موقع المجلس:
أظهرت مراجعة دقيقة للصحف الحكومية الإيرانية الصادرة يوم الاثنين 17 نوفمبر، صورة قاتمة للمشهد السياسي والاقتصادي في البلاد. فالإعلام الرسمي، الذي لطالما اعتمد التلميح، انتقل هذه المرة إلى المكاشفة العلنية بشأن عمق الأزمات التي تضرب النظام: من انهيار مشروع “الوفاق” السياسي، مروراً بفضائح مالية كبرى تهز القطاع المصرفي، وصولاً إلى عجز السلطة عن توفير الدواء والمياه.
أولاً: السياسة الداخلية… تفكك يتسارع و”حرب أجنحة” مفتوحة
تفكك داخل الحكومة واستقالة فياض زاهد
كشفت صحيفة توسعه ايراني عن أزمة داخلية حادة في حكومة مسعود بزشكيان، إثر استقالة الأكاديمي وعضو مجلس الإعلام الحكومي فياض زاهد، اعتراضاً على تعيين إسماعيل سقاب أصفهاني – أحد رموز التيار المتشدد في الحكومة السابقة – في منصب رفيع. ووصف زاهد هذا التعيين بأنه “اعوجاج” يعكس انحرافاً في المسار الحكومي.
هذا التطور دفع اللجنة السياسية لجبهة الإصلاحات إلى توجيه رسالة لمحمد خاتمي حذرت فيها من فشل استراتيجية دعم بزشكيان، مطالبة بإجراء “جراحة داخلية” و”النأي عن السلطة” لاستعادة الثقة الشعبية.
تحذيرات رسمية من انفجار وشيك
تجمع تصريحات المسؤولين والخبراء والإعلام الحكومي عند رسالة واحدة: الغضب الشعبي مقبل على الانفجار، وأجهزة القمع باتت عاجزة عن احتوائه.
استهداف رموز النظام: هجوم على نرجس سليماني
في تطور لافت، أفادت صحيفة هم ميهن بأن المتشددين وأنصار عمدة طهران علي زاكاني شنّوا حملة منظمة من “الشتائم والتخريب” ضد نرجس سليماني (ابنة قاسم سليماني وقائدة في مجلس المدينة)، بعدما انتقدت أداء البلدية. وقد وصفت الصحيفة الحدث بأنه “تطاول على ناموس سليماني”، ما يعكس حجم الصراع على النفوذ داخل البلدية، وتحوّل المعارك الداخلية إلى مستوى يستهدف حتى أبناء رموز النظام.
ثانياً: الفساد الاقتصادي… ثقوب سوداء تبتلع أموال الإيرانيين
كارثة “مؤسسة ملل” – 96 ألف مليار تومان في مهب الريح
تناولت صحيفتا آرمان ملي وستاره صبح ملف فساد ضخم يتعلق بـ مؤسسة ملل الائتمانية التي يديرها رجل الدين سيد أمين جوادي. فقد وصلت ديون المؤسسة وعجزها المالي إلى 96 ألف مليار تومان، فيما تتهم التقارير علي صالح آبادي – محافظ البنك المركزي السابق وسفير إيران الحالي في قطر – بأنه سهّل تحويل المؤسسة إلى بنك رغم مخالفاتها، ما اعتبر تواطؤاً مكشوفاً.
وأوضحت الصحف أن المؤسسة، التي بدأت من “شرفة متجر” بسيط في مشهد، تحولت إلى إمبراطورية فساد تتلاعب بالعملة وتستثمر في العقارات الفاخرة، بينما يضيع جهد المودعين سدى.

قطاع الدواء على حافة الانهيار
رسمت صحيفة هم ميهن صورة مأساوية لقطاع الصحة، مؤكدة أن 80% من الصيدليات مهددة بالإفلاس بسبب تراكم ديون منظمة الضمان الاجتماعي التي بلغت 7000 مليار تومان. وبحسب الخبراء، فإن لجوء الحكومة إلى بيع سندات مالية لسداد تلك الديون سيقود إلى “تضخم علاجي” يقضي على ما تبقى من الطبقة الوسطى.
مقابر العمال: 2000 قتيل و26 ألف مصاب في عام واحد
ذكرت صحيفة توسعه ايراني أن 2000 عامل لقوا حتفهم و26 ألفاً أصيبوا في عام 2024 فقط، نتيجة انعدام إجراءات السلامة في 70% من المناجم واستغلال العمال بعقود مؤقتة تفتقر إلى التأمين والحقوق الأساسية.
ثالثاً: البيئة… إفلاس مائي يهدد العاصمة
انتقد عالم الاجتماع والبيئة محمد فاضلي، عبر صحيفة بهار نيوز، مشروع الحكومة لنقل مياه البحر المحلاة إلى طهران. ووجّه للرئيس بزشكيان أسئلة مباشرة:
من هي الشركة المستفيدة من هذا المشروع الملياري؟
كيف يُبرّر نقل المياه لمسافة 1000 كيلومتر بينما تهدر طهران 35% من مياهها الصالحة للشرب بسبب شبكة الأنابيب المتهالكة؟
وخلص الخبراء إلى أن إيران تواجه “إفلاساً مائياً” حقيقياً، وأن الحديث عن نقل المياه ليس إلا ستاراً يخفي فساداً جديداً، وسط تحذيرات من اقتراب “يوم الصفر” الذي قد تنقطع فيه المياه عن العاصمة.
رابعاً: السياسة الخارجية… عبثية التخصيب وفشل المفاوضات
تساءلت صحيفة هم ميهن: “لماذا نستمر في مفاوضات لا تؤدي إلى شيء؟”. وانتقدت سياسة تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، معتبرة أنها لم تحقق أي رادع، بل زادت العقوبات وعمّقت العزلة الدولية.
وفي ستاره صبح، أكد الدبلوماسي السابق فريدون مجلسي أن “إيران غير مستعدة لأي حرب” في ظل الانهيار الاقتصادي والضغوط الداخلية، محذراً من أن “المفاوضات المسلحة” ليست سوى وهم لا يدرك حجم الضعف البنيوي للدولة.
الخلاصة
تكشف صحف 17 نوفمبر عن حالة تفكك عميقة في بنية النظام. فالحكومة مرتبكة ومخترقة، والفساد المالي يلتهم المليارات، والقطاع الصحي يواجه الانهيار، والأزمة المائية تقترب من مستوى الخطر، والصراع السياسي وصل حد مهاجمة رموز يحظون بقدسية داخل النظام. إنها صورة نظام يتآكله الفساد والصراعات من كل جانب، بينما يقف عاجزاً أمام غضب شعبي يقترب من لحظاته الحاسمة.








