صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لقصف موقع صواريخ بالستية في مدينة تبريز عاصمة محافظة أذربيجان الشرقية
ايلاف – فرامرز صفا:
تكشف الهدنة الهشة أن معركة إيران الحقيقية تجري في الداخل بين نظام يشتري الوقت وشعب يستعد لمواجهة أشد لاستعادة السيادة الشعبية.
“بين تفاوضٍ يشتري الوقت وحربٍ تُستخدم كغطاء، تبقى الحقيقة الأوضح: النظام يقاتل لتمديد عمره، والشارع يستعد لمرحلة أعلى من المواجهة”
في هذه الأيام، ومع تصاعد الحديث عن “توقف الحرب” أو “العودة إلى الحرب” أو الدخول في حالة “لا حرب ولا سلم” بشروطها الخاصة، تبدو العناوين متزاحمة. لكن تحت هذا الضجيج تختبئ مسألة أبسط وأكثر حسمًا: بالنسبة إلى نظام ولاية الفقيه، القضية هي “حفظ البقاء” بأي ثمن، وبالنسبة إلى الإيرانيين، القضية هي إنهاء هذا النظام واستعادة السيادة الشعبية. لذلك فإن أي هدنة أو مفاوضات، مهما بدت مهمة على السطح، لا تغيّر جوهر الصراع بقدر ما تعيد ترتيب توقيته وأدواته.
هناك ثوابت لا تتبدل حتى في أشد اللحظات اضطرابًا. أولها أن مشروعَي “الشاه” و”الملا” يلتقيان، كلٌّ بطريقته، على تفضيل السلطة ولو على حساب خراب إيران: الأول في وهم استعادة حكمٍ قديم، والثاني في التشبث بحكمٍ قائم، وفي الحالتين يدفع الناس الثمن. وثانيها أن نظام ولاية الفقيه لا ينزعج من الحرب، بل يستفيد منها، خصوصًا من منطقة “لا حرب ولا سلم”: فهي تمنحه ذريعة أمنية لتشديد القبضة في الداخل، وتمنحه في الخارج هامش مناورة لشراء الوقت عبر التفاوض، ريثما يعيد بناء ما تضرر ويحدّ من الضربات.
في المقابل، فإن شعار المقاومة الإيرانية و”الحكومة المؤقتة”، منذ البداية، كان “السلام والحرية”. لكن المشكلة أن النظام، خصوصًا بعد فرض مجتبى خامنئي في موقع “الولي الفقيه“، لم يتخلّ عن ركائزه المعروفة: القمع في الداخل، وإشعال الأزمات في الخارج، والبرنامج الصاروخي، وشبكات الوكلاء. أي إن تغيير الواجهة لا يعني تغيير القاعدة. ومن هنا يصبح التفاوض بالنسبة إلى النظام أداة لالتقاط الأنفاس وتثبيت خطوطه، لا مدخلًا لتغيير سلوكه.
التحول الأهم في الداخل كان “انتفاضة كانون الثاني (يناير)” التي فتحت فصلًا جديدًا ووضعت المجتمع على عتبة تغيير. تلك الانتفاضة لم تكن حدثًا عابرًا، لقد كشفت، وفق معطيات متداولة وتقارير متابعة، أن الشارع قادر على إعادة إنتاج نفسه بالرغم من البطش. لذلك يحاول النظام اليوم، تحت مظلة الحرب أو “ظل الحرب”، أن يمنع التحاق موجات جديدة من الشباب الغاضب بدينامية الانتفاضة عبر سياسة الإعدامات المتسارعة والسجون والتهديد. والإعدامات المتتالية بحق ناشطين ومعتقلين على صلة باحتجاجات كانون الثاني (يناير) تُقرأ، في نظر كثيرين، بوصفها رسالة سياسية قبل أن تكون عقوبة: النظام يرى خصمه الحقيقي في الداخل، ويعرف أن التحدي الأخطر هو التحدي المنظم، لا مجرد الغضب العفوي.
ومن الخطأ الاعتقاد أن “المفاوضات” أو “الضغوط الخارجية” وحدها قادرة على إسقاط هذا النظام. الحرب قد تُضعفه، والضغط قد يفرض عليه تنازلات تكتيكية، والمساومات قد تُجمّد جبهة ما، لكن النهاية، إن حدثت، لن تُكتب إلا في الداخل، عبر الشعب وقواه المنظمة في الشارع. هذه هي النقطة التي يرتجف منها النظام: ليست الطائرات وحدها، بل الشارع حين يتحول إلى موجة منظمة، لها ذاكرة وتجربة وقدرة على الاستمرار.
الحرب الأخيرة فتحت على النظام أزمات إضافية فوق أزماته القديمة. فبحسب روايات متابعة، أحدث مقتل خامنئي فراغًا في قمة الهرم، ثم جاء تنصيب مجتبى وسط صراعات الأجنحة، ما جعل “الخلافة” عنوانًا لصراع مكتوم. وإلى جانب ذلك، تسببت الضربات بتدمير أو تعطيل أجزاء من البنية التحتية في محافظات عدة، من منشآت طاقة وجسور إلى مرافق صناعية ومنشآت دوائية ومطارات، مع ارتدادات اقتصادية واجتماعية مباشرة. وفي اقتصاد يعيش أصلًا على حافة الانهيار، تكفي أسابيع حرب لتضيف موجات بطالة جديدة، وتُعمّق الفقر والتضخم وتقلل القوة الشرائية، بينما تصبح صادرات النفط والبتروكيماويات والصلب وغيرها محل شك تحت ضغط الأمن والاضطراب.
المفارقة أن النظام لا يدفع كلفة الحرب من جيبه، بل يدفعها من جيوب الناس. وحين تُحمَّل الفاتورة للمجتمع، تتراكم المرارة بدل أن تختفي. لذلك فإن كل يوم يمر في ظل “لا حرب ولا سلم” هو يوم إضافي لرفع الضغط الاجتماعي إلى ما يتجاوز حد التحمل. ومع غياب قدرة فعلية على حل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية المتداخلة، لا يبقى للنظام سوى إدارة الوقت: تهويل إعلامي، وحديث عن “صمود” و”انتصار”، وإظهار هيبة مصطنعة، فيما تتحول البلاد تدريجيًا إلى دولة أمنية/ثكنة، لأن الرعب الحقيقي ليس من عودة الحرب فقط، بل من عودة الناس إلى الشارع.
في هذا السياق أيضًا، يضيف العامل الدولي ضغطًا مضاعفًا. فإدراج الحرس الثوري على لائحة الإرهاب الأوروبية في شباط (فبراير) 2026 لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل إشارة إلى أن مركز الثقل القمعي بات مكشوفًا دوليًا. كما أن مؤتمر 3 شباط (فبراير) 2026 في واشنطن، الذي عُرضت فيه معطيات عن خطط قيل إنها مُعَدَّة سلفًا لقمع الاحتجاجات ودور الأجهزة الأمنية فيها، وضع صورة النظام الأمنية تحت مجهرٍ أوسع. وهذه التطورات لا تُسقط النظام وحدها، لكنها تُضيّق هامش الاسترضاء وتُحرج من يراهن على “ترويض” نظام يتغذى على الأزمات.
الخلاصة أن ما بعد خفوت “لهب الحرب الخارجية” يفتح الباب أمام “المواجهة الأساسية” بين الشعب والنظام في مستوى أعلى: نظام أضعفته الضربات، ومجتمع يرى في توقف القصف فرصة لإعادة التنظيم. وفي هذا المشهد، يتسع المجال أمام القوى المنظمة في الداخل لالتقاط موجات جديدة من الشباب الغاضب وتحويل الطاقة الاجتماعية إلى قدرة فعل. وفي الوقت نفسه، سيكون على العالم، بحثًا عن أمنه، أن يدرك أن السلام لا يصنعه نظام يعيش على القمع والحروب بالوكالة، بل تصنعه إيران ديمقراطية غير نووية، تُعيد السلطة إلى الشعب وتختار التعايش بدل الابتزاز.
وفي جملة واحدة: النظام يقاتل لتمديد عمره “ساعة إضافية”، لكن الشارع يستعد لمرحلة أشد على النظام بعد انحسار الحرب. ومن هنا يتحدد محور المرحلة المقبلة: ليس أي هدنة تُعلن، بل ما إذا كان المجتمع سيحوّل لحظة الهدوء النسبي إلى مقدمة لموجة احتجاج أوسع، وهو ما يخشاه النظام أكثر من أي شيء آخر.








