موقع المجلس:
يكشف تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في إيران عن الخطر الأكبر الذي يؤرق دوائر السلطة: تحول الفقر والتضخم والقمع وفقدان الثقة إلى موجة احتجاج واسعة. وبينما تحاول الحكومة التركيز على التهديدات الخارجية، تعترف أصوات من داخل النظام بأن السخط الشعبي المتصاعد بات تهديداً مباشراً للاستقرار، خصوصاً مع احتمال التقاء الغضب الجماهيري بحركة احتجاج منظمة.
إن أهمية هذا الاعتراف تكمن في توقيته. فالنظام يحاول منذ فترة تصوير الحرب والتهديدات الخارجية والصراعات الإقليمية باعتبارها القضية المركزية التي تواجه إيران، بينما تكشف التحذيرات الصادرة من داخله أن المعركة التي يخشاها أكثر من غيرها تقع في الداخل، حيث تتراكم آثار الفقر والتضخم والبطالة وانهيار القدرة الشرائية فوق عقود من القمع والفساد وغياب الحريات.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: النظام الذي استخدم الحروب والأزمات الخارجية وسيلة لحماية بقائه، ساهم بسياساته نفسها في خلق الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يخشى اليوم أن تتحول إلى وقود لانتفاضة جديدة.
الحرب يدفع ثمنها المواطن
لا يمكن فصل الانهيار المعيشي الذي يعاني منه الإيرانيون عن الخيارات الاستراتيجية التي اتبعها نظام ولاية الفقيه طوال عقود. فقد جرى توجيه موارد هائلة نحو البرامج العسكرية والصاروخية والنووية وأجهزة الأمن والقمع وسياسات النفوذ الإقليمي، بينما ظلت أزمات المواطنين الأساسية، من العمل والسكن والأجور إلى الطاقة والمياه والبنية التحتية، تتفاقم عاما بعد عام.
وجاءت الحرب الأخيرة لتضيف أعباء جديدة إلى اقتصاد يعاني أصلا اختلالات بنيوية خطيرة.
ولهذا فإن أزمة البنزين ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. فعندما تبحث السلطة عن معالجة اختلالاتها المالية من خلال رفع أسعار سلعة تمس بصورة مباشرة حياة عشرات الملايين، فإنها لا تتعامل مع رقم اقتصادي فحسب، وإنما تقترب من واحدة من أكثر النقاط حساسية في المجتمع الإيراني.
فالفقر وحده لا يصنع بالضرورة انتفاضة، لكن اجتماع الفقر مع غياب الأفق السياسي والقمع والإعدامات والشعور بانعدام العدالة يمكن أن يخلق وضعا اجتماعيا شديد الانفجار.
ولهذا فإن ما تسميه وسائل إعلام النظام «تراكم السخط» أخطر بالنسبة إلى السلطة من أزمة اقتصادية عابرة. إنه تراكم يمتد من المائدة الفارغة إلى الشعور بأن النظام نفسه أصبح العقبة أمام أي تغيير حقيقي.
تعلم السلطة من الانتفاضات السابقة أن الاحتجاجات في إيران لا تبقى بالضرورة داخل حدود المطلب الذي بدأت منه.
قد تبدأ بسبب البنزين أو الأجور أو البطالة أو مشكلة معيشية، ثم سرعان ما تتحول إلى شعارات سياسية عندما يربط المواطن بين معاناته اليومية وبنية السلطة التي أنتجتها.
ولهذا فإن الخوف الذي تعكسه تحذيرات «جماران نيوز» ليس في جوهره خوفا من ارتفاع سعر الوقود، بل من اللحظة التي تتحول فيها الأزمة المعيشية إلى حركة سياسية في الشارع.
ويفسر ذلك أيضا لماذا تعتمد السلطة، بالتوازي مع الحديث عن معالجة الاقتصاد، على تشديد القبضة الأمنية. فالنظام يدرك أن لديه مشكلة لا تستطيع الأجهزة الاقتصادية وحدها حلها، ولذلك يبقى جهاز القمع جزءا أساسيا من استراتيجيته لمواجهة المجتمع.
لكن القمع يستطيع تأجيل الانفجار، ولا يستطيع إزالة أسبابه.
العامل الجديد: الغضب ليس وحده في الميدان
وهنا تظهر مسألة أكثر خطورة في حسابات النظام. فإيران لا تواجه فقط مجتمعا غاضبا، وإنما توجد داخلها أيضا شبكات منظمة من وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
وهذا العامل هو الذي يمنح احتمالات الانتفاضة بعدا مختلفا.
فالتجارب التاريخية تظهر أن الغضب الشعبي، مهما كان واسعا، قد يتراجع تحت وطأة القمع إذا بقي مشتتا وعفويا. أما عندما يلتقي الاحتقان الاجتماعي بشبكات منظمة قادرة على الحفاظ على الاستمرارية والاتصال ونشر الشعارات السياسية وربط الاحتجاجات بهدف واضح، فإن المعادلة تصبح أكثر تعقيدا بالنسبة إلى السلطة.
ولهذا يركز النظام منذ سنوات بصورة خاصة على منظمة مجاهدي خلق ووحدات المقاومة، ويعامل الارتباط بها باعتباره تهديدا أمنيا شديد الخطورة.
إن وجود هذه الشبكات في المدن الإيرانية يعني أن النظام لا يستطيع النظر إلى الانتفاضة المقبلة باعتبارها مجرد انفجار عفوي يمكن تطويقه بإغلاق الإنترنت ونشر الباسيج واعتقال بضعة آلاف من المحتجين. فهو يخشى تحديدا التقاء الشارع الغاضب بالمقاومة المنظمة.
يدعو «جماران نيوز» إلى ترميم الثقة العامة وتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز الوحدة الوطنية. لكن مثل هذه الدعوات تصطدم بمشكلة أساسية: كيف يمكن استعادة الثقة مع الإبقاء على السياسات التي أدت إلى فقدانها؟
لا يمكن مطالبة المواطن بتحمل الفقر ثم إنفاق الموارد على سياسات الحرب والتسلح. ولا يمكن الحديث عن الثقة بالتوازي مع القمع والإعدامات وتقييد الحريات. ولا يمكن معالجة السخط الاجتماعي من دون معالجة أسبابه السياسية والاقتصادية.
إن النظام هنا أمام حلقة مفرغة: يحتاج إلى القمع لأنه يخشى الانتفاضة، لكن القمع نفسه يضاعف الغضب؛ ويحتاج إلى الموارد لتمويل أجهزته وسياساته العسكرية، لكن انتزاع هذه الموارد من المجتمع يزيد الفقر؛ ويستخدم التوتر الخارجي لحشد الداخل، لكن تكلفة هذه السياسة تزيد الأزمة الاقتصادية التي تهدد بتفجير الداخل.
إنها معادلة يصبح فيها كل علاج يستخدمه النظام سببا في تعميق مرضه.
الخطر الحقيقي بالنسبة إلى النظام ليس مجرد العقوبات أو الضغوط الخارجية، وليس فقط أزمة الموازنة أو سعر البنزين. الخطر الذي يقلقه هو أن تتجمع كل هذه الأزمات في لحظة واحدة في الشارع: الفقر مع الغضب، والقمع مع فقدان الخوف، والاحتجاج الشعبي مع التنظيم.
وقد تستطيع السلطة تأجيل رفع سعر البنزين، أو تقديم دعم مؤقت، أو تشديد الإجراءات الأمنية، لكنها لا تستطيع إلى ما لا نهاية تأجيل مواجهة التناقض الأساسي بينها وبين مجتمع يريد حياة مختلفة.
النار موجودة تحت الرماد؛ وما يخشاه النظام هو اللحظة التي يلتقي فيها الغضب الاجتماعي المتراكم مع حركة احتجاج واسعة وقوة مقاومة منظمة، فتتحول الأزمة المعيشية من مصدر للسخط إلى قوة سياسية تطالب بتغيير النظام نفسه.








