موقع المجلس:
تكشف الخسارة المتسارعة في القوة الشرائية للعمال والمستأجرين في إيران عن عمق الأزمة المعيشية التي تواجهها الطبقات الكادحة، في ظل سياسات اقتصادية يُحمّلها النص مسؤولية تعميق الفقر والاستغلال.

فخلال عقد واحد، تراجعت القيمة الفعلية للأجر الأساسي للعامل من نحو 232 دولاراً إلى قرابة 83 دولاراً شهرياً، ما جعل العمالة الإيرانية من بين الأقل كلفة على مستوى العالم، ودفع ملايين الأسر إلى حافة الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي.
وتتفاقم الأزمة مع استمرار تدخل المؤسسات الحكومية والأمنية في تحديد الأجور وتقييد زيادتها، بالتزامن مع توجيه جانب من موارد البلاد إلى مؤسسات الحرس والقطاعات المرتبطة به، الأمر الذي يجعل معالجة الأزمة، وفق رؤية النص، تتجاوز الحلول الجزئية والترقيعية.
غليان عمالي متزايد في مواجهة تدهور المعيشة
أدى الانخفاض الحاد في قيمة العملة الإيرانية إلى دفع الأجر الشهري الأساسي للعمال إلى نحو 80 دولاراً فقط، في وقت تجاوزت فيه تكلفة سلة المعيشة الدنيا 90 مليون تومان.
وبذلك، لا يكفي دخل العامل، وفق المعطيات المطروحة، إلا لتغطية نفقات نحو ثمانية أيام من الشهر، بينما تستمر الأجور في التراجع أمام ارتفاع الأسعار وتوجيه موارد البلاد إلى حرس النظام والتدخلات الإقليمية.
ويثير هذا التناقض بين الدخول المتآكلة وارتفاع تكاليف المعيشة حالة متزايدة من الاحتقان بين العمال وسائر الفئات الاجتماعية المتضررة.
انهيار تاريخي لقيمة الأجور ودخول العمال في دائرة الفقر المدقع
تشير التقارير المنشورة في وسائل الإعلام الإيرانية، ومن بينها صحيفة «توسعه إيراني»، إلى أن القيمة الدولارية للأجور شهدت تراجعاً كبيراً خلال السنوات العشر الماضية.
وبحسب هذه البيانات، انخفض الأجر الأساسي بنحو 2.7 ضعف خلال عقد، ليستقر عند حدود 83 دولاراً شهرياً.
ويضع هذا المستوى من الدخل العامل الإيراني أمام ظروف معيشية شديدة القسوة. ووفق المعايير المنسوبة إلى الاتحادات والكونفدراليات العمالية الدولية في النص، فإن الدخل اليومي الذي يقل عن 10 دولارات يدخل في نطاق الفقر المطلق، فيما يشير الدخل الذي يقل عن 5 دولارات يومياً إلى مستويات مرتبطة بالمجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد.
وبحسب الطرح الوارد، تنطبق هذه المؤشرات على شريحة واسعة من العمال الإيرانيين، في حين تحتل إيران المرتبة الثالثة عالمياً ضمن الدول ذات الأجور الأدنى، بمتوسط يبلغ نحو 85 دولاراً.
سياسة أجور مقيدة وغياب التنظيم النقابي المستقل
لا تقتصر الأزمة على تراجع قيمة الأجور، بل ترتبط أيضاً بآلية تحديدها.
فالمؤسسات الرسمية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للعمل، تلعب دوراً مركزياً في تحديد مستويات الأجور، وهو ما يصفه النص بأنه آلية تفرض أجوراً منخفضة وتخدم مصالح أرباب العمل والمؤسسات شبه الحكومية.
وبينما بلغت التكلفة التقديرية لسلة المعيشة الأساسية أكثر من 42 مليون تومان في نهاية العام الماضي، حُدد الأجر الأساسي عند نحو 16.625 مليون تومان، فيما لا يتجاوز إجمالي دخل العامل المتزوج الذي لديه طفل واحد قرابة 24 مليون تومان.
ومع غياب النقابات المستقلة وحرمان العمال من أدوات فعالة للتفاوض الجماعي، يجد العامل نفسه أمام قدرة محدودة على الدفاع عن مستوى دخله أو تحسين شروط عمله.
الغذاء والصحة في مرمى الأزمة المعيشية
أدى الانهيار المالي إلى انعكاسات مباشرة على حياة الأسر العاملة والمتقاعدين.
وتشير شهادات ناشطين نقابيين، بحسب النص، إلى انتقال عائلات كانت تنتمي إلى شرائح مهنية وطبقة متوسطة إلى مستويات أشد فقراً، مع اختفاء اللحوم الحمراء ومصادر البروتين والمواد الغذائية الأساسية من موائدها لفترات طويلة نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وفي المقابل، يوجه النظام، وفق الطرح الوارد، موارد مالية كبيرة إلى أجهزة الدعاية والتسلح والميليشيات الإقليمية وشبكات الفساد المرتبطة بـحرس النظام الإيراني، بينما يعاني ملايين العمال ومنتجي الثروة من نقص في مقومات الحياة الأساسية، بما في ذلك السكن الملائم والرعاية الصحية.
700 مليون دولار للميليشيات مقابل حرمان 12 مليون إيراني من الخدمات
وتبرز أوضاع المحافظات والمناطق المهمشة، مثل سيستان وبلوشستان وبوشهر والمناطق البختيارية، حجم الفجوة بين الثروات المتاحة ومستوى الخدمات المقدمة للسكان.
ففي بعض المناطق، يضطر الأهالي، وفق ما يورده النص، إلى نقل المرضى عبر الأنهار باستخدام زوارق بدائية، رغم ما تتمتع به البلاد من موارد طبيعية.
وفي الوقت نفسه، تُخصص مئات الملايين من الدولارات لتمويل أذرع النظام الإقليمية، ومن بينها مبلغ يُقدّر بنحو 700 مليون دولار، وهو ما يفاقم الشعور بالحرمان ويزيد من الغضب الشعبي تجاه طريقة توزيع الموارد الوطنية.
ويشير النص إلى أن نحو 12 مليون إيراني يعانون من الحرمان من خدمات أساسية، في صورة تعكس حجم التفاوت بين الإنفاق على المشاريع والأذرع الخارجية وبين احتياجات المواطنين داخل البلاد.
لماذا تفشل الحلول الجزئية؟
تُظهر المعطيات الواردة أن معالجة الأجور من خلال تعديلات محدودة داخل البنية الاقتصادية والسياسية القائمة لن تكون كافية، لأن الأزمة لا ترتبط، وفق هذا الطرح، بخطأ إداري مؤقت، وإنما بطبيعة نظام اقتصادي ريعي وفاسد يوجه جزءاً كبيراً من موارد البلاد نحو حماية السلطة وتعزيز أجهزتها الأمنية.
ومن هنا، يرى النص أن إنقاذ الطبقة العاملة يتطلب الجمع بين المطالب المعيشية والنقابية وبين الحراك الشعبي الأوسع، مع مواجهة آليات القمع والترهيب، وصولاً إلى تغيير سياسي شامل وإقامة جمهورية ديمقراطية تضمن العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
83 دولاراً شهرياً.. رقم يلخص مأساة الطبقة العاملة
إن وصول الأجر الأساسي للعامل الإيراني إلى نحو 83 دولاراً شهرياً يجسد، وفق مضمون التقرير، حجم التدهور الذي أصاب المستوى المعيشي للطبقات الكادحة.
فالفجوة المتزايدة بين الأجور وتكاليف الحياة تجعل العامل عاجزاً عن تأمين احتياجات أسرته الأساسية، بينما تستمر موارد البلاد في التوجه إلى الإنفاق العسكري والأمني والتدخلات الإقليمية.
ومع اتساع هذه الفجوة، يتحول الغضب الناتج عن تدهور الأوضاع المعيشية إلى عامل ضغط اجتماعي وسياسي متراكم. وبذلك تصبح المطالبة بالأجر العادل والحق في الحياة الكريمة، وفق رؤية النص، جزءاً من صراع أوسع من أجل التغيير السياسي والاجتماعي في إيران.








