الحوار المتمدن- سعاد عزيز:
لم يعد نظام الولي الفقيه يواجه أزمة يمكن تجاوزها بمناورة سياسية أو موجة قمع جديدة، بل يجد نفسه أمام مأزق أعمق: الأدوات التي استخدمها طوال عقود لحماية بقائه بدأت تتحول إلى عوامل تستنزفه وتكشف هشاشته.
منذ إغلاق النظام أبواب التعددية السياسية في ثمانينيات القرن الماضي، ظل القمع ركيزته الأساسية في التعامل مع المجتمع. وكلما اتسعت الفجوة بين السلطة والشعب، لجأ إلى الاعتقالات والإعدامات، أو إلى تصدير أزماته عبر التدخلات الإقليمية. وقد مكنته هذه السياسة من شراء الوقت، لكنها لم تعالج أيا من أسباب الاحتقان؛ بل راكمتها.
حتى الحرب العراقية الإيرانية تحولت إلى أداة لتعبئة المجتمع وتكريس سلطة ولاية الفقيه. وحين أصبحت كلفة الحرب غير محتملة، اضطر النظام إلى قبول وقف إطلاق النار، في تراجع جسد، بلغة الخميني نفسه، “تجرع كأس السم”. وفي تلك المرحلة لعبت المقاومة الإيرانية وجيش التحرير الوطني دورا في الضغط على النظام وكشف هشاشته العسكرية والسياسية.
اليوم تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فالأزمة الاقتصادية لم تعد منفصلة عن الأزمة السياسية، والتدهور المعيشي يتزامن مع فقدان الثقة بالسلطة، فيما تتسع دائرة الاحتجاجات وتتزايد الانقسامات داخل مراكز القرار. وفي الوقت نفسه، لم يعد القمع قادرا على إعادة المجتمع إلى حالة الصمت التي عرفها النظام في مراحل سابقة.
وهنا تبرز أهمية المقاومة المنظمة. فالمشكلة التي يواجهها النظام ليست مجرد احتجاجات يمكن تفريقها بالقوة، وإنما وجود شبكات مقاومة، وفي مقدمتها وحدات المقاومة، تعمل على إبقاء روح الرفض حاضرة داخل المجتمع. وعندما يلتقي الغضب الشعبي المتراكم مع بنية منظمة قادرة على الاستمرار، تتغير طبيعة المعادلة: يصبح القمع وسيلة لتأجيل الأزمة، لا لحلها.
كما أن سياسة تصدير الأزمات إلى الخارج، التي منحت النظام في الماضي مساحة للمناورة، أصبحت اليوم عبئا اقتصاديا وسياسيا وأمنيا. فكلما اتسعت دائرة التدخل، ازدادت كلفة الحفاظ عليها، وكلما ارتفع مستوى التصعيد، أصبح النظام أكثر عرضة للعزلة والضغط.
المفارقة أن النظام لا يزال يملك أدوات قمع هائلة، لكنه يواجه مشكلة لا تحلها القوة وحدها: فقدان القدرة على إقناع المجتمع بأن مستقبله مرتبط ببقاء السلطة. وهذه هي النقطة التي تبدأ عندها الأنظمة الاستبدادية بفقدان توازنها، حتى لو بدت قوية من الخارج.
لذلك فإن الحديث عن “مأزق السقوط” لا يعني أن سقوط النظام بات تلقائيا أو وشيكا بالضرورة، بل يعني أن معادلة بقائه أصبحت أكثر كلفة وأقل استدامة. فكل خيار يلجأ إليه لمعالجة أزمة يفتح أمامه أزمة أخرى، وكل محاولة لإخماد الاحتجاج تترك وراءها غضبا أعمق.
لقد نجح النظام لعقود في شراء الوقت، لكنه لم ينجح في شراء المستقبل. واليوم، مع تلاقي السخط الشعبي والمقاومة المنظمة وتفاقم الأزمات الداخلية، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف يستطيع النظام تأجيل نهايته، بل إلى متى يستطيع تأجيلها.








