إياد عبدالجابر: لم يثر أداء الأمم المتحدة في تاريخها منذ سنوات طويلة لحل قضايا في بقاع مختلفة من العالم حالة من الريبة والشك تجاه مبدأ حياديتها في التعامل مع أية قضية كالذي يشهده اليوم دورها في العراق المتمثل ببعثتها الأممية (يونامي)، وتحديداً في شخص رئيسها مارتن كوبلر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق.
فقد خلق كوبلر من خلال أدائه كمبعوث أممي العديد من علامات الاستفهام حول الاتجاه الذي تسير فيه منهجية الأمم المتحدة في التعامل مع القضايا الخلافية في العراق، لا سيما قضية اللاجئين من أفراد المعارضة الإيرانية الذين يسكنون مخيم أشرف.
فبعد توقيعه مع الحكومة العراقية في شهر ديسمبر من العام الماضي -بشكل إنفرادي ودون العودة لأصحاب الشأن من سكان المخيم المقدرين بنحو 3400 شخص- على اتفاق يقضي بنقل سكان أشرف من موقعهم في محافظة ديالى إلى مخيم آخر قرب مطار بغداد كمرحلة انتقالية لحين ترحيلهم إلى دول ثالثة وتوطينهم فيها، فقد شابَ مسلكياته كمسؤول أممي الكثير من التساؤلات خاصة بعد تأكيده على صلاحية المخيم الجديد للسكن ومطابقته للمواصفات الدولية، ليفاجأ سكان المخيم بما هو مغاير لذلك حيث انعدام البنية التحتية، وعدم توفر أساسيات الحياة كالماء والكهرباء والوقود..وغير ذلك من النقائص، إضافة لوجود الزواحف السامة كالأفاعي والعقارب وهو ما يهدد حياة سكانه بالخطر.
لم يقف كوبلر عند هذا الحد في طريقة تعاطيه المشبوهة مع قضية أشرف، بل ومع العديد من قضايا العراق العالقة عند هذا الحد، ليفجر المفاجأة بزيارته قبل بضعة أيام للعاصمة الإيرانية طهران واجتماعه بالمسؤولين هناك ليخرج بتصريحات جاء في بعض مضامينها بأن لـ “إيران دور بناء وداعم للأمن والاستقرار في العراق”، وغير ذلك من التصريحات التي اعتبرت بمثابة “المغازلة” لنظام الملالي في طهران الذي يعرف الصغير قبل الكبير في العراق بأنه عامل مؤسس لحالة انعدام الأمن والاستقرار في العراق، والتدخل في شؤونه بل ومحاولاته التي لا تعرف اليأس للهيمنة عليه في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية، ما جعله يسطر تاريخا طويلا من المعاناة لأبناء الشعب العراقي.
وربما لا يعدو كوبلر كونه مجرد موظف صغير في المنظمة الأممية التي تهيمن عليها قوى عظمى على رأسها الولايات المتحدة التي يرى كثير من المحللين بأنها تستخدم منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة وأفرادها في مخيم أشرف كورقة لمساومة طهران ودفعها للتفاوض حول برنامجها النووي، تارة من خلال “التعشيم” برفع اسم منظمة مجاهدي خلق من القائمة السوداء، وتارة أخرى بغض الطرف عن إنفاذ النظام الإيراني لإملاءاته وتعليماته فيما يتعلق بالتعامل مع سكان أشرف..
إلا أن أداء الرجل الذي وصل الأمر ببعض الشخصيات السياسية إلى الاستنتاج المبرر بتلقيه رشاً من مسؤولين إيرانيين وحكوميين عراقيين بدا مختلفاً بشكل كبير وواضح عن سابقه السيد (إد ميلكرت) الذي سعى للوقوف على مسافة متساوية من جميع الأطراف، والعمل على تطبيق مبادئ الأمم المتحدة الإنسانية بالدرجة الأولى سواء في قضية أشرف أو غيرها من قضايا العراق الشائكة والمعقدة.
زيارة كوبلر لطهران لا يمكن تمريرها دون دراسة أبعادها وتداعياتها، وإعادة النظر في توجهات وسياسة المنظمة الأممية التي يمثلها تجاه قضية مخيم أشرف، حيث تحوم الكثير من الشبهات في جدية عملية الحل لهذه القضية، والمسار الذي تتخذه، خاصة بعد التثبت من حقيقة استهتارهم ولعبهم بمصائر وأرواح سكان أشرف بعد زجهم في مخيم جديد يحمل مواصفات “السجن”، ونشرهم للآليات العسكرية ورجال الأمن بشكل مكثف، وكذلك من خلال التضييق عليهم بطرق شتى.
كما لا بد من الآن فصاعداً من أخذ سكان أشرف وحركتهم التحررية للحيطة والحذر في أشكال التعاطي والاستجابة لرغبات كوبلر ومن وراءه من مؤسسات وقوى، والتفكير في اللجوء إلى استخدام أدوات سياسية ودبلوماسية أخرى ربما تكون أكثر تأثيراً ونجاعة.








