مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارصراع النفوذ في طهران.. من خلافات النخبة إلى أزمة بنيوية

صراع النفوذ في طهران.. من خلافات النخبة إلى أزمة بنيوية

الاشتباکات بالایدي داخل البرلمان الایراني-

وكالة حمورابي الاخبارية الدولية-د. سامي خاطر
أكاديمي وأستاذ جامعي:
كيف تحوّلت الانقسامات الداخلية إلى أزمة حكم مفتوحة؟
لم تعد الخلافات داخل بنية الحكم في سلطة نظام الملالي الحاكم في إيران مجرد تباينات سياسية معتادة بين تيارات تتنافس على إدارة الملفات اليومية بل باتت تعكس أزمة أعمق تتصل بطبيعة السلطة وآليات اتخاذ القرار في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الداخلية والخارجية بصورة غير مسبوقة؛ فالسجالات التي تصدرت وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى أن التوترات لم تعد محصورة داخل دوائر صنع القرار المغلقة وإنما انتقلت إلى المجال العام، لتصبح جزءاً من المشهد السياسي اليومي.. هذا التحول يحمل دلالة مهمة؛ إذ أن الأنظمة السياسية ذات البنية المركزية تميل عادة إلى إدارة خلافاتها بعيداً عن الرأي العام حفاظاً على صورة التماسك والاستقرار.. وعندما تصبح هذه الخلافات علنية فإن ذلك غالباً ما يعكس تراجع قدرة المؤسسات على احتواء التناقضات الداخلية أو تأجيل انفجارها.

حادثة الإعلام الرسمي.. ما وراء الخطأ الفني
أحد أبرز المؤشرات على هذا المناخ المتوتر تمثل في الجدل الذي أعقب حذف أجزاء من رسالة الولي الفقيه أثناء بثها عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية قبل أن تُقدَّم تفسيرات رسمية تُرجع الأمر إلى خطأ تقني أو فني؛ غير أن حجم التفاعل السياسي والإعلامي مع الحادثة كشف أن المسألة تجاوزت حدود الخطأ المهني ؛ ففي الأنظمة التي تخضع فيها المؤسسات الإعلامية الرسمية لإشراف سياسي مباشر تصبح التفاصيل الإعلامية نفسها جزءاً من الصراع على النفوذ، ومن هذا المنظور فإن الجدل لم يكن متعلقاً بالنص المحذوف بقدر ما كان انعكاساً لحساسية المرحلة والصراع الدائر حول من يمتلك حق تفسير التوجهات السياسية المقبلة وتحديد أولوياتها، وقد تزامنت هذه الأزمة مع سجالات أخرى بشأن إيقاف بعض البرامج التلفزيونية المثيرة للجدل ما عزز الانطباع بأن المؤسسات الإعلامية تحولت إلى ساحة تعكس الانقسامات القائمة داخل مراكز القوة المختلفة.

انقسام متزايد حول إدارة السلطة
لا تزال المناقشات الجارية في الصحف ووسائل الإعلام الإيرانية تؤكد عن وجود تيارين رئيسيين داخل أروقة السلطات الحاكمة في نظام الملالي والأمر ليس بجديد لكن ذلك يتعمق حيناً بعد حين..؛ فالتيار الأول يدعو إلى قدر أكبر ممكن من البراغماتية السياسية والاقتصادية بهدف تخفيف الضغوط الداخلية وتقليل كلفة العزلة الخارجية.. بينما يتمسك التيار الثاني بخطاب أكثر تشدداً يقوم على رفض أي مرونة قد تُفسَّر باعتبارها تراجعاً عن الثوابت السياسية أو الأمنية، ولا يقتصر هذا الانقسام على المؤسسات التشريعية أو التنفيذية بل يمتد إلى مؤسسات إعلامية وأمنية واقتصادية الأمر الذي يفسر كثافة الاتهامات المتبادلة وارتفاع منسوب التخوين السياسي بين أطراف يفترض أنها تنتمي إلى المنظومة نفسها، ويعكس هذا الواقع حقيقة أساسية مفادها أن الخلاف لم يعد يدور حول الوسائل فحسب، بل حول تشخيص طبيعة الأزمة التي يواجهها نظام الملالي وكيفية التعامل معها.

الإنترنت بوصفه مرآة للصراع
مثّل الجدل المرتبط بإعادة فتح بعض خدمات الإنترنت الدولي نموذجاً واضحاً لهذا الانقسام.. فبدلاً من أن يُنظر إلى القرار باعتباره إجراءً إدارياً أو اقتصادياً يهدف إلى تخفيف الضغوط على المواطنين وقطاع الأعمال.. تحول إلى محور مواجهة سياسية بين مؤسسات مختلفة داخل النظام الإيراني، وكذلك فإن وصول الخلاف إلى حد التلويح باستجواب مسؤولين حكوميين بسبب تنفيذ قرارات تتعلق بإدارة الشبكات الرقمية يعكس وجود تباينات حقيقية بشأن مفهوم الأمن القومي نفسه.. فبينما تنظر بعض الجهات إلى الانفتاح الرقمي بوصفه ضرورة اقتصادية واجتماعية تعتبره أطراف أخرى مصدراً محتملاً للمخاطر السياسية والأمنية، وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين وبقدرة الاقتصاد على التفاعل مع الأسواق العالمية وأيضاً بمستقبل الاقتصاد الرقمي الذي بات أحد أهم محركات النمو في العالم.

الأزمة الاقتصادية كمسرّع للصراع
لا يمكن فهم حدة التنافس بين الأجنحة المختلفة بمعزل عن الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.. فارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية واتساع الضغوط المعيشية.. كلها عوامل تزيد من حساسية البيئة السياسية وتدفع مختلف التيارات إلى البحث عن وسائل لحماية مواقعها وتحميل خصومها مسؤولية الإخفاقات المتراكمة ، وفي مثل هذه الظروف تصبح الأزمات الاقتصادية أكثر من مجرد تحديات مالية؛ إذ تتحول إلى عامل يعيد تشكيل توازنات السلطة نفسها.. فكلما تقلصت الموارد المتاحة للدولة ارتفعت حدة التنافس بين مراكز النفوذ على إدارة تلك الموارد وتحديد أولويات توزيعها، ومن هنا فإن الصراع القائم لا يتعلق فقط بالسياسات بل يرتبط أيضاً بإدارة مرحلة تتسم بارتفاع الكلفة السياسية والاقتصادية للقرارات الحكومية.
تآكل الثقة داخل مؤسسات الحكم
الجانب الأكثر أهمية في المشهد الحالي يتمثل فيما تعكسه هذه الخلافات من تراجع نسبي في مستويات الثقة المتبادلة داخل دوائر الحكم .. فحين تنتقل الاتهامات والتشكيك إلى المنابر الإعلامية، وتتحول المؤسسات الرسمية إلى ساحات للصراع الرمزي والسياسي فإن ذلك يشير إلى وجود ضغوط تتجاوز الخلافات التقليدية بين التيارات المختلفة، ولا يعني ذلك بالضرورة اقتراب انهيار مؤسسات الدولة أو فقدانها القدرة على إدارة الأزمات لكنه يكشف عن تصاعد التحديات المرتبطة بالحفاظ على التماسك الداخلي في ظل بيئة سياسية واقتصادية معقدة ومضطربة.
مستقبل المشهد.. إدارة الأزمة أم تعميقها؟
تشير التطورات الأخيرة إلى أن نظام الملالي الحاكم في إيران يدخل مرحلة تتزايد فيها أهمية الصراعات داخل أوساط النخبة الحاكمة كعامل مؤثر في رسم السياسات العامة.. فبينما تسعى بعض الأطراف إلى تبني مقاربات أكثر مرونة للتعامل مع الضغوط الداخلية والخارجية في حين يتمسك آخرون بخيارات أكثر تشدداً باعتبارها الضامن الأساسي لاستمرار النظام السياسي . وفي المحصلة لا تبدو القضية مجرد خلافات سياسية عابرة بل تعكس تحدياً يتعلق بكيفية إدارة السلطة في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة.. فكلما ازدادت الضغوط على الدولة ازدادت أهمية التوافق الداخلي بين مؤسساتها.. وأما استمرار الصراعات المفتوحة فقد يؤدي إلى مزيد من التعقيد في عملية صنع القرار ويجعل احتواء الأزمات القائمة أكثر صعوبة في السنوات المقبلة، وعليه فإن المشهد الراهن لا يكشف فقط عن تنافس بين أجنحة متباينة فحسب بل يسلط الضوء على سؤال أعمق يتعلق بقدرة النظام السياسي على التكيف مع المتغيرات المتسارعة دون أن تتحول خلافاته الداخلية إلى عامل إضافي يفاقم أزماته البنيوية ويعجل بسقوط نظام الملالي إلى الأبد.