الاحتجاجات الشعبیة في ایرن-
موقع المجلس:
في خضمّ الصراع على صياغة السردية عمّا يجري داخل إيران، يتصاعد النقاش حول معيار الأصالة والشرعية السياسية: من الذي يمثّل الشارع حقيقةً، ومن يكتفي ببناء صورة افتراضية عنه؟
وفي قلب هذا السجال، برزت قراءات من صحف غربية حاولت مقاربة جوهر المسألة بعيداً عن الضوضاء الإعلامية.
فقد كتب ديفيد جونز في صحيفة Daily Express اللندنية أنّ «الحركات الجادّة لا تحتاج إلى نفخٍ إعلامي، إذ تُثبت قوتها عبر التنظيم والتماسك، لا من خلال الأرقام والعناوين التي سرعان ما تصطدم بالواقع».
ويتابع موضحاً معيار المصداقية السياسية: «التنظيم قائم داخل إيران… فوجود شبكات داخلية بُنيت عبر الزمن وحُفظت بتكاليف باهظة يمنح أي حركة معارضة وزناً حقيقياً. وهذه المصداقية تُختبر تحت المراقبة والسجن وقسوة المقاومة اليومية».
تسلّط هذه القراءة الضوء على نقطة حاسمة: الشرعية لا تُقاس بترند مؤقت، بل بقدرة تنظيمية راسخة داخل المجتمع.
في المقابل، تناولت International Policy Digest ظاهرة موازية ووصفتها بـ«حرب ظل رقمية»، مشيرةً إلى أنّ «التقارير والتحليلات التقنية تُظهر أن الموجة الظاهرية الداعية إلى نظام الشاه في الفضاء الافتراضي ليست عفوية، بل حملة مُحكمة الإعداد».
وخلصت المجلة إلى أن الهدف من هذه الحملة هو «إحداث انقسام داخل صفوف المعارضة وتشويه رسالتها».
ووفق التقرير، لا يقتصر الخطر على العالم الرقمي، بل يمتد إلى الشارع. إذ ورد فيه أنّ «هذا الهجوم يعمل على مسارين متداخلين: اختراق الاحتجاجات ميدانياً، والتلاعب رقمياً بطريقة عرضها».
وأشار التقرير إلى واقعة في مشهد حيث «تسلّل أفراد يُعتقد أنهم بلباس مدني إلى تجمعٍ احتجاجي وردّدوا شعارات تمجّد رضا بهلوي»، لافتاً إلى أنّ شهود عيان رأوا في هذه التحركات «تدخلاً محسوباً يهدف إلى خلق مشهد بصري لحركة منقسمة، لا اندفاعاً عفوياً لحنين ملكي».
والمفارقة التي يبرزها التقرير أنّ الإعلام الرسمي الإيراني نفسه، عوض التركيز على «الحنين إلى نظام الشاه»، يوجّه خطابه نحو شبكات المعارضة المنظّمة وما يسميه «مراكزها التنسيقية»، في إقرار ضمني بأن مصدر التهديد الفعلي للنظام يكمن في البنية التنظيمية القادرة على الاستمرار.
ومن هنا تتضح المعادلة:
بين ضجيج المنصات الرقمية وصلابة التنظيم، وبين هندسة البدائل وبناء الشبكات الداخلية، تتشكّل ملامح الصراع السياسي في إيران.
فقطاع واسع من المحتجّين يعلن بوضوح رفضه الشكلين الوراثي والديني للحكم، ويؤطّر مطالبه ضمن رفض شامل لكل أشكال الاستبداد.
وعليه، فإن معركة إيران اليوم ليست صراع شعارات فحسب، بل صراع تنظيم وشرعية وتمثيل.
وإن كان التاريخ السياسي يعلّمنا درساً، فهو أنّ الحملات المصنوعة خلف الشاشات قد تصنع صورة، لكنها لا تصنع قوة، بينما التنظيم المتجذّر في الداخل هو من يفرض الوقائع.








