موقع المجلس:
یواجه نظام الرعاية الصحية في إيران واحدة من أعقد أزماته منذ عقود، إذ بات النقص الحاد في الأطباء والممرضين يهدد بانهيار شبه كامل للمستشفيات والعيادات. فمن قاعات الطوارئ المكتظة في العاصمة إلى المراكز الريفية الفقيرة، يتزايد الضغط على الكوادر الطبية يومًا بعد يوم في ظل إدارة عاجزة وإهمال حكومي متعمد.

أرقام صادمة: عجز بعشرات الآلاف
تشير الإحصاءات الرسمية إلى نقص يقارب 100 ألف ممرض، وهو عجز ينعكس مباشرة على جودة الرعاية وأعباء العمل. فمعدل الممرضين في إيران لا يتجاوز 17 لكل 10 آلاف شخص، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 27.4. أما الأطباء فلا يتعدى عددهم 16 طبيبًا لكل 10 آلاف شخص، أي أقل بكثير من المعدلات المسجلة في الدول المتقدمة (30 إلى 50).
هذه الفجوة تترجم يوميًا في طوابير انتظار طويلة للمرضى، ونوبات عمل شاقة للممرضين، وأطباء مجبرين على خدمة عدة مستشفيات في آن واحد.

رواتب متدنية ونظام مأزوم
إلى جانب النقص الحاد، يعاني الأطباء والممرضون من ظروف اقتصادية مدمرة: رواتب هزيلة بالكاد تتجاوز 150 دولارًا شهريًا، ومدفوعات متأخرة، ورفض متكرر من شركات التأمين لتغطية التكاليف. رسوم الفحص الرسمي للطبيب العام في بعض أقسام الطوارئ لا تصل حتى إلى دولارين، بينما يحصل الطبيب فعليًا على جزء ضئيل من هذا المبلغ.
هذه الأوضاع، إلى جانب نقص الأدوية والمعدات وساعات العمل الطويلة، خلقت بيئة خانقة يصفها الأطباء بـ”غير الإنسانية”.
هجرة العقول الطبية
مع غياب الأمل في الإصلاح، تتسع موجة الهجرة بين الكوادر الطبية. ففي عام 2024 وحده، قدّم أكثر من 7,000 طبيب طلبات هجرة، فيما غادر آلاف الممرضين إلى الخارج. دول مثل قطر تجذب الكوادر الإيرانية برواتب عالية وظروف عمل مناسبة دون تعقيدات بيروقراطية، ما يجعل الهجرة الخيار الأكثر إغراءً.
إهمال متعمد وسياسات منحازة
شهادات العاملين في القطاع الصحي تكشف أن الأزمة ليست وليدة سوء الإدارة فحسب، بل نتيجة إهمال متعمد. فالنظام، على الرغم من وجود آلاف الممرضين العاطلين، يرفض توظيفهم، بينما يوجّه الموارد نحو أجهزته الأمنية وتدخلاته الخارجية بدلًا من تمويل الصحة العامة.
هذا النهج ترك المستشفيات تعاني من نقص كارثي في الكوادر، ودفع الأطباء والممرضين إلى اليأس، فيما أصبح المرضى عرضة لمخاطر متزايدة.
نحو انهيار لا رجعة فيه
إذا استمرت السياسات الحالية دون إصلاح جذري، فإن نظام الرعاية الصحية في إيران مهدد بانهيار شامل، يترك ملايين المواطنين بلا رعاية أساسية. الأزمة تجاوزت كونها مشكلة مهنية إلى كونها أزمة إنسانية كبرى، تكشف بوضوح كيف يدفع إهمال النظام بقطاع حيوي نحو الانهيار الكامل.








