من انتفاضة يناير 2026 في ایران-
موقع المجلس:
لم تكن انتفاضة يناير 2026 محطة عابرة في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية، بل مثّلت منعطفًا مفصليًا في مسار المواجهة بين المجتمع الإيراني ونظام حكم الملالي. فقد أطلقت هذه الانتفاضة مسارًا جديدًا داخل بنية السلطة نفسها، مسارًا يتسم بالتفكك والتآكل وفقدان التوازن، بما يهدد الكيان العام للنظام، لا مجرد بعض رموزه أو تياراته.
فاليوم، لا تعكس صورة الحكم في طهران أي مظهر للقوة أو الاطمئنان، بل تكشف عن حالة من الارتباك والشلل والعجز عن اتخاذ القرار. ولم يعد الخوف من السقوط هاجسًا نظريًا أو احتمالًا بعيدًا، بل بات واقعًا ملموسًا يخيّم على قمة النظام وقاعدته معًا. ومع اتساع التصدعات الداخلية وتصاعد الصراعات بين مراكز النفوذ، يغيب أي خطاب جامع أو موقف حاسم قادر على احتواء الانهيار المتسارع.
ويتجلى عمق الأزمة البنيوية بوضوح في عجز خامنئي عن تحريك ما يُعرف بـ«الخواص» للدفاع عن النظام، وفي صمت المنابر التي اعتادت لعب دور التعبئة والدعاية. فهذا الصمت لا يمكن فهمه إلا كإقرار ضمني بفقدان السيطرة على المجتمع، وانهيار أدوات الهيمنة الرمزية والإيديولوجية.
أما الغضب الشعبي الذي تفجّر في يناير، فلم يكن انفعالًا آنيًا أو رد فعل عاطفيًا، بل نتاج عقود طويلة من القمع المنهجي، والنهب المنظم، والتجويع المتعمد، والإذلال اليومي. إنه غضب تاريخي بلغ حدّ اللاعودة، ولم يعد يقبل بأي حلول تجميلية أو شعارات جوفاء عن «احتجاجات قانونية» فقدت معناها ومصداقيتها في وعي الشارع الإيراني.
ولذلك، فإن لجوء النظام إلى القتل الجماعي لم يكن تعبيرًا عن القوة، بل دليلًا صارخًا على الذعر والعجز. وكما أثبتت الوقائع، لم تؤدِ هذه الجرائم إلى إخضاع المجتمع، بل دفعته إلى مرحلة جديدة يتصدرها هدف واضح: إسقاط النظام كخيار وطني جامع يتجاوز الفوارق الطبقية والجغرافية. وهكذا، تحولت فكرة السقوط من احتمال نظري إلى أفق ملموس، ومن شعار سياسي إلى وعي جمعي راسخ.
إيران اليوم تعيش على وقع عدٍّ تنازلي متسارع. فكل يوم جديد يحمل للنظام هاجس الانفجار المقبل، انفجار سيحسم الصراع التاريخي بين شعب يطالب بالحرية والكرامة، وسلطة لم يتبقَّ لها من أدوات الحكم سوى القمع وبث الخوف. تلك هي حقيقة المشهد الإيراني الراهن، وتلك هي ملامح المرحلة التي دخلها النظام دون إمكانية للعودة إلى الوراء.








