الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد من السهل التعامل مع تصريحات كبار مسؤولي النظام الإيراني بشأن السلاح النووي ومضيق هرمز بوصفها مجرد تهديدات عابرة أو جزءا من حرب إعلامية. فعندما يتحدث مسؤول أمني رفيع عن أن امتلاك القنبلة النووية قد يكون “أرخص وأكثر فاعلية” من امتلاك أسلحة تقليدية متطورة، فإن المسألة تتجاوز التلويح السياسي إلى كشف منطق استراتيجي كامل: نظام يرى في السلاح النووي وسيلة لضمان بقائه، وفي التهديد الإقليمي أداة لابتزاز العالم.
وهذا بالضبط ما يجعل تصريحات محسن رضائي خطيرة. فالرجل ليس معلقا سياسيا من خارج منظومة الحكم، بل أحد أبرز رجال المؤسسة العسكرية والأمنية في الجمهورية الإسلامية، وقد تولى حديثا أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي. وقد هدد بالفعل بمنع خروج نفط الخليج إذا استمرت الضغوط الاقتصادية، فيما أبقى طهران على ورقة مضيق هرمز باعتبارها أداة للمساومة والضغط.
لكن الأخطر من تهديد هرمز هو ما يكشفه الحديث عن القنبلة النووية. فمنذ سنوات طويلة، حاول النظام تقديم برنامجه النووي باعتباره مشروعا سلميا، ثم دخل في مفاوضات واتفاقات وقدم تنازلات مرحلية، بينما بقي السؤال الأساسي مطروحا: لماذا يحتاج نظام يملك موارد هائلة من النفط والغاز إلى هذا الحجم من البنية النووية الحساسة؟
اليوم، تأتي تصريحات مسؤول أمني بهذا المستوى لتقدم الإجابة من داخل النظام نفسه. فإذا كان السلاح النووي، وفق هذا المنطق، هو “الأرخص” لضمان عدم مهاجمة إيران، فهذا يعني أن الغاية ليست إنتاج الطاقة ولا البحث العلمي، وإنما بناء قدرة ردع استراتيجية تحمي النظام وتمنحه هامشاً أكبر للابتزاز والمغامرة.
وهنا ينبغي الانتباه إلى خطأ شائع في قراءة المسألة: المشكلة ليست في أن النظام قد يقرر مستقبلا الاتجاه نحو السلاح النووي؛ المشكلة أن السلاح النووي كان، وفق مسار البرنامج وطبيعة التفكير الأمني للنظام، هدفا استراتيجيا ظل محاطا بالتكتم والمراوغة، وأن الظروف الحالية أسقطت جزءا من هذا القناع. فحين يشعر النظام بأن بقاءه مهدد، يصبح امتلاك السلاح النووي بالنسبة إليه ليس مجرد خيار عسكري، بل بوليصة تأمين سياسية لبقائه.
ومن هذه الزاوية تحديدا ينبغي فهم تهديدات هرمز. النظام الذي يلوح بالقنبلة النووية من جهة، ويهدد بمنع “قطرة نفط” من الخليج من الخروج من جهة أخرى، لا يتصرف كدولة تبحث عن تسوية مستقرة، وإنما كسلطة تحاول تحويل مصادر الخطر عليها إلى أدوات لابتزاز الآخرين. وقد أكدت التصريحات الأخيرة أن طهران تربط فتح المضيق بتغيير الموقف الأميركي وقبول شروطها.
إنها معادلة شديدة الوضوح: ابقوا النظام، يبقى التهديد؛ اضغطوا عليه، يلوح بالنووي؛ حاصروه اقتصاديا، يهدد بالطاقة؛ طالبوه بتغيير سلوكه، يهدد دول الجوار. ولذلك فإن المشكلة ليست في تصريح رضائي وحده، وإنما في المنظومة التي تنتج مثل هذه التصريحات وتحولها إلى سياسة دولة.
والأخطر أن بقاء النظام لا يعني بقاء برنامجه النووي فحسب، بل استمرار الذهنية التي أنتجته: ذهنية ترى أمن السلطة مقدما على أمن الشعب، وتتعامل مع المنطقة كساحة نفوذ، ومع الممرات الدولية كرهينة، ومع السلاح النووي كضمانة لبقاء الحكم.
لهذا فإن البحث عن حل للأزمة الإيرانية لا يمكن أن يقتصر على اتفاق نووي جديد أو صفقة مؤقتة حول مضيق هرمز. فالاتفاقات قد تجمد برنامجا لفترة، لكنها لا تزيل الدافع السياسي الذي يقف وراءه. وما دام النظام نفسه قائما، سيبقى احتمال إعادة بناء قدراته وابتزاز المنطقة قائما أيضا.
ومن هنا يصبح التغيير الداخلي في إيران هو جوهر الحل، لا مجرد أحد الخيارات. تغيير ينطلق من الشعب الإيراني وقواه الديمقراطية والمنظمة، وينتهي بإقامة نظام يضع أمن المواطن الإيراني فوق أمن السلطة، ويحترم سيادة الدول، ويتخلى عن مشروع التوسع والابتزاز، ويغلق نهائيا الطريق أمام تحويل البرنامج النووي إلى أداة لحماية الاستبداد.
فالقضية في النهاية ليست كيف نمنع النظام الإيراني من امتلاك القنبلة فحسب، وإنما كيف نمنع النظام الذي يريد القنبلة من الاستمرار في الحكم. وما دام هذا النظام باقيا، فإن التهديد سيبقى قابلا لإعادة إنتاج نفسه، بأسماء وأشكال مختلفة. أما إسقاط منظومة الاستبداد من الداخل وإقامة نظام ديمقراطي بديل، فهو الطريق الأكثر جوهرية لإنهاء التهديد من منبعه، لا الاكتفاء بمطاردته من نتائجه.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








