من هنا بدأ المشروع الشيعي اللبناني في التقهقر
علي حماده :صرف النظر عن المحاضرة التلفزيونية للرئيس نبيه بري ليلة امس، وما تضمنت من قراءة خاصة جداً برئيس مجلس النواب لاحداث المرحلة الاخيرة، ولا سيما على مستوى المبادرة العربية، وهو العارف ان الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى لن يساجله من موقعه في اي نقطة ملتبسة او مغالطة تفوّه بها، يبقى الخلاف في لبنان جوهرياً. وهو خلاف بين لبنانين متناقضين لم تعد تنفع الجرعات العلاجية التقليدية للتصدي له.
فالخلاف حول الثلث المعطّل، والمثالثة غير الطبيعية في الحكم في ظل الصدع الوطني التاريخي، واكاد اقول الحضاري في البلاد هو خلاف يتعدى مسألة السلطة ليتصل بكيفية البقاء على هذه الارض اللبنانية الطيبة، وبمعنى الاستمرار في العيش تحت سقف واحد. هذه هي المشكلة التي يتعين على بري ان يعيها قبل غيره وهو المفترض به ان يكون وارث فكر الامام موسى الصدر وخليفته الامام محمد مهدي شمس الدين (مشكور غسان تويني الارثوذكسي لانه ذكّر بهما في حضرة شيعيين بارزين) – وقد رسّخا (بالنسبة الى الاول) انخراط الطائفة الشيعية في الحياة اللبنانية بعد طول تهميش، وعمقا (بالنسبة الى الثاني) انضمام الشيعة الى البناء اللبناني في اطار المشروع الوطني المتقدم على المشروع الاممي. وبري ابن مرحلة الصراعات الكبرى التي عصفت بلبنان وادت في النهاية الى تكريس تبعية بلاد الارز لنظام حافظ الاسد، ثم وهنا الاهم الى بدء استيلاء المشروع التوسعي الايراني على مقدرات الطائفة الشيعية، وصولاً الى استتباع كل القوى فيها لـ"حزب ولاية الفقيه" التابع تنظيمياً لماكينة نظام قائم في طهران.
من هنا بدأ المشروع الشيعي اللبناني في التقهقر: جزء من قواه تمت تصفيته خلال الحرب، والجزء الآخر الذي لا يزال يتمظهر من خلال موقع دستوري بارز جرى تفريغه تماماً من الداخل لاسباب ليس هنا مجال تعدادها، فغدت المرجعية الفعلية بيد ماكينة "حزب ولاية الفقيه" حامل مشروع الهيمنة الايرانية في قلب العالم العربي. وهو حامل مشروع اعادة صوغ الانسان الشيعي بضرب لبنانيته التاريخية واستبدالها بفكر دخيل على الاجتماع اللبناني ولا سيما منه الشيعي العاملي، بسلوك طريق بناء منظومة حياة "اسبارطية" فولاذية كاملة تسيطر على الفرد من المهد الى اللحد بالدين، والايديولوجيا، والثقافة، والتعليم، والطبابة، والاقتصاد، والتسليح، والتجييش، وتوزيع المال، بما جعل ويجعل من الدائرة الاجتماعية للحزب المذكور دائرة مقفلة حتى ضمن الدائرة الشيعية الاوسع! وباختصار، يعرف من يفترض فيه انه وارث الامامين الصدر وشمس الدين اين مكمن الخطر الاكبر على لبنان وعلى مستقبل الحياة فيه بدءاً من الحياة الشيعية المدنية أفردية كانت ام وطنية. والحال انه من المؤسف حقاً ان يكون كثيرون استسلموا امام اخطر المشاريع في تاريخ لبنان التي تخاطب الغريزة فتفجرها، وتدفع بكل تأكيد الحياة اللبنانية المشتركة الى الهاوية.
يستطيع اي كان ان يسرد من جانبه اي رواية، لكنه قطعاً لن يسرد حقيقة كاملة. والمهم هنا هو الخروج من زاوية "الحكواتية" الضيقة، للبحث في اساس المشكلة التي يجانبها كثيرون مع علمهم انها مطروحة اليوم اكثر من اي وقت مضى في زمن تتجمع فيه الغيوم فوق سماء لبنان والمنطقة، وفي وقت يدفع فريق لبناني الوطن الى المحرقة المؤكدة اداخلية كانت ام خارجية. هذه هي القضايا التي تهمنا اليوم قبل "حكايا القرايا".








