موقع المجلس:
تُعدّ إيران واحدة من أبرز الأمثلة على الكيفية التي يمكن أن يؤدي بها سوء الإدارة والفساد إلى تقويض إمكانات دولة غنية بالموارد. فعلى الرغم من امتلاكها ثاني أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم، إلى جانب احتياطيات نفطية ضخمة، فإنها ما تزال تواجه أزمة كهرباء مزمنة تؤثر في مختلف جوانب الحياة اليومية، وتعطل النشاط الصناعي، وتزيد من حالة السخط الشعبي. ومن المفترض أن تتمكن دولة بهذه الإمكانات من توفير إمدادات كهربائية مستقرة لمواطنيها، إلا أن الواقع مختلف؛ إذ أصبحت الانقطاعات المبرمجة والمتكررة للتيار الكهربائي ظاهرة معتادة خلال فصل الصيف، وامتدت تدريجياً إلى فصل الشتاء أيضاً. وقد أدى ذلك إلى تراجع إنتاج المصانع، وتكبد الشركات خسائر كبيرة، وارتفاع الضغوط على المستشفيات والخدمات العامة، فضلاً عن اضطرار الأسر إلى التكيف مع الانقطاعات المستمرة والمفاجئة.
ولا تعود هذه الأزمة إلى ندرة الموارد، بل إلى تراكم مشكلات هيكلية امتدت لعقود، من بينها الفساد، وضعف الاستثمار في البنية التحتية، والعزلة الاقتصادية، إلى جانب سياسات جعلت الأولويات العسكرية والأيديولوجية تتقدم على متطلبات التنمية والخدمات الأساسية.

تحليل اقتصادي: التضخم وحدود تأثير أي اتفاق مع الولايات المتحدة
يرى التقرير أن جذور الأزمة الاقتصادية والتضخم المرتفع في إيران ترتبط بطبيعة النظام السياسي وآلية إدارة الاقتصاد، حيث أدى توجيه الموارد العامة للحفاظ على السلطة وإضعاف المؤسسات المستقلة على مدى عقود إلى إعاقة بناء اقتصاد منتج وشفاف. ويؤكد التحليل أن المشكلات الاقتصادية لا يمكن اختزالها في العقوبات أو القرارات الظرفية، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببنية الحكم وآليات إدارته.
التضخم البنيوي | الأزمة الاقتصادية | يونيو 2026
اتساع الفجوة بين الطلب والإنتاج
شهد الطلب على الكهرباء في إيران نمواً مستمراً خلال السنوات الماضية نتيجة زيادة عدد السكان، والتوسع العمراني، واتساع النشاط الصناعي، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف. في المقابل، لم تواكب الحكومات المتعاقبة هذا النمو عبر الاستثمار الكافي في إنشاء محطات جديدة أو تحديث شبكة الكهرباء.
وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) وخبراء الطاقة الإيرانيين إلى أن العجز في إنتاج الكهرباء بلغ نحو 12 غيغاواط خلال فترات الذروة الصيفية في السنوات الأخيرة، بينما تتوقع تقديرات محلية أن يتجاوز هذا العجز 20 غيغاواط إذا استمرت الأوضاع الحالية دون إصلاحات جذرية.
ورغم إعلان السلطات امتلاك قدرة إنتاجية مركبة تبلغ نحو 95 غيغاواط، فإن القدرة الفعلية المتاحة أقل بكثير بسبب تقادم المعدات، وتأخر أعمال الصيانة، ونقص الوقود، وكثرة الأعطال الفنية، بحيث لا يتجاوز الإنتاج الموثوق خلال أوقات الذروة ما بين 70 و75 غيغاواط. وتعكس هذه الفجوة بين القدرة النظرية والإنتاج الفعلي سنوات طويلة من ضعف الاستثمار وتراجع كفاءة قطاع الكهرباء.
بنية تحتية مهملة مقابل أولويات إنفاق مختلفة
يتطلب قطاع الكهرباء استثمارات مستمرة لتطوير محطات التوليد، وتحديث شبكات النقل، واستبدال المحطات الفرعية، وإدخال التقنيات الحديثة لمواكبة الطلب المتزايد. إلا أن هذه المتطلبات لم تحظ بالاهتمام الكافي، رغم نمو استهلاك الكهرباء بمعدل يتراوح بين 4 و6% سنوياً خلال العقدين الماضيين. كما تعرضت مشاريع عديدة لتأخيرات طويلة أو بقيت غير مكتملة نتيجة سوء الإدارة، وتعقيد الإجراءات، والتدخلات السياسية.
وتُعد محطة سيريك للدورة المركبة في محافظة هرمزغان مثالاً واضحاً على ذلك؛ إذ واجه المشروع تأخيرات متكررة بسبب نقص التمويل والخلافات التعاقدية والمشكلات الإدارية، في الوقت الذي وُجهت فيه عائدات النفط والغاز إلى مجالات أخرى، مثل الإنفاق العسكري، والمؤسسات الأمنية، والأنشطة الإقليمية، وشبكات اقتصادية مرتبطة بالدولة.
وفي المقابل، تجاوز عمر كثير من المحطات الحرارية أكثر من ثلاثين عاماً، بينما لا يتجاوز متوسط كفاءتها نحو 39% وفق البيانات الرسمية، وهو معدل يقل عن كفاءة محطات الدورة المركبة الحديثة في العديد من الدول، ما يؤدي إلى استهلاك وقود أكبر مقابل إنتاج كهرباء أقل وزيادة الانبعاثات البيئية.
خسائر كبيرة في شبكة النقل والتوزيع
لا تقتصر الأزمة على إنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى شبكة النقل والتوزيع التي تعاني من ضعف الصيانة وتأخر التحديث. وتشير التقديرات إلى أن نسبة الفاقد الفني في الشبكة تتراوح بين 10 و13% من إجمالي الكهرباء المنتجة، بينما لا تتجاوز هذه النسبة في كثير من الدول المتقدمة 6%.
ويمثل هذا الفاقد كمية كبيرة من الكهرباء التي تُهدر قبل وصولها إلى المستهلكين، رغم استهلاك الوقود اللازم لإنتاجها، وكان من الممكن تقليل العجز عبر تحديث الشبكات دون الحاجة إلى إنشاء محطات جديدة، إلا أن تلك المشاريع ظلت مؤجلة بسبب محدودية التمويل وضعف التخطيط.
دعم الأسعار وغياب الإصلاحات
أدى استمرار دعم أسعار الكهرباء إلى خلق تحديات إضافية أمام تطوير القطاع، إذ أسهمت الأسعار المنخفضة في تقليص الموارد المالية المتاحة لشركات الكهرباء، والحد من قدرتها على تنفيذ أعمال الصيانة والتوسع. ورغم أهمية الحفاظ على أسعار مناسبة للمستهلكين، فإن غياب الإصلاحات الهيكلية جعل القطاع يعاني نقصاً دائماً في التمويل.
كما أسهم التضخم، وتراجع قيمة العملة المحلية، والعقوبات الدولية في رفع تكلفة استيراد المعدات الحديثة وتمويل مشاريع البنية التحتية، الأمر الذي زاد من تعقيد المشكلات القائمة.
تعدين العملات الرقمية والجدل حول توزيع الموارد
برز تعدين العملات المشفرة كأحد الملفات المثيرة للجدل في أزمة الكهرباء الإيرانية، حيث ألقت السلطات باللوم على عمليات التعدين غير المرخصة باعتبارها أحد أسباب زيادة الضغط على الشبكة الكهربائية.
لكن النقاش العام اتجه أيضاً نحو تقارير تحدثت عن حصول بعض مراكز التعدين الكبيرة على كهرباء مدعومة وامتيازات خاصة بفضل علاقاتها السياسية والأمنية، بينما تحمل المواطنون والمصانع أعباء تقنين الكهرباء. وبغض النظر عن مدى صحة جميع هذه الاتهامات، فإنها تعكس تراجع الثقة العامة في آليات توزيع الموارد، إذ يعتقد كثير من الإيرانيين أن جهات نافذة تحظى بمعاملة تفضيلية على حساب المواطنين.
أزمة الكهرباء والمياه في صيف 2026
مع ارتفاع درجات الحرارة خلال صيف 2026، واجه ملايين الإيرانيين انقطاعات متكررة للكهرباء إلى جانب نقص في المياه، وهو ما أعاد تسليط الضوء على هشاشة البنية التحتية. وبينما أرجعت الحكومة الأزمة إلى ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وتراجع المخزون المائي، يرى التقرير أن هذه العوامل كشفت مشكلات تراكمت نتيجة ضعف الاستثمار وسوء إدارة الموارد على مدى سنوات طويلة.
أزمة معيشية | انقطاع الكهرباء | يوليو 2026
الطاقة المتجددة… إمكانات كبيرة لم تُستثمر
تمتلك إيران مقومات كبيرة لإنتاج الطاقة المتجددة، إذ تتمتع بمعدلات مرتفعة من الإشعاع الشمسي في مساحات واسعة، إضافة إلى مناطق تتميز برياح مناسبة لإنتاج الكهرباء على نطاق واسع.
ورغم هذه الإمكانات، ما تزال مساهمة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء محدودة للغاية، في حين يعتمد القطاع بصورة شبه كاملة على الغاز الطبيعي. وقد أدى هذا الاعتماد إلى زيادة هشاشة المنظومة، إذ تتنافس احتياجات التدفئة في الشتاء مع احتياجات محطات الكهرباء على الوقود، ما يفاقم احتمالات حدوث نقص في الإمدادات حتى خارج موسم الصيف.
وتُرجع السلطات الإيرانية الأزمة بصورة متكررة إلى عوامل مثل ارتفاع الاستهلاك، أو موجات الحر، أو الجفاف، أو العقوبات، إلا أن التقرير يرى أن هذه العوامل لا تمثل سوى جزء من المشكلة، لأن دولاً تمتلك موارد أقل وظروفاً مناخية أكثر صعوبة نجحت في توفير كهرباء مستقرة بفضل التخطيط طويل الأمد والإدارة الفعالة.
ويخلص التقرير إلى أن جوهر الأزمة يكمن في تغليب الاعتبارات السياسية والأمنية على متطلبات التنمية الاقتصادية، حيث جرى توجيه جزء كبير من الاستثمارات بعيداً عن تطوير البنية التحتية، في وقت أسهم فيه الفساد واحتكارات الدولة وضعف المساءلة في تقليص فرص الاستثمار في قطاع الطاقة.
وبذلك، فإن أزمة الكهرباء في إيران لا تعكس نقصاً في الموارد الطبيعية، بقدر ما تعبر عن اختلالات هيكلية في الإدارة والسياسات العامة. ومن ثم، فإن استمرار انقطاع الكهرباء بالنسبة لملايين المواطنين يُنظر إليه بوصفه نتيجة مباشرة لتراكم هذه الاختلالات، وليس مجرد خلل فني أو ظرف مؤقت.








