الملا الخمیني مصدر فتاوى الموت-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليست مجزرة صیف عام 1988 في إيران مجرد جريمة مروعة طواها الزمن، ولا فصلاً مظلما يمكن للنظام أن يدفنه تحت ركام النسيان. إنها، في جوهرها، واحدة من أكثر الحقائق دلالة على طبيعة نظام الملالي، وعلى الكيفية التي تحول بها الإفلات من العقاب إلى جزء من بنيته السياسية والأمنية. وما يثير القلق أكثر أن الجريمة التي بدأت بفتوى وأوامر قتل جماعي لم تنته بانتهاء عام 1988، بل يبدو أن منطقها نفسه ما زال حاضرا في إيران اليوم.
هذه هي الخلاصة الأخطر التي أعاد البروفيسور جاويد رحمان، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران، تسليط الضوء عليها في المؤتمر الدولي الذي بحث مجزرة 1988 واستمرار الإعدامات السياسية في إيران.
فبحسب شهادته، فإن الأسس الفكرية والفتاوى التي استخدمت لتصفية السجناء السياسيين في 1988 يجري استنساخها اليوم بأدوات ومصطلحات متشابهة، فيما تتحول مفاهيم مثل “المحاربة” و”البغي” إلى أدوات لإضفاء غطاء قضائي على تصفية المعارضين. وهنا تكمن خطورة المسألة: حين يصبح قتل الخصم السياسي جزءا من العقيدة الحاكمة، فإن الجريمة لا تكون حادثة استثنائية، بل سياسة قابلة للتكرار.
لقد وثق تقرير رحمان، الصادر في يوليو/تموز 2024، انتهاكات جسيمة وجرائم ترقى، وفق عرضه، إلى جرائم ضد الإنسانية، وربط بصورة مباشرة بين غياب المحاسبة عن جرائم الماضي واستمرار الانتهاكات في الحاضر. وهذه العلاقة هي التي يحاول النظام طمسها؛ لأنه يدرك أن فتح ملف 1988 لا يعني فقط محاكمة جريمة تاريخية، وإنما يعني مساءلة منظومة بأكملها ما زالت بعض ركائزها قائمة.
فمن دون عدالة عن الماضي، يصبح الحاضر أكثر عرضة للتكرار.
وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن يفهمها المجتمع الدولي بوضوح: الإفلات من العقاب ليس نتيجة للجريمة، بل أحد أسباب الجريمة التالية.
لقد شاهد العالم كيف يمكن لنظام لم يحاسب على قتل آلاف السجناء السياسيين أن يواصل استخدام الإعدام والترهيب وسيلة لإخماد المعارضة. وشاهد أيضا كيف يمكن للجلاد الذي لم يمثل أمام العدالة أن يتحول إلى صاحب قرار، وكيف يمكن لمن شارك في منظومة القمع أن يستمر في ممارسة السلطة وكأن شيئا لم يحدث.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف الذي عبرت عنه مريم رجوي في افتتاح المؤتمر، حين ربطت حراك التقاضي وملاحقة مرتكبي المجازر بحركة الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة من أجل إسقاط الاستبداد وإقامة جمهورية ديمقراطية.
فالعدالة هنا ليست انتقاما من الماضي، وإنما دفاع عن المستقبل.
والسیدة مريم رجوي والمقاومة الإيرانية تدركان أن إسقاط جدار الإفلات من العقاب يمثل جزءا من إسقاط المنظومة التي أنتجته. ولهذا ظل ملف مجزرة صیف عام 1988 حاضرا في خطاب المقاومة، لا بوصفه مجرد ذكرى للضحايا، وإنما باعتباره قضية سياسية وقانونية وإنسانية تكشف طبيعة النظام وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته.
واللافت أن المؤتمر لم يكن تجمعا سياسيا محدودا، بل شهد مشاركة شخصيات ذات خبرة واسعة في القانون الدولي والعدالة الجنائية وحقوق الإنسان، من مسؤولين أمميين وقضاة ومدعين عامين وخبراء في الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وهذا يمنح قضية 1988 بعدا يتجاوز السجال السياسي، ويعيدها إلى مكانها الطبيعي: ملف عدالة دولية لا يجوز أن يبقى رهينة الصمت أو الحسابات السياسية.
إن اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بمجزرة 1988، كما أشار رحمان، يمكن أن يمثل خطوة مهمة، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق. فالاعتراف من دون آلية للمساءلة يبقى ناقصا، وإدانة الجريمة من دون ملاحقة مرتكبيها تترك الباب مفتوحا أمام تكرارها.
ولهذا تبدو دعوة رحمان إلى إنشاء آلية دولية للمحاسبة، وإلى استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية، ذات أهمية استثنائية. فالمطلوب ليس فقط توثيق الجرائم، وإنما الانتقال من مرحلة التوثيق إلى مرحلة العدالة، ومن كشف الجريمة إلى ملاحقة الجناة.
لقد أثبتت التجربة أن النظام الإيراني لا يخشى كثيرا بيانات الإدانة إذا لم تترتب عليها إجراءات عملية. أما عندما يصبح الجلاد مهددا بالملاحقة والمساءلة، فإن معادلة الإفلات من العقاب تبدأ بالانهيار.
وفي نهاية المطاف، فإن قضية 1988 ليست قضية آلاف الضحايا وعائلاتهم وحدهم، رغم أن حقهم في العدالة مقدس وغير قابل للتقادم الأخلاقي. إنها أيضا قضية كل سجين سياسي يواجه اليوم خطر الإعدام، وكل معارض يزج به في السجن، وكل إيراني يرفض أن يكون الخوف قدرا دائما.
فالفتوى التي شرعت الموت بالأمس، حين لا تواجه بالعدالة، يمكن أن تتحول إلى رخصة جديدة للموت اليوم.
ولهذا فإن كسر دائرة الإعدامات لا يبدأ عند حبل المشنقة، بل يبدأ في قاعة المحكمة؛ حيث يجب أن يقف الجلاد أمام ضحاياه، لا أن يقف الضحايا أمام جلاديهم.
إن العدالة لمجزرة 1988 ليست عودة إلى الماضي.
إنها، في حقيقتها، المعركة من أجل ألا يتحول الماضي إلى مستقبل.
وإذا كان النظام قد حاول طوال عقود دفن الحقيقة مع ضحاياه، فإن ما تكشف اليوم يؤكد أن الحقيقة بقيت حية، وأن جدار الإفلات من العقاب بدأ يتصدع.
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام المجتمع الدولي: هل يكتفي بتوثيق جرائم النظام، أم يمتلك الإرادة للانتقال إلى الخطوة الحاسمة، أي محاسبة من أصدروا الأوامر، ومن نفذوها، ومن واصلوا الطريق نفسه؟
فلا سلام من دون عدالة، ولا سيادة للقانون مع الإفلات من العقاب، ولا مستقبل ديمقراطيا لإيران ما لم تغلق، مرة وإلى الأبد، أبواب غرف الموت التي فتحتها فتاوى الأمس.








