الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-
موقع المجلس:
قبل ستة وأربعين عاماً أطلق روح الله الخميني مقولته الشهيرة: “الحرب نعمة”. ويطرح هذا الشعار تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان لا يزال يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية نظام الولي الفقيه، بوصفه وسيلة للهروب من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية عبر توظيف الخطاب السياسي والمذهبي.
وتكشف مراجعة مسار النظام خلال العقود الأربعة الماضية أن إشعال النزاعات الإقليمية، بل وحتى الدفع نحو مواجهات دولية، شكّل إحدى أهم أدواته للحفاظ على بقائه. ويعزز هذا الفهم تصريح سابق لعلي خامنئي، قال فيه إن عدم القتال في سوريا ولبنان واليمن سيجعل المواجهة تنتقل إلى طهران وهمدان وسائر المدن الإيرانية، في إشارة إلى اعتبار الصراعات الخارجية خط دفاع عن النظام في الداخل.
صناعة الحروب كوسيلة للبقاء
تلجأ الأنظمة الاستبدادية غالباً إلى الحروب الخارجية لصرف انتباه الرأي العام عن أزماتها الداخلية، وإحكام قبضتها الأمنية على المجتمع. ويندرج النهج الإيراني، وفق هذا الطرح، ضمن هذه المقاربة، إذ يعتمد النظام على تأجيج الصراعات الإقليمية لاحتواء الاحتجاجات الشعبية، وتشديد الضغط على المعارضة، وتعزيز سلطته في مواجهة التراجع المستمر في شرعيته وتفاقم الاحتقان الداخلي.
ومع انحسار العمليات العسكرية وتحول الاهتمام نحو مسودة تفاهم لا تزال غامضة وغير محسومة، عادت الملفات الاقتصادية والاجتماعية لتتصدر المشهد بقوة، بعدما تفاقمت أزماتها. وأمام هذا الواقع، يبدو أن النظام يجد نفسه أمام خيارين: إما الاستجابة للمطالب الشعبية المرتبطة بالأوضاع المعيشية والاقتصادية، أو العودة إلى توظيف أجواء الحرب وخطاب التعبئة لتأجيل الاستحقاقات الداخلية والالتفاف على الأزمات.
وتشير المعطيات، بحسب الكاتب، إلى أن نظام الولي الفقيه لا يبدو مستعداً أو قادراً على تلبية مطالب المواطنين، بل يواصل الاستثمار في خطاب الحرب والدعاية العسكرية، باعتبارهما وسيلتين لإدارة الأزمة الداخلية وإبقاء المجتمع منشغلاً بالمخاطر الخارجية.
انتقادات من داخل الإعلام الرسمي
في هذا السياق، انتقدت صحيفة “سازندگي” الحكومية، في عددها الصادر بتاريخ 30 يونيو/حزيران 2026، ما وصفته بازدواجية السياسات والرسائل المتناقضة في إدارة الملف الأمني والسياسي، معتبرة أن هذه الممارسات لا تعزز الردع، بل تزيد احتمالات سوء الفهم وتصعيد التوتر.
وأوضحت الصحيفة أن إدارة السياسة الخارجية والأمن القومي لا يمكن أن تقوم على الشعارات الانفعالية أو الخطابات المتشنجة، محذرة من أن الاعتماد على لغة التهديد أو إثارة الغموض بشأن أمن الملاحة البحرية قد يؤدي إلى توحيد المواقف الدولية ضد إيران بدلاً من تحقيق مكاسب سياسية.
كما رأت الصحيفة أن استمرار الرهان على التصعيد لا يعالج جذور الأزمة الحقيقية، والمتمثلة في تراجع الثقة العامة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وانخفاض مستوى الأمل الاجتماعي. وشددت على أن أي تصعيد عسكري ستكون له انعكاسات مباشرة على الاستثمار والإنتاج ومستوى المعيشة، مؤكدة أن الأمن القومي لا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل يشمل أيضاً الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي والثقة الشعبية، وداعية إلى اتخاذ قرار واضح بين خيار الحرب وخيار السلام بما يخدم المصالح الوطنية.
تصريحات تكشف طبيعة التفكير داخل النظام
ومن أبرز المؤشرات التي تعكس استمرار الرهان على توظيف الأزمات الخارجية، رغم الحديث عن تفاهمات سياسية، المقابلة التي بثتها منصة “إي كاش” الحكومية، حيث سأل المذيع النائب السابق مصطفى كواكبيان: إذا كان النظام يسعى إلى البقاء، فلماذا لا يعطي أهمية لرضا المجتمع؟
وجاء رد كواكبيان ليكشف، بحسب النص، جانباً من طبيعة التفكير السائد داخل بعض دوائر السلطة. فقد أوضح أنه شارك في اجتماع داخل “بيت الأحزاب” ناقش ضعف المشاركة الشعبية في الانتخابات، بعدما امتنع 51% من المواطنين عن التصويت، وأن الحاضرين بحثوا وسائل رفع نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية المقبلة.
وأضاف أنه عندما سأل أحد أعضاء المجلس المركزي عن الحل، جاءه الرد بأن النظام يعرف كيف يتصرف، موضحاً أن الفكرة المطروحة كانت دفع إسرائيل إلى شن هجوم جديد على إيران، لأن مثل هذا الهجوم، وفق ذلك التصور، سيدفع المواطنين إلى الالتفاف حول النظام. واعتبر كواكبيان أن هذا الطرح يعكس عمق الأزمة، إذ يقوم على استدعاء تهديد خارجي لتعويض غياب التأييد الشعبي.
رؤية المعارضة للمشهد
ويؤكد النص أن المعارضة الإيرانية كانت قد حذرت منذ أكثر من أربعة عقود من اعتماد النظام على صناعة الأزمات والحروب كجزء من بنيته السياسية، معتبرة أن التطورات الأخيرة أعادت التأكيد على هذه القراءة، ولا سيما خلال الأشهر الماضية.
وفي المقابل، يرى الكاتب أن ما أصبح خارج قدرة النظام على التحكم به هو الحراك الشعبي المتواصل داخل إيران، الذي يستحضر زخم انتفاضة يناير/كانون الثاني 2026، ويتمسك، وفق هذا الطرح، بمواصلة الاحتجاج وعدم التراجع حتى تحقيق تغيير جذري في بنية الحكم.
ويخلص النص إلى أن الأزمة التي تواجهها السلطة في إيران تتجاوز حدود الحرب والمفاوضات، وأن اللجوء إلى التصعيد العسكري أو الانخراط في مفاوضات سياسية لن يغير، في نظر الكاتب، جوهر المشكلة المتمثل في اتساع الفجوة بين النظام والمجتمع.








