الخميس,2فبراير,2023
EN FR DE IT AR ES AL

مؤتمر إيران حرة 2021

مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

مريم رجوي: كارثة كورونا في إيران- يجب القيام بحماية الشعب الإيراني وصحته وأمنه ومستقبله

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

رسالة بمناسبة حلول السنة الإيرانية الجديدة

أحدث الاخبارأحدث الاخبار: ايران والعالمهذا هو الإسلام… التعددية المذهبية (4)

هذا هو الإسلام… التعددية المذهبية (4)

السياسة الكويتية –   الشيخ الدكتور تيسير التميمي:  عودة إلى حلقات الخلاف بين السنة والشيعة, فمن الحقائق المعروفة عن الإسلام ظاهرة التعددية المذهبية التي تنتج أفهاماً ورؤى متنوعة للنصوص الشرعية; تمثل في مجملها الفقه الإسلامي مهما اختلفت في ظاهرها, فدائرة الاجتهاد تستوعب الجميع . وتقوم هذه التعددية على الاعتراف بالتنوع في الانتماء المذهبي في الأمة أو الدولة التي تضم مجتمعاً أو أكثر, واحترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من اختلاف أو خلاف في الفروع الفقهية أو غيرها,

وإيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك في إطار مناسب وبشكل يحول دون نشوب صراعات مذهبية تهدد سلامة الأمة والسلم الأهلي فيها. ومفهوم التعددية المذهبية يتضمن الإقرار بأن أحداً لا يحق له نفي أو إلغاء رأي أحد, وضمان حرية التفكير والتعبير المذهبي في فهم النصوص من الأدلة التفصيلية في الكتاب والسنة للجميع, والمساواة في ظل سيادة القانون ووفق شروط الاجتهاد التي اجمع عليها الفقهاء عبر الحقب التاريخية المتفاوتة. ولا تعني الاختلافات بين المذاهب الإسلامية اختلافاً في جوهر النصوص التشريعية الثابتة في كتاب الله والصحيح من سنة رسوله “صلى الله عليه” وسلم, وإنما هي مجرد اجتهادات ظنية في الفروع لا في الأصول, وهي خلاصة آراء علمية توصل إليها الفقهاء والأئمة والمجتهدون من بعدهم ; إذ أنه ليس من حق أحد أن يحتكر فهم الإسلام أو تفسير نصوصه حسب طريقته وأسلوبه وفكره هو, ولا يجوز لأيٍّ كان مهما بلغ من العلم أن يدعي امتلاك الحقيقة الكاملة وحده في أية مسألة فقهية, أو فهم النص حسب ما يرتئيه , وإلاَّ فهذا هو الاستنساخ الفكري والفقهي المقيت وغير المفيد للأمة .

وليس من حق أحد أيضاً اتهام مخالفيه في الرأي بالخروج عن تعاليم السنة النبوية, أو الخروج من دائرة الدين والوقوع في حبائل الشرك والمشركين ! فهذا هو التعصب الأعمى الذي يعمي عن الحق, ويزيد ظلمة القلب والعقل. نشأت عند أهل السنة أشهر المذاهب الفقهية الإسلامية وأوسعها انتشاراً منذ القرن الثاني الهجري : الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والظاهري . وكانت بمثابة مدارس فقهية تلبي حاجة المسلمين الماسة لمعرفة أحكام دينهم, وظهرت مذاهب غيرها لكن لم يكتب لها الانتشار رغم أن أصحابها أئمة أعلام في علمهم وفقههم كابن جرير الطبري وغيره. وعند غير أهل السنة من الشيعة نشأت مذاهب أخرى, كالجعفرية والإمامية والزيدية والإباضية وغيرها. ولكل من هذه المذاهب جميعها أصوله وقواعده, وله مكانته عند المذاهب الأخرى, ومن أمثلة ذلك أن الفقهاء لم يوجبوا الحد على شارب النبيذ عملاً بشبهة خلاف أبي حنيفة, ولم يوجبوا الحد في زواج المتعة عملاً بشبهة خلاف الشيعة وابن عباس, (انظر “المنثور في القواعد الفقهية” للزركشي ص 135). هذا في الجانب الفقهي, أما الجانب العقدي فقد ظهرت فيه فرق ومذاهب كالأشعرية والمعتزلة والجهمية والشيعة (على تعدد فرقها وطوائفها), لكن التعامل مع هذه المدارس وآراء أصحابها اتصف بدرجة عالية من الحساسية لما تمثله من مكانة في الدين ; فهي تتناول أركان العقيدة والإيمان وتمس أسس التصور في هذا الدين, وموضوعها يتعلق بالغيبيات غالباً, وقليلاً ما يترتب على الخلافات فيها أثر في سلوك المؤمن وعمله في حياته الدنيا, يضاف إلى ذلك أن الخوض في هذه المسائل والتوسع في الخلافات والنقاشات, وإثارة الشبه والرد عليها ربما يؤدي إلى الجنوح عن مبدأ التوحيد والخروج عن سلامة الاعتقاد .

من ذلك مثلاً اختلافهم في حقيقة صفات الله تعالى, وفي مصير مرتكب الكبيرة, وفي مسألة خلق القرآن الكريم أو عدم خلقه, ومسألة الوجوب على الله تعالى. ولكن أهل السنة التزموا مذهباً واحداً فيها يعرف في كتب العقائد بمذهب أهل السنة والجماعة, وعدوا غيره منافياً لأصول العقيدة والإيمان, لما يترتب عليه من إخلال بكمال الألوهية. ورغم أن الإسلام دين التوحيد, ورغم أن هذه الحقيقة تميزه عن غيره ; إلا أن التعددية المذهبية لا تؤثر فيها ولا تدل على انقسام المسلمين وتفرقهم, بل هي أكبر دليل على وحدتهم وعقليتهم الفذة المتميزة وسعة مداركهم, وقدرتهم على ممارسة الحوار الفكري الديني المنظم فقدموا أروع مثال في تاريخ الفكر الإنساني على تقبل جميع الآراء واحترامها. وفي سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية لا يمكن إلغاء تلك المذاهب, فدمجها أو احتواؤها أو تذويبها أمر غير وارد لصعوبته واستحالة وقوعه, فالعقل يرفضه ومنطق الحكمة لا يقبله .

ورد أن الخليفة أبا جعفر المنصور أراد أن يلزم الناس بما لدى الإمام مالك “رحمه الله” من العلم ويفرضه عليهم ويمنع مخالفته ¯ وبالأخص كتاب الموطأ الذي يتضمن الأحاديث النبوية ¯ لكن الإمام مالك رفض ذلك وقال “يا أمير المومنين ; إن النبي “صلى الله عليه وسلم” كان في هذه الأمة, وإن اختلاف العلماء رحمة من الله, كلٌّ يتبع ما صحَّ عنده, وكلٌّ على هدى وكلٌّ يريد الله” مما يدل على أن تذويب الأفكار الاجتهادية أو تهميش أي مذهب أمر مرفوض, ولم يرد أيضاً في تاريخ الإسلام أن العلماء تجاهلوا رأياً أو حاربوا مذهباً, باستثناء مرة واحدة فريدة, فقد تجاهل العلماء والفقهاء مذهب العالم الفقيه والمجتهد المفكر المبدع ابن حزم, وما ذاك إلا لسبب قد يبدو معقولاً في زمانهم, لم يعتبروا رأيه وقوله في خلاف أو وفاق, وما ذاك إلا لأنه كان قاسياً شديد اللهجة في نقاشاته لهم ولآرائهم الفقهية, وهذا غير جائز ويخالف أدب العلم والعلماء الذي عهدوه والتزموه في خلافهم. ولكن الممكن والمطلوب هو الاتفاق على القواسم المشتركة التي تجمع بينها, والتسامح في شتى الفروع الفقهية ووجهات النظر المذهبية .

بل من الممكن لأتباع أي مذهب الأخذ برأي أي مذهب آخر في المسائل والفروع أو في بعضها, فقد ورد أن قاضي القضاة أبا يوسف “رحمه الله” تلميذ الإمام أبي حنيفة توضأ يوماً للصلاة, فأخبره أحدهم أن ماء الوضوء لم يكن طاهراً وفق مذهب أبي حنيفة, أما وفق مذهب الشافعي فهو طاهر, فصلى ولم يعد وضوءه . بل ورد أن الإمام أبا حنيفة قال: “عِلْمُنا هذا رَأْيٌ, فمن أتانا بخير منه أخذناه” انظر الإحكام لابن حزم 8/1077, وقال الإمام الشافعي “إذا صح الحديث فهو مذهبي”.ق (انظر الفتاوى للرملي 6/277), وقال أيضاً: “إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط”, (انظر نيل الأوطار للشوكاني 9/160) . ومن الشواهد على هذه التعددية المذهبية مثلاً : عاش الإمام أبو حنيفة في زمان الإمام مالك, وتتلمذ أحمد والشافعي على يد الإمام مالك ; لكنه استقل كل منهما باجتهاده ومذهبه, بل لقد جدد الشافعي مذهبه في معظم مسائله لما انتقل من العراق إلى مصر, فكثيراً ما ورد في المصنفات الفقهية “قال الشافعي في القديم ,… وقال في الجديد ….” وعاشت مدرسة الرأي مع مدرسة الأثر, فلم تنعزل إحداهما لظهور الأخرى, ولم تخش الثانية ذهاب خصوصيتها مع بقاء الأولى. أما في الفترات اللاحقة فقد شاع التعصب المذهبي البغيض لدى بعض أتباع هذه المذاهب; وأصاب أمة الإسلام في عصر التراجع والانحطاط وهنٌ وضعفٌ وركودٌ فكري, فأثر ذلك سلباً على الإسلام والمسلمين بظهور الفُرْقَة والتنازع والتناحر, وبتحميل النصوص الشرعية أكثر من معانيها وما لا تحتمل ; مما انعكس على وحدة الأمة. إن التعصب مهما كان شكله, ومحاربة فكر الآخر ورأيه, والعمل على فرض الآراء الشخصية بأي وسيلة لا يأتي بخير أبداً ولا يحقق إلا تمزيق الأمة وتفتيت وحدة المجتمع المسلم, وإضعاف الروح المعنوية لأبنائه, وخلق الفتن والصراعات والحروب العبثية, ويهدم كيان الأمة كله. فمن الخيارات الواجبة على الأمة الإسلامية كي تتوحد أن تحترم التعددية في الرأي والاجتهاد وتلتزمها وتعترف بها ما دامت قائمة على الأسس والمناهج الصحيحة. * قاضي قضاة فلسطين ورئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً وأمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس.