تدخلات نظام الایراني في دول المنطقة-
وكالة حمورابي الاخبارية الدولية-د.سامي خاطر
آكاديمي وأستاذ جامعي:
في مشهد جيوسياسي يتسم بالسيولة والتوتر، تبرز السياسات الإقليمية للنظام الإيراني كعامل ضاغط ومؤثر في معادلات الأمن القومي العربي. ومع تصاعد حدة الهجمات والتهديدات التي تطال دولاً عربية عبر منظومات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية ، يجد المراقبون أنفسهم أمام نمط سلوكي ثابت يعتمد على “تصدير الأزمات” للخارج كآلية للبقاء في الداخل. هذا التوصيف لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى تراكمات من التجربة السياسية الممتدة على مدى أربعة عقود وسبع سنوات، والتي انتهت بقناعة لدى نخب سياسية عربية وازنة بأن هذا النهج بات يمثل تهديداً وجودياً للاستقرار الإقليمي.
جدلية البقاء وتصدير النار
تُظهر التقارير الميدانية والمؤشرات الاقتصادية أن النظام الإيراني يواجه استحقاقات داخلية متزايدة، سواء على المستوى الاقتصادي أو في ظل تنامي النشاط الشعبي المعارض. واستناداً إلى تحليل ” مركز الرصد الدولي للسياسات الإقليمية”، فإن النظام يسلك مساراً تصعيدياً ضد المحيط العربي كلما ضاق الخناق عليه داخلياً. استراتيجية التوتر هذه لا تفرق بين دول تبنت سياسات المواجهة وأخرى حاولت اعتماد مسارات الوساطة؛ فالنظام يبحث عن فضاءات حيوية خارج حدوده لتحويل الضغوط الداخلية إلى أزمات خارجية، مستخدماً وكلاءه في المنطقة كأداة لتمرير أجندته السياسية.
الموقف العربي: اصطفاف النخب ضد “سياسات الاحتواء”
في خطوة ذات دلالة سياسية عميقة، أصدرت أكثر من 120 شخصية عربية وازنة – تضم برلمانيين حاليين وسابقين ووزراء من دول عربية عدة – بياناً مفصلياً يدين السياسات العدوانية للنظام الإيراني. هذه الشخصيات، التي تمثل طيفاً واسعاً من التوجهات السياسية، خلصت إلى استنتاج استراتيجي مفاده أن سياسة الاسترضاء التي انتهجها المجتمع الدولي تجاه طهران لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من التمادي. يؤكد البيان بوضوح أن النزاع ليس مع الشعب الإيراني، بل مع “ديكتاتورية دينية” تضحي بمصالح المنطقة وأمنها من أجل ديمومة سلطتها. هذا الإجماع بين نخبة عربية عابرة للحدود يشير إلى تحول في الإدراك الاستراتيجي العربي؛ من محاولة استيعاب سلوك النظام إلى ضرورة مواجهته عبر رؤية بديلة ترتكز على دعم التطلعات الديمقراطية للشعب الإيراني .
خيار “لا للحرب ولا للاسترضاء”: نحو استراتيجية بديلة للتعاطي مع أزمة إيران
يركز التحليل الاستراتيجي لهذا الموقف العربي على فكرة جوهرية: رفض الخيارات الثنائية القاتلة. فالموقعون على البيان يدركون أن “خيار الحرب” الشاملة سيؤدي إلى تداعيات كارثية على المنطقة، بينما أثبتت “سياسة الاسترضاء” عجزها عن تغيير سلوك النظام. إن الحل – حسب وجهة نظر هذه النخب – يكمن في “الخيار الثالث “، وهو دعم المقاومة المنظمة في الداخل الإيراني . هذا الطرح يستند إلى قراءة ميدانية ترى أن النظام الإيراني يعيش حالة من الهشاشة خلف قشرة استعراض القوة، وأن نشاط “وحدات المقاومة” التابعة لمنظمة مجاهدي خلق في المدن الإيرانية هو مؤشر على أن الضغط الشعبي قد بلغ مستويات متقدمة لا يمكن قمعها بالأدوات التقليدية.
الآفاق الجيوسياسية: نحو رؤية استقرار بديلة
إن هذه التحركات السياسية، والممثلة في “اللجنة العربية الإسلامية لرفض تدخلات النظام الإيراني”، تضع المنطقة أمام استحقاق جديد. فالبيان لا يقدم مجرد إدانة خطابية، بل يضع خارطة طريق سياسية تقوم على ثلاثة محاور:
1. رفض التدخلات: تأكيد سيادة الدول العربية ورفض الوصاية أو التوظيف للميليشيات المحلية.
2. نزع الشرعية: تجريد النظام من غطاء “الاستقرار” الذي يحاول ترويجه، والتركيز على طبيعته كعامل لزعزعة الأمن.
3. دعم التغيير الديمقراطي: ربط أمن المنطقة باستقرار الداخل الإيراني وتحوله نحو الديمقراطية.
في الختام، يمثل هذا الموقف الجماعي نقطة تحول في الخطاب السياسي العربي تجاه طهران. إنه يعكس إدراكاً متنامياً بأن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق في ظل نظام يقتات على الأزمات، وأن الحل الجذري لا يكمن في هندسة توازنات القوى فحسب، بل في دعم المسارات التي تفضي إلى تغيير ديمقراطي حقيقي في إيران، كضمانة وحيدة لإرساء قواعد حسن الجوار والتعاون المشترك. إن هذا الصوت العربي الرصين يضع المجتمع الدولي أمام واقع جديد، حيث لم يعد ممكناً تجاوز إرادة شعوب المنطقة في رفض سياسات التمدد الإيراني، مهما حاول النظام تغليفها بشعارات أيديولوجية لم تعد مقنعة لأحد.








