشنة، كالقدرات الصاروخية والتهديد بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، كمحاولةً لفرض معادلات ردع استراتيجي تخفف من وطأة الحصار المتصاعد.
تأتي هذه التصدعات امتداداً طبيعياً لأزمة الانتقال السياسي التي أعقبت مقتل علي خامنئي وتولي نجله مجتبى مقاليد الإرشاد وسط استقطاب حاد واعتراضات مكتومة. إن لجوء النظام إلى سياسة تصعيد التوترات الإقليمية واستخدام أدوات الابتزاز يعكس في قراءات مراكز الرصد الدولية ضيق الخيارات المتاحة وعجز المنظومة عن تقديم حلول سياسية مستدامة.
باختصار، يؤكد احتدام الصراع بين أقطاب الحكم أن فرض القيادة الجديدة لم ينجح في توحيد الرؤية الاستراتيجية، بل عمق الانقسامات في توقيت بالغ الحساسية. وبينما تستعر حرب الصلاحيات على ما تبقى من مقدرات القرار، تجد منظومة الحكم نفسها عاجزة عن الصمود أمام تراكم الأزمات، مما ينذر بمزيد من التداعي الداخلي وفقدان القدرة على المناورة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
د. مصطفى عبدالقادر








