قوات حرس نظام الملالي في ایران-
الحوار المتمدن- سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
منذ الأيام الأولى لتأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، لم يكن الحرس الثوري مجرد مؤسسة عسكرية موازية للجيش، بل أصبح تدريجيا أحد أعمدة النظام السياسية والأمنية والاقتصادية. ومع مرور الزمن، اتسع نفوذه ليشمل قمع المعارضين في الداخل، وتوسيع النفوذ الإيراني خارج الحدود، ودعم جماعات مسلحة، في وقت تتزايد فيه الاتهامات الموجهة إليه بالوقوف وراء أنشطة سرية تهدد أمن دول أخرى.
ولم تعد المخاوف من دور الحرس الثوري مقتصرة على خصوم طهران الإقليميين. فقد جاءت التطورات البريطانية الأخيرة لتعيد القضية إلى واجهة النقاش الدولي، وتطرح سؤالا ملحا: هل تكفي الإدانات الدبلوماسية والعقوبات المتفرقة لاحتواء جهاز يمتلك نفوذا واسعا داخل الدولة الإيرانية، ويمتد نشاطه، وفق اتهامات حكومية متعددة، إلى خارج حدودها؟
في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام أمام البرلمان أن المخطط المشتبه به لاستهداف قاعدة فرفورد الجوية في بريطانيا كان من المرجح جدا تنسيقه داخل إيران، وأن الحرس الثوري كان، بحسب التقييم البريطاني، يقف وراء توجيهه بدرجة شبه مؤكدة. وأعلنت لندن استدعاء السفير الإيراني وفرض عقوبات على شخصين إيرانيين، أحدهما روح الله بازقندي، الذي تصفه الحكومة البريطانية بأنه مسؤول عن عمليات مكافحة التجسس في الحرس الثوري. كما أكدت الحكومة البريطانية عزمها استهداف الشبكات الإجرامية ومصادر التمويل التي يُشتبه في استخدامها لتنفيذ أنشطة معادية. ومع ذلك، لا تزال التحقيقات في حادثة فرفورد جارية، وقد نفت طهران مسؤوليتها عنها.
تكمن أهمية هذه التطورات في أنها تعكس انتقال القلق من السلوك الإيراني الإقليمي إلى مخاوف مباشرة بشأن أمن الدول الأوروبية وشعوبها. فحين تتهم جهة مرتبطة بدولة باستخدام شبكات سرية أو وسطاء إجراميين لتنفيذ تهديدات خارج الحدود، لا تعود القضية مجرد خلاف سياسي، بل تصبح اختبارا لقدرة الدول على حماية سيادتها، ومحاسبة المسؤولين، ومنع تكرار مثل هذه الأنشطة.
لكن النظر إلى الحرس الثوري باعتباره خطرا خارجيا فقط يغفل جانبا أساسيا من دوره. فهذا الجهاز يمثل أيضا إحدى الأدوات الرئيسية التي يعتمد عليها النظام في إحكام قبضته على المجتمع الإيراني، ومواجهة الاحتجاجات، وملاحقة المعارضين. ومن ثم، فإن أي سياسة دولية تستهدف أنشطته الخارجية، وتتجاهل دوره في القمع الداخلي، ستظل محدودة الأثر في معالجة المشكلة الأوسع.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوات التي أطلقتها السیدة مريم رجوي، رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، منذ سنوات لإدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب أهمية سياسية واضحة. فقد ربطت رجوي بين تفكيك نفوذ هذا الجهاز، ومواجهة الإرهاب، وإنهاء سياسة التساهل مع ممارساته. وقد رحبت المقاومة الإيرانية في يوليو/تموز 2026 بخطوة بريطانية تتعلق بتصنيف الحرس الثوري بموجب صلاحيات مواجهة التهديدات الصادرة عن دول أجنبية، داعية إلى تحويل الإجراءات القانونية إلى خطوات عملية أكثر شمولا.
غير أن التعامل الفاعل مع الحرس الثوري يتطلب أكثر من إطلاق المواقف السياسية. فهو يستدعي تنسيقا دوليا وإقليميا لتبادل المعلومات الاستخبارية، وملاحقة التمويل والشركات والواجهات المستخدمة في الأنشطة غير المشروعة، وتشديد الرقابة على شبكات التجنيد والعمليات السرية، ومحاسبة الأفراد المتورطين وفق الأدلة والإجراءات القانونية. كما ينبغي أن تكون التدابير محددة الأهداف، حتى لا تتحول إلى عقاب جماعي للشعب الإيراني أو إلى ذريعة لتوسيع المواجهة العسكرية.
وتكشف الاستجابة البريطانية، إلى جانب بيان مشترك صدر عن دول عدة في 12 أكتوبر، عن إدراك متزايد لضرورة تنسيق الجهود لمواجهة التهديدات المنسوبة إلى إيران وشبكاتها.
إن مواجهة المخاطر المرتبطة بالحرس الثوري لم تعد تحتمل الاكتفاء ببيانات الإدانة واستدعاء السفراء بعد كل حادثة، بل تتطلب برنامج عمل دوليا واضحا يتضمن إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب حيثما توافرت الأسس القانونية اللازمة، وتوحيد العقوبات المفروضة على قياداته وأجهزته وشبكات تمويله، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية بين الدول، وملاحقة الوسطاء والشركات والواجهات التي يشتبه في استخدامها لتنفيذ عملياته خارج الحدود. كما ينبغي إنشاء آلية تنسيق دولية لرصد التهديدات المنسوبة إليه، ونشر نتائج موثقة بصورة دورية، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها التحقيقات المستقلة والإجراءات القضائية.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن تترافق هذه الإجراءات مع حماية المعارضين الإيرانيين والصحفيين والناشطين المهددين، والتصدي لمحاولات استهدافهم أو ترهيبهم على الأراضي الأوروبية، مع تجنب العقوبات الجماعية التي تثقل كاهل الشعب الإيراني. وعلى الحكومات الإقليمية أن تنسق جهودها لمنع استخدام أراضيها ممرا للتمويل والتسليح والعمليات السرية، وأن تجعل احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها معيارا واضحا لأي علاقة مع طهران.
لقد دعت مريم رجوي منذ سنوات إلى وضع الحرس الثوري على قوائم الإرهاب؛ واليوم ينبغي أن يتحول هذا المطلب إلى نقاش قانوني وسياسي جاد، تقاس نتائجه بمدى تعطيل الشبكات المهددة ومحاسبة المتورطين، لا بمجرد صدور القرارات. فالرسالة التي ينبغي أن تصل إلى طهران واضحة: لا حصانة لأي جهاز يثبت تورطه في تهديد أمن الدول أو قمع المواطنين، ولا استقرار مستدام في المنطقة من دون مساءلة فعالة واحترام سيادة الشعوب وحق الإيرانيين في تقرير مستقبلهم.
تكشف حمى «مشروع مواجهة النفوذ» ومحاصرة حركة المواطنين في خريف عام 2026 عن الذعر الأخير الذي يعصف بأركان الفاشية الحاكمة؛ فنظامٌ يعتبر سفر مواطنيه خيانة، ويستنفر أجهزته الاستخباراتية للتجسس على حركة المجتمع، هو نظام يعلن إفلاسه التام ووصوله إلى طريق مسدود. إن محاولات الولي الفقيه خنق تواصل الشعب مع العالم وتكميم الأفواه باتهامات الجاسوسية لن تمنع «جيش الجياع» من استرداد حريته وكرامته المهدورة؛ فالشعب الذي اختبر عقود الدجل قد شخّص مكمن الداء في عقر دار الاستبداد. وتحت راية «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»، يمضي المجتمع الإيراني بوعيه الجمعي لإسقاط منظومة القهر وقبر دكتاتورية الملالي وتأسيس فجر الحرية والسيادة الوطنية المسلوبة.








