تظاهرات آلالف انصار مجاهدي خلق في برلین-
موقع المجلس:
يسعى النظام الإيراني، عبر إطلاق التهديدات العسكرية واستعراض قدراته الصاروخية والخطابات التصعيدية، إلى ترسيخ صورة توحي بأنه نظام قوي ومتماسك يملك زمام المبادرة في المنطقة. وتساعد بعض وسائل الإعلام، بدوافع سياسية أو نتيجة حسابات إقليمية، في تعزيز هذا الانطباع، من خلال تقديم التصعيد الإيراني بوصفه تعبيرًا عن الثقة بالنفس والقوة.
غير أن المشهد داخل إيران يعكس واقعًا مغايرًا تمامًا. فتصريحات مسؤولي النظام، وما تنشره وسائل إعلامه، إلى جانب التوترات المتزايدة بين أجنحته، تكشف أن نظام ولاية الفقيه يمر بأزمة استراتيجية خانقة، يمكن وصفها بالحالة التي لا يستطيع فيها المضي قدمًا ولا التراجع في الوقت نفسه.
فإذا اختار النظام السير نحو تسوية حقيقية مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، فسيجد نفسه مضطرًا إلى مناقشة ملفات يعتبرها جوهر بقائه، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، وشبكة الميليشيات التابعة له، إضافة إلى سياساته التدخلية في دول المنطقة. وهذه الملفات، في نظر القيادة الإيرانية، ليست مجرد أوراق تفاوض أو أدوات للسياسة الخارجية، بل تمثل ركائز أساسية لاستمرار النظام وترسيخ سلطته.
ومن هذا المنطلق، فإن التصعيد الحالي لا يعكس بالضرورة قوة النظام أو قدرته على فرض شروطه، بقدر ما يعبر عن عجزه عن تغيير نهجه. فهو يدرك أن أي تراجع في هذه الملفات ستكون له انعكاسات مباشرة على الداخل، إذ قد يؤدي إلى إضعاف قبضة الحرس والأجهزة الأمنية، وتقويض مناخ التعبئة والصراع الذي يعتمد عليه لإحكام السيطرة على المجتمع.
وقد تجلت هذه المعضلة بوضوح في موقف مجتبى خامنئي من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. فلو كان النظام يمتلك هامشًا حقيقيًا للمناورة، لاستغل ما تضمنته المذكرة من فرص لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية. غير أن رفض مجتبى خامنئي لها من حيث المبدأ يعكس خشية عميقة من التداعيات الداخلية لأي تراجع أو تنازل.
فهاجس النظام لا يقتصر على خسائره الخارجية، بل يتمثل أساسًا في ما قد يترتب داخليًا. إذ إن أي تراجع أمام الولايات المتحدة قد يضعف الصورة التي يحاول النظام ترسيخها عن نفسه، ويحد من قدرة الحرس على تبرير استمرار القمع وحالة الطوارئ، ويفتح المجال أمام عودة الاحتجاجات الشعبية.
وهذا ما يشكل مصدر القلق الأكبر لمجتبى خامنئي والحرس الإيراني في المرحلة الراهنة. فالمجتمع الإيراني يعيش حالة متنامية من السخط نتيجة تفاقم الفقر والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة والانهيار الاقتصادي. كما أن الأسباب التي أشعلت الانتفاضات السابقة لم تُعالج، بل ازدادت تعقيدًا واتساعًا.
وفي موازاة ذلك، تتوسع شبكات وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية داخل البلاد، وهو ما تؤكده أيضًا تصريحات مسؤولي الأجهزة الأمنية والعسكرية وأرقامهم الرسمية. ولهذا يواصل النظام تصعيد حملات الاعتقال والإعدام، لا سيما بحق الشباب الذين شاركوا في الاحتجاجات أو تتهمهم السلطات بالارتباط بالمقاومة المنظمة.
ويعي النظام أن الخطر الحقيقي على بقائه لا يأتي من الخارج وحده. فالصواريخ والغارات والعقوبات، رغم ما تسببه من خسائر، لا تضاهي في نظره خطر اندلاع انتفاضة شعبية منظمة تحمل مشروعًا سياسيًا واضحًا للتغيير.
ومن هنا تتجلى المفارقة؛ فالحرب، رغم ما تمثله من تهديد، توفر للنظام مبررًا لتشديد القبضة الأمنية وتعبئة المجتمع. أما السلام الحقيقي، بما يستلزمه من التخلي عن سياسات التوسع والصدام، فقد يفقده أهم الأدوات التي يعتمد عليها لإحكام السيطرة على الداخل.
وقد واجه الخميني وضعًا مشابهًا في نهاية الحرب العراقية الإيرانية، عندما قبل وقف إطلاق النار واصفًا ذلك بـ”تجرع كأس السم”. إلا أنه كان يقود آنذاك نظامًا أكثر تماسكًا، يتمتع بقاعدة اجتماعية أوسع ومؤسسات أكثر استقرارًا. ومع ذلك، لجأ إلى مجزرة صیف عام 1988، التي أُعدم خلالها آلاف السجناء السياسيين، وكان معظمهم من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، في محاولة للحفاظ على توازن النظام.
أما اليوم، فإن نظام مجتبى خامنئي يواجه أوضاعًا أكثر هشاشة؛ فقاعدته الاجتماعية تضيق، والأزمة الاقتصادية تتفاقم، والانقسامات الداخلية تزداد حدة، فيما يزداد المجتمع استعدادًا للاحتجاج. لذلك تبدو كلفة “تجرع كأس السم” هذه المرة أعلى بكثير من قدرة النظام على تحملها.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن استخلاص ثلاث حقائق رئيسية. أولها أن النظام الإيراني، ما دام قائمًا، سيظل عاملًا رئيسيًا في إنتاج التوتر وعدم الاستقرار، لأن سياسات الحرب والتدخل الإقليمي بالنسبة إليه تمثل جزءًا من استراتيجية البقاء، وليست مجرد خيارات سياسية قابلة للتغيير.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن النظام فقد إلى حد كبير هامش المناورة الذي يسمح له بالانتقال إلى سياسة التهدئة أو تقديم تنازلات استراتيجية، إذ إن حالة الضعف التي يعيشها جعلته أكثر خشية من عواقب التراجع، لا أكثر استعدادًا للإقدام عليه.
وتبقى الحقيقة الثالثة والأهم، وهي أن معالجة الأزمة الإيرانية لا تتحقق عبر حرب خارجية تزيد من معاناة الإيرانيين، ولا من خلال سياسة المهادنة التي تمنح النظام مزيدًا من الوقت، وإنما عبر التغيير الذي يصنعه الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
ولهذا تبدو المرحلة الحالية بالغة الحساسية، إذ لا يكاد يمر يوم دون أن يحذر مسؤولون في النظام من احتمال اندلاع انتفاضة جديدة، في وقت تؤكد فيه الأجهزة الأمنية، رغم حملات القمع والإعدامات، استمرار نشاط وحدات المقاومة واتساع نطاقها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يحاول النظام إخفاءها خلف استعراضاته العسكرية واضحة؛ فالمعركة الأخطر بالنسبة إليه ليست مع الولايات المتحدة أو دول المنطقة، بل مع شعب يزداد غضبًا يومًا بعد يوم، ومع مقاومة منظمة تسعى إلى تحويل هذا الغضب إلى قوة قادرة على إحداث التغيير.








