موقع المجلس:
تشهد عدة مدن إيرانية موجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية والمطلبية، يقودها متقاعدون وعمال وموظفون في القطاع الصحي، اعتراضاً على تردي الأوضاع الاقتصادية، وتأخر صرف المستحقات المالية، وتفاقم الضغوط المعيشية. وتؤكد هذه التحركات أن المطالب الاقتصادية أصبحت في صدارة المشهد الشعبي، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة، وهي عوامل سبق أن شكلت شرارة احتجاجات واسعة شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية قبل أن تواجهها السلطات بإجراءات أمنية مشددة.
وفي مدينة شوش، نظم مئات المتقاعدين المنضوين تحت مؤسسة الضمان الاجتماعي، بمشاركة عمال شركة هفت تبه لقصب السكر، تجمعات احتجاجية طالبوا خلالها بتحسين أوضاعهم المعيشية وصرف حقوقهم المالية. وندد المشاركون بالارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية والانخفاض المستمر في قيمة العملة الوطنية، معتبرين أن السياسات الاقتصادية القائمة ألحقت أضراراً جسيمة بالطبقة العاملة والمتقاعدين. كما أكد المحتجون عزمهم على مواصلة تحركاتهم إلى حين الاستجابة لمطالبهم القانونية والمعيشية.
وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني تحديات متزايدة، تتمثل في تباطؤ النمو، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع مستويات الدخل الحقيقي. وتشير تقديرات اقتصادية متداولة إلى احتمالات انكماش اقتصادي ملحوظ خلال العام الجاري نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها تراجع الإيرادات النفطية، والمشكلات الهيكلية المزمنة، والعقوبات الدولية. وقد أدى ذلك إلى اتساع ظاهرة “العمال الفقراء”، حيث لم تعد الأجور قادرة على مواكبة الارتفاع المتسارع في تكاليف المعيشة.
وفي مدينة يزد، نفذت كوادر التمريض والعاملون في القطاع الصحي اعتصاماً أمام مبنى المحافظة يوم السبت، احتجاجاً على تأخر صرف مستحقاتهم المالية وبدلات خدمات التمريض منذ عدة أشهر. وطالب المشاركون الجهات المعنية بالإسراع في تسوية مستحقاتهم المتأخرة وتحسين ظروف العمل داخل المؤسسات الصحية.
كما انتقد المحتجون سياسة الاعتماد المكثف على ساعات العمل الإضافية الإلزامية لتعويض النقص في الكوادر البشرية داخل المستشفيات، مؤكدين أن الضغوط المهنية المتزايدة لم تعد تتناسب مع الأجور والمزايا التي يحصلون عليها، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة والاحتياجات الأساسية.
وعقب تسليم مطالبهم إلى مسؤولي المحافظة، أعلن عدد من المشاركين في الاعتصام أنهم سيواصلون تحركاتهم الاحتجاجية ما لم تتم الاستجابة لمطالبهم، مشيرين إلى احتمال اللجوء إلى خطوات تصعيدية جديدة في حال استمرار التأخير في صرف الرواتب والمستحقات المالية.
ويرى متابعون للشأن الإيراني أن تزامن هذه الاحتجاجات في أكثر من مدينة يعكس اتساع دائرة السخط الاجتماعي المرتبط بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية. ويشير هؤلاء إلى أن العديد من الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة بدأت بمطالب مرتبطة بتحسين الظروف المعيشية قبل أن تكتسب أبعاداً سياسية أوسع نتيجة غياب الحلول الفعالة واستمرار الأزمات الاقتصادية.
ورغم الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات خلال موجات الاحتجاج السابقة، لا تزال التحديات الاقتصادية والاجتماعية قائمة، بل إن مؤشرات عدة توحي بتفاقمها مع استمرار التضخم وارتفاع معدلات البطالة واتساع رقعة الفقر. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن استمرار الضغوط المعيشية قد يؤدي إلى زيادة وتيرة الاحتجاجات الشعبية خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا لم تُتخذ إجراءات ملموسة لمعالجة الأزمات الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين.








