الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-
PANET |- بقلم: د. سامي خاطر:
تشهد الساحة الدولية حراكاً دبلوماسياً لافتاً تمثل في بدء تنفيذ مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، وهي خطوة أعادت إلى الواجهة نقاشات حادة حول فاعلية “دبلوماسية التهدئة”. وبينما تتجه الأنظار إلى احتمالات تخفيف العقوبات،
وضخ السيولة النقدية عبر الإفراج عن الأصول المجمدة، يبرز تساؤل استراتيجي: هل يمتلك هذا الانفراج الاقتصادي القدرة على انتشال النظام من مأزقه التاريخي، أم أنه مجرد “مسكن” مؤقت لن يغير من معادلة السقوط الحتمي؟
ما وراء الحصار: التوجيه الخاطئ للموارد كأداة للأزمة
ينطلق المحللون السياسيون، بمن فيهم موسى أفشار، من فرضية أساسية تفكك السردية القائلة بأن أزمة طهران المالية هي نتاج حصار خارجي فحسب. إن القراءة المتأنية لمسار الإنفاق الإيراني تشير بوضوح إلى أن النظام لا يعاني من “نقص الموارد” بقدر ما يعاني من انحراف في أولويات التخصيص.
فالتاريخ السياسي للنظام يؤكد أن كل دولار إضافي يتدفق إلى خزائن الدولة عبر صفقات رفع العقوبات لا يجد طريقه إلى شبكات الأمان الاجتماعي أو تحسين البنية التحتية، بل يُعاد ضخه مباشرة في شرايين أجهزة القمع الداخلي، وبرامج التطوير الصاروخي، والمشاريع النووية، فضلاً عن تمويل الأذرع العسكرية الإقليمية. إن هذه الاستراتيجية ليست خياراً عرضياً، بل هي ركيزة وجودية يرى فيها النظام طوق النجاة الوحيد للبقاء في السلطة، مما يجعل أي انفراج مالي مجرد وقود إضافي لاستمرار النهج العدائي، لا وسيلة لإصلاح الاقتصاد الوطني.
هندسة التفاهمات: شراء الوقت لا شراء الشرعية
إن التفاهمات الراهنة مع واشنطن لا تُمثل في جوهرها تحولاً بنيوياً في “عقيدة النظام”، بل هي محاولة ذكية لإدارة الأزمات في مرحلة انتقالية حرجة. يرى المراقبون أن النظام يسعى إلى تحقيق انتصار إعلامي لتعزيز صورته أمام أنصاره، وإيجاد هامش تنفس لمواجهة الانقسامات المتفاقمة داخل أجنحة السلطة، خاصة في ظل حالة “اللايقين” التي تكتنف مرحلة ما بعد الولي الفقيه علي خامنئي.
إلا أن هذا “الاستثمار في الزمن” يغفل حقيقة استراتيجية كبرى؛ وهي أن التناقضات بين النظام والمجتمع الدولي ليست تقنية أو قابلة للحل عبر البروتوكولات الدبلوماسية. إن الخلاف يكمن في طبيعة المشروع التوسعي للنظام، وهو ما أكدته تصريحات مريم رجوي حول ثبات النظام على استراتيجيته التسلحية. إن أي تفاهم لا يتطرق إلى هذه الملفات الشائكة يظل مجرد “هدنة تكتيكية” تفتقر إلى أي أفق لدمج إيران في النظام الدولي.
المتغير الحاسم: الداخل كبوصلة للتغيير
بعيداً عن أروقة الدبلوماسية الدولية، تظل الساحة الداخلية في إيران هي الفاعل الأكثر تأثيراً في صياغة المشهد القادم. لقد أثبتت انتفاضة يناير وما تلاها من حركات احتجاجية أن الأزمات الهيكلية — من تضخم متصاعد، إلى معدلات بطالة خانقة — قد تجاوزت حدود المعالجة عبر “الوعود الاقتصادية”.
إن رفع سقف التوقعات لدى المواطنين عبر تحسين مؤشرات الاقتصاد بشكل طفيف ومؤقت قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً؛ فعندما يصطدم الشارع الإيراني باستمرار الفساد المستشري وسوء الإدارة المزمن، تتحول الآمال إلى موجات غضب أكثر راديكالية. ومن اللافت أن التقارير الميدانية المستقلة ومنظمات الرصد الدولية تشير إلى أن حملات القمع والاعتقالات الواسعة لم تنجح في “تفكيك” روح المقاومة، بل على العكس، زادت من وتيرة نشاط وحدات المقاومة داخل المدن الإيرانية.
الخاتمة: حتمية المسار
إن المعادلة التي يواجهها النظام ليست مرتبطة بـ “المال” أو “العقوبات”، بل بـ شرعية الحكم. فالنظام قادر على شراء الوقت عبر الصفقات الخارجية، لكنه عجز تماماً عن شراء شرعية فقدها في الشارع. إن مستقبل إيران، وفقاً للتحليلات الاستراتيجية الرصينة، لم يعد مرتبطاً بما تقدمه العواصم الغربية من تنازلات، بل بإرادة التغيير التي يجسدها نضال الشعب الإيراني وقواه المنظمة. إن الرهان على التهدئة الخارجية كبديل للإصلاح الداخلي ليس إلا هروباً إلى الأمام، في مسار ينتهي حتماً عند استحقاقات التغيير التي لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.








