موقع المجلس:
يشهد الاقتصاد الإيراني مرحلة شديدة الحساسية مع عودة معدّلات التضخم إلى الارتفاع بوتيرة لافتة، وفقاً لأحدث بيانات رسمية. فقد كشف تقرير صادر عن مركز الإحصاء الإيراني لشهر نوفمبر 2025 عن قفزة كبيرة في معدّل التضخم السنوي ليصل إلى 40.4%، وهو المستوى الأعلى منذ مطلع عام 2024. كما سجّل التضخم النقطي 49.4%، ما يعني أن تكلفة المعيشة ارتفعت بنحو 50% مقارنة بالعام الماضي لسلة السلع والخدمات نفسها.

أزمة الغذاء: الضروريات تتحول إلى كماليات
أخطر ما في المشهد الاقتصادي الراهن هو الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية، باعتبارها الأساس في الاستهلاك اليومي للمواطنين. وتبيّن البيانات الرسمية أن أسعار الغذاء والمشروبات قفزت بنسبة 66.2% خلال عام واحد فقط.
وسُجّلت زيادات قياسية في عدد من الأصناف؛ إذ ارتفعت أسعار الفواكه والمكسرات بنسبة 108.3%، أي أكثر من الضعف مقارنة بالعام الماضي. كما طالت الزيادات السلع الأكثر ارتباطاً بقوت الإيرانيين اليومي، مثل الخبز والحبوب والخضروات ومنتجات الألبان والبيض والبقوليات، ما جعل الحصول على غذاء أساسي أمراً بالغ الصعوبة لكثير من الأسر.
كما شهد شهر نوفمبر أعلى معدّل تضخم شهري خلال خمس سنوات، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية وحدها بنسبة 4.7% خلال شهر واحد، ما يعكس الضغط المتزايد على القوة الشرائية للإيرانيين، لاسيما الفئات محدودة الدخل.

الفقراء يدفعون الثمن الأكبر
يؤكد التقرير الجديد أن التضخم لا يتوزع بالتساوي؛ فالفئات منخفضة الدخل هي الأكثر تضرراً. واجه العشر الأفقر من السكان تضخماً سنوياً بنسبة 41.7%، مقارنة بـ 39.5% للعشر الأغنى.
هذه الفجوة مدمرة اقتصادياً، حيث تنفق الأسر منخفضة الدخل حوالي 42% من إجمالي نفقاتها على الغذاء، وهو ضعف ما ينفقه العشر الأغنى (21%). ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بوتيرة أسرع بكثير من الفئات الأخرى، يصبح التضخم بالنسبة للفقراء أعلى هيكلياً وأكثر تدميراً، مما يجبر العديد من العائلات على تقليل أو إلغاء البروتين والألبان وحتى الحبوب الأساسية من وجباتهم.

سياسات النظام تعمق الجراح
تأتي هذه الضغوط التضخمية بعد أسابيع فقط من تطبيق النظام الإيراني نظام تسعير البنزين ثلاثي المستويات، والذي أدى لزيادة مباشرة في تكاليف النقل ومن المتوقع أن يغذي المزيد من ارتفاع الأسعار.
ورغم إصرار النظام على أن هذه الإجراءات تهدف لـ “إدارة الاستهلاك” و”حماية الرفاهية”، إلا أن الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع الاقتصادي تتسع. فقد نكث رئيس النظام، مسعود بزشكيان، بوعوده المتكررة بالحفاظ على استقرار أسعار البنزين. ورغم اعتراف بعض المسؤولين بارتفاع التكاليف، لم يتم تقديم أي سياسة جوهرية لحماية الفئات ذات الدخل المنخفض من التأثير الساحق للتضخم.
محركات التضخم الهيكلية
تستمر عدة عوامل أساسية في دفع الأسعار للارتفاع، منها: انهيار قيمة العملة (حيث وصل الدولار إلى 114,300 تومان)، العجز الهائل في ميزانية الحكومة (الذي يدفعها لطباعة النقود أو الاقتراض من البنك المركزي)، ورفع أسعار الطاقة (البنزين، الكهرباء، الغاز، الماء) ضمن سياسات حكومة بزشكيان، بالإضافة إلى الركود الهيكلي المستمر والعقوبات.
أزمة بلا استراتيجية
لا يترك تقرير مركز الإحصاء مجالاً يذكر للتفاؤل. فالتضخم الشهري يتسارع، والتضخم السنوي يرتفع مجدداً، والسلع الأساسية تزيد بمعدلات أعلى بكثير من المتوسط الوطني. وتشير كافة المؤشرات إلى استمرار الضغوط التضخمية في الأشهر المقبلة، مما يهدد الأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في ظل عدم فعالية سياسات النظام الحالية.








