مانكيش نت- د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي:
تمثل منظومة الإعدامات في إيران الركيزة الهيكلية الأساسية التي تعتمد عليها السلطة السياسية لترهيب المجتمع واحتواء الأزمات البنيوية المتراكمة. وفي ظل تصاعد الاحتقان الشعبي وتآكل الشرعية السياسية، تشير تقارير منظومة الرصد الحقوقية الدولية إلى اعتماد غير مسبوق على المحاكمات الصورية والاعترافات المنتزعة تحت التعذيب المنهجي. هذا الاعتماد المفرط على الحلول الأمنية البحتة يعكس أزمة عميقة تعاني منها مؤسسات الدولة، حيث تحول القضاء من مرفق لتطبيق القانون إلى أداة سياسية مركزية لتفريغ الشارع من طاقاته الاحتجاجية عبر الإرهاب القضائي المباشر، متجاهلاً كافة النداءات الدولية والإقليمية التي تطالب بوقف نزيف الدم الممنهج.
جغرافيا الغضب الموحدة: اتساع رقعة العصيان المدني خلف الجدران
في تطور نوعي يعكس عمق التنسيق والاحتجاج ضد سياسات الاستبداد، دخل المعتقلون السياسيون في أربعة وستين سجناً موزعة على مختلف المحافظات الإيرانية في إضراب شامل عن الطعام، وذلك ضمن الأسبوع الواحد والأربعين بعد المائة من حملة ثلاثاء لا للإعدام. هذا الاتساع الجغرافي الواسع — الذي شمل سجوناً مركزية كبرى مثل إيفين وقزلحصار وسجون الأهواز وزاهدان ومشهد — يؤكد أن سياسات العزل والترهيب التي تمارسها إدارات السجون قد فشلت فشلاً ذريعاً في كسر الإرادة الجماعية للمعتقلمين. لقد نجح هذا الحراك في رسم خريطة وطنية جديدة للمقاومة السلمية تتجاوز الفوارق الجغرافية والعرقية، ليوحد السجون الإيرانية في جبهة واحدة ضد ماكينة الموت الحكومية.
أرقام دقيقة وتوثيق دولي: ماكينة الإعدام تحت المجهر العالمي
تؤكد المؤشرات الرقمية المستقلة تفاقم الأزمة الحقوقية بشكل غير مسبوق على الصعيد العالمي؛ إذ وثقت منظومة العفو الدولية تنفيذ ما لا يقل عن 2159 حكماً للإعدام خلال العام الماضي، في حصيلة هي الأعلى عالمياً بالنسبة لعدد السكان. وقد تجسد هذا القلق الأممي بوضوح في الدورة الـ 63 لمجلس حقوق الإنسان، عبر بيان مشترك لست وأربعين دولة أدان هذه الانتهاكات الجسيمة، متزامناً مع تنفيذ موجة جديدة من الإعدامات بحق معتقلي الانتفاضات الشعبية مثل علي همتي ومجيد نيك أنديش، إضافة إلى تصاعد خطورة إصدار أحكام إعدام جديدة بحق معتقلين آخرين كـ محمد أمين ماندني وسيروان شعباني. هذه الأرقام تفند بوضوح ادعاءات الإصلاح المزعومة داخل أروقة النظام.
المأزق الاستراتيجي للسلطة: بين كلفة الاستمرار وحتمية التغيير
يضع هذا الحراك الحقوقي الواسع سلطة الولي الفقيه أمام مأزق استراتيجي معقد وخيارات بالغة الصعوبة؛ فالتراجع عن سياسة الإعدامات يفسر في أدبيات الاستبداد على أنه ضعف قد يفتح الباب أمام موجات احتجاجية شعبية أوسع وأكثر راديكالية، بينما الاستمرار فيها يفاقم العزلة الدبلوماسية ويغذي الغضب المجتمعي الكامن. إن صمود المضربين عن الطعام على أعتاب اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام يثبت أن المعركة لم تعد محصورة خلف جدران الزنزانات المظلمة، بل تحولت إلى صراع وجودي شامل بين مجتمع يرفض الاستكانة وماكينة قمع تستنفد تدريجياً آخر أوراق شرعيتها وبقائها.
د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








