الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-
صوت العراق – منى سالم الجبوري:
لم تعد المواجهة الدائرة بين النظام الإيراني والولايات المتحدة مجرد أزمة عابرة يمكن احتواؤها عبر جولة جديدة من المفاوضات أو اتفاق مؤقت، بل تحولت إلى معضلة وجودية تمس طبيعة النظام ذاته. فبعد الهجوم على السفن في مضيق هرمز، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، بدا واضحا أن طهران ما زالت تتعامل مع التصعيد بوصفه وسيلة لإدارة أزماتها الداخلية والخارجية، الأمر الذي يثير تساؤلا أساسيا: هل بات السلام بالنسبة لهذا النظام أكثر خطورة من الحرب؟
المشكلة الأساسية لا تكمن في رفض التفاوض من حيث المبدأ، وإنما في أن أي اتفاق جاد مع الولايات المتحدة سيحمل استحقاقات سياسية وأمنية يصعب على النظام تحملها. فالتوصل إلى سلام مستدام يعني، بصورة أو بأخرى، إعادة النظر في المشروع النووي، وتقليص دور الميليشيات والوكلاء الإقليميين، والتخلي عن سياسة تصدير الأزمات التي اعتمد عليها النظام طوال عقود باعتبارها إحدى ركائز بقائه. ولهذا فإن السلام لا ينظر إليه داخل دوائر السلطة بوصفه فرصة، بل باعتباره بداية لتآكل الأسس التي قامت عليها منظومة الحكم.
ومن هنا، لم يعد الخلاف داخل أروقة النظام يدور حول مبدأ التفاوض، وإنما حول الثمن الذي ينبغي دفعه. فهناك إدراك متزايد بأن العودة إلى طاولة المفاوضات لن تكون شبيهة بالمراحل السابقة، لأن الظروف الداخلية والإقليمية والدولية تغيرت بصورة كبيرة، وأصبحت هامش المناورة أضيق بكثير مما كان عليه في الماضي.
لقد استطاع النظام خلال السنوات الماضية تأجيل كثير من الاستحقاقات عبر سياسة شراء الوقت، مستفيدا من تغير الإدارات الأمريكية أو من الأزمات الدولية المتلاحقة. إلا أن هذه السياسة فقدت كثيرا من فعاليتها اليوم، بعدما تداخلت ثلاثة ملفات مصيرية يصعب الفصل بينها: مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، والبرنامج النووي، ودور الأذرع العسكرية التابعة له في المنطقة. ولم يعد ممكنا معالجة أحد هذه الملفات بمعزل عن الآخر.
والذي يبدو واضحا هنا إن القيادة الحالية في إيران تجد نفسها أکثر ميلا الى إستمرار التوتر من تقبل سلام دائم لأن الأخير سيضعها أمام استحقاقات داخلية لم يعد بالإمكان تأجيلها. فالحرب، رغم كلفتها الباهظة، تمنح النظام فرصة لتعبئة الداخل وتبرير القمع وتشديد القبضة الأمنية، بينما يفتح السلام الباب أمام أسئلة تتعلق بالاقتصاد والفساد والحريات ومستقبل الحكم، وهي أسئلة لا يملك النظام إجابات مقنعة عنها.
ولذلك، فإن الخطاب الرسمي ما زال يغلب عليه منطق التصعيد، حتى في المناسبات التي كان يفترض أن تدعو إلى التهدئة. فبدلا من إرسال رسائل انفتاح، تستمر الدعوات إلى الانتقام ورفع الشعارات العدائية، بما يعكس صعوبة انتقال النظام من عقلية الصراع الدائم إلى منطق التسويات السياسية.
في الوقت نفسه، لا تبدو الأزمة الاقتصادية مجرد نتيجة للعقوبات، بل هي انعكاس لبنية سياسية واقتصادية وصلت إلى حدودها القصوى. فالتضخم، وتراجع العملة، والبطالة، والاختلالات المالية، ليست سوى مظاهر لأزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الدولة وتوظيف مواردها في مشاريع عسكرية وأمنية على حساب التنمية الداخلية. ومن هنا، فإن أي اتفاق خارجي لن يكون كافيا لمعالجة هذه الأزمات ما لم يترافق مع تغييرات جوهرية في سياسات النظام.
ومن اللافت أن النظام يقف اليوم أمام وضع يختلف جذريا عما واجهه مؤسس الجمهورية الإسلامية. فقد قبل الخميني، في نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وقف إطلاق النار رغم وصفه بأنه “تجرع كأس السم”، معتبرا أن بقاء النظام يقتضي ذلك. أما القيادة الحالية، فتواجه ملفات أكثر تعقيدا وتشابكا، ولم يعد بالإمكان حسمها بقرار واحد أو بتنازل محدود، لأن الأزمة أصبحت تمس مجمل بنية النظام السياسية والأمنية.








