بحزاني – منى سالم الجبوري:
هناك أنظمة تخشى شعوبها، وأنظمة تخشاها شعوبها والعالم من حولها. ونظام الملالي في إيران ينتمي إلى الصنف الثاني؛ لأنه لم يكتف بتحويل إيران إلى ساحة مفتوحة للقمع والأزمات، بل جعل من تصدير أزماته جزءا من فلسفة بقائه، ومن تهديد أمن المنطقة والعالم وسيلة لتأجيل استحقاقاته الداخلية.
ولهذا فإن الخطأ الأكبر هو النظر إلى الخطر الإيراني باعتباره أزمة عابرة يمكن احتواؤها باتفاق هنا أو تسوية هناك. فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام منظومة سياسية لم تتوقف عن إنتاج الأزمات، ولم تتعامل مع حدود الدول باعتبارها خطوطا حمراء، ولم تنظر إلى الاستقرار والسلام باعتبارهما هدفا دائما، بل باعتبارهما ظروفا يمكن استخدامها والمساومة عليها عندما تقتضي مصلحتها.
إنه تهديد يقرع كل الأبواب، ولن يتوقف عند باب واحد.
فحين يستخدم النظام ميليشياته وأذرعه المسلحة لتوسيع نفوذه، وحين يوظف الصواريخ والطائرات المسيرة والتهديدات الإقليمية، وحين يجعل من برنامجه النووي ورقة ضغط ومساومة، فإن المسألة لا تعود شأنا إيرانيا داخليا. إنها تتحول إلى خطر عابر للحدود، يتسع كلما تركت له مساحة جديدة.
والأخطر من ذلك أن النظام لا يبدو مستعدا للتوقف طواعية عند حد معين. فكل تنازل يحصل عليه يتحول إلى مساحة جديدة للمناورة، وكل أزمة يتجاوزها تمنحه خبرة جديدة في إنتاج أزمة أخرى. وإذا أغلقت أمامه جبهة، بحث عن جبهة أخرى؛ وإذا ضاقت عليه الساحة الداخلية، حاول توسيع ساحته الخارجية.
وهنا تتجلى أهمية التحذيرات التي أطلقتها المقاومة الإيرانية، وفي مقدمتها السیدة مريم رجوي، التي لم تتعامل مع الخطر باعتباره مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل ربطته بجذر المشكلة: طبيعة النظام نفسه.
فالمقاومة الإيرانية دأبت على التأكيد أن مواجهة أذرع النظام ومشاريعه الخارجية، من دون معالجة المركز الذي ينتج هذه السياسات، لن تؤدي إلا إلى تأجيل الخطر. ومريم رجوي طرحت بوضوح أن مستقبل إيران لا ينفصل عن أمن المنطقة والعالم، وأن إسقاط منظومة الاستبداد وإقامة نظام ديمقراطي يمثلان، في الوقت نفسه، مصلحة للشعب الإيراني ومصلحة للمجتمع الدولي.
وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب عن الحسابات الدولية: لا يمكن صناعة سلام دائم مع نظام يعيش على إنتاج الأزمات.
فالمفاوضات قد توقف أزمة مؤقتة، والعقوبات قد تضغط عليه، والضربات قد تدمر جزءا من قدراته، والضغوط السياسية قد تدفعه إلى التراجع في مرحلة معينة؛ لكن كل ذلك لا يضمن نهاية التهديد ما لم تُعالج قدرته على إعادة إنتاجه.
ومن هنا فإن دعم الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره خيارا سياسيا هامشيا، بل باعتباره جزءا من معادلة الأمن والسلام. فالتغيير الحقيقي في إيران لا يعني فقط تحرير الإيرانيين من نظام القمع، وإنما يعني أيضا إزالة أحد أهم مصادر عدم الاستقرار المزمن في المنطقة.
لقد آن الأوان لأن يتوقف العالم عن التعامل مع كل أزمة على حدة، وكأنها مفاجأة جديدة. فالأزمات المتكررة ليست حوادث منفصلة؛ إنها حلقات في سلسلة واحدة.
وسلسلة كهذه لن تنتهي بإدارة حلقاتها، وإنما بقطعها من جذورها.
إن تهديدا يقرع كل الأبواب لا يمكن مواجهته بإغلاق باب واحد، ولا يمكن طمأنته بتنازل جديد، ولا يمكن إطفاؤه بإدارة نيرانه من بعيد.
إنه خطر سيواصل البحث عن باب جديد ما دام مصدره قائما.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل سيطرق النظام بابا آخر؟
السؤال الحقيقي هو: كم بابا يجب أن يطرق قبل أن يدرك العالم أن الحل ليس في انتظار الطرق التالي، وإنما في إنهاء قدرة من يطرق على الوصول إلى الأبواب أصلا؟
وهنا تبدأ مسؤولية المجتمع الدولي، وهنا أيضا تتقاطع قضية الشعب الإيراني مع قضية الأمن والسلام في العالم.
فقطع دابر التهديد يبدأ من قطع جذوره.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








