میدل ایست اونلاین- نزار جاف:
السؤال لم يعد: هل إيران شرقية أم غربية بل: كيف انتقلت من رفض الشرق والغرب معا إلى رفض الغرب والاحتماء بالشرق؟
الخميني”لا شرقية ولا غربية” شعار انتهت صلاحيته عندما احتاج النظام الإيراني إلى الشرق؟
في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1982، في لقاء مع مجموعة من علماء الدين قال الخميني “منذ بداية ثورتنا، أخبرت دولتنا العالم كله أنها لا شرقية ولا غربية وقالت إنها لا تتلقى دعما لا من الاتحاد السوفيتي ولا من أميركا ولا أي قوى أخرى”، كما أكد في التاسع عشر من شهر سبتمبر/أيلول عام 1988 قائلا “لو تمكننا من تشكيل جيش قائم على أسس لا شرقية ولا غربية حقيقية وإسلام خالص ومنزه وخال من النفاق والخداع، فالثورة انتصرت”، لكن هل تحقق حلم مٶسس الجمهورية الاسلامية الايرانية بجعل “لا شرقية ولا غربية” أمرا واقعا في إيران؟
الخميني أراد من خلال الشعار المذکور أن يجعل من النظام قطبا ثالثا ولاسيما عندما أكد بكل وضوح “إذا خضعنا لأي من القوى، فسوف يعطوننا كل ما نطمح إليه، ولكن ماذا؟ سيعطوننا نفس الشيء الذي يعطونه لحيواناتهم، سيعطون نفس الشيء الذي يقدمونه لخدمهم، لكن إذا وقفنا وقلنا إننا لسنا شرقيين ولا غربيين؛ ليس لدينا مشاكل مع أي شخص، الجميع سيتنازل لنا وسيكون متقبلا لنعيش بشكل مستقل، كما سيكون لدينا أيضا علاقات معهم ولا نريد أن تكون لنا علاقات مع من لا يتقبلون هذا التعريف”، من الضروري هنا وبعد الذي أوردناه آنفا، أن نتناول هذا الشعار الذي أراد الخميني أن يجعله هوية للنظام.
لاغرو من أن الخميني قد أعلن من خلال الشعار المذكور، عن رفض التبعية للشرق والغرب على حد سواء، لكن وعندما ننظر للعلاقات التي نسجها النظام بعد عقود من تأسيسه، ولاسيما تلك التي تجاوزت حدود المألوف مع بكين وموسكو ووصلت إلى مستوى استراتيجي يتسم بالعمق، خصوصا وأن إيران وروسيا وقعتا في يناير/كانون الثاني 2025 معاهدة شراكة استراتيجية شاملة تشمل التعاون في الأمن والدفاع والتنسيق على المستويين الإقليمي والدولي، ومع الصين بدأ تنفيذ خطة التعاون الشامل لمدة 25 عاما في 2022، وتشمل الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا وغيرها، فإن المسألة تسير بسياق واتجاه غير ذلك المرجو له.
لكن، قادة النظام الذين برروا العلاقات الاستثنائية مع روسيا والصين بأنها “تعاون متكافئ” وليست تبعية وإنه لا يوجد في العلاقات الدولية ما يمنع دولة مستقلة من إقامة شراكات استراتيجية، ولكن هل هذا هو “لا شرقية ولا غربية” الذي تحدث عنه الخميني، أم أن “لا شرقية ولا غربية” أصبحت تعني لا غربية؟
بالسياق الذي ذکرناه، من المفيد هنا أن نأخذ بنظر الاعتبار إعتماد النظام المتزايد على الصين في تصدير النفط وکذلك أهميته في مواجهة العقوبات الغربية هذا إلى جانب الشراکة الاستراتيجية مع روسيا والتعاون الأمني والاستراتيجي المکثف وبعد ذلك، الدور الروسي والصيني في الدفاع عن النظام في المحافل الدولية.
هذا وبحسب تقرير حديث لوکالة رويترز، فقد أصبحت الصين أکبر مشتر للنفط الايراني فيما تعمقت العلاقات الايرانية الروسية اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، وهنا من حقنا التساٶل إذا كان النظام لا يحتاج إلى شرق ولا غرب، فلماذا أصبح الشرق بهذه الأهمية في حساباته عندما تضيق عليه أبواب الغرب؟
الشرق الذي کان الخميني يحذر من الخضوع له ونوع ومستوى العلاقات التي حددها معه، وقمنا بمقارنة لغة الاستقلال في خطابه وبين لغة الشراکة الاستراتيجية في خطاب النظام الحالي، وهنا تكمن المشكلة بكل وضوح في الفجوة بين المبدأ الذي وضعه الخميني وبين درجة اعتماد النظام الحالي على الشرق.
وللتوضيح أکثر، فإن المادة 152 من الدستور لا تتحدث فقط عن شعار “لا شرقية ولا غربية”، بل تنص على رفض التسلط والخضوع له، والحفاظ على الاستقلال، وعدم الانحياز إلى القوى العظمى المتسلطة. والمادة 153 تحظر الاتفاقات التي تؤدي إلى السيطرة الأجنبية على الموارد أو الاقتصاد أو الجيش أو الثقافة وغيرها من جوانب الحياة الوطنية، فإن السٶال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يستطيع النظام أن يقنع الإيرانيين بأن توسيع الشراكات الاستراتيجية مع روسيا والصين لا يتعارض مع هذه المبادئ؟
وبطبيعة الحال فإن المشكلة ليست في أن إيران تتعامل مع الشرق، فهذا أمر طبيعي لكل دولة، وإنما في أن الشعار الذي كان يقدم باعتباره رفضا لأي اصطفاف مع القوى الكبرى انتهى عمليا إلى سياسة تتمحور بصورة متزايدة حول القوى الشرقية لمواجهة الغرب.
ولم يعد السؤال: هل إيران شرقية أم غربية بل: كيف انتقلت من رفض الشرق والغرب معا الى رفض الغرب والاحتماء بالشرق؟
ربما لو عاد الخميني اليوم، لما احتاج إلى أن يسأل أين ذهبت “لا شرقية ولا غربية”، يكفيه أن ينظر إلى موسكو وبكين ليدرك أن الشعار الذي أراد أن يجعله عنوانا لاستقلال الجمهورية الإسلامية قد أصبح، بعد عقود، بحاجة إلى تفسير جديد، فهل كانت “لا شرقية ولا غربية” مبدأ ثابتا، أم شعارا انتهت صلاحيته عندما احتاج النظام إلى الشرق؟








