الاحتجاجات الشعبیة في ایران-
جريدة الأمة الإلكترونية – د. سامي خاطر.. أكاديمي وأستاذ جامعي:
مقدمة تحليليّة: تأصيل القمع وبنيّة الاستبداد-
في مشهد يعكس أزمة شرعية عميقة تعصف بأركان المنظومة الحاكمة في طهران، تواصل السلطة القضائية الدينية تصعيد وتيرة الأحكام القاسية والإعدامات السياسية الميدانية ضد معتقلي الاحتجاجات الشعبية.
فمع حلول عشية اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، أقدمت السلطات على تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بحق الشابين علي رضا سباهي (24 عاماً) وعلي رضا رئيسي (21 عاماً) في سجن دستجرد بمدينة أصفهان.
هذا التصعيد المنهجي لا يمثل مجرد إجراء عقابي تقليدي، بل يكشف عن استراتيجية بقاء تعتمد كلياً على الإرهاب المؤسسي لردع الحراك الشعبي المتصاعد وإخماد جذوة الانتفاضات المستمرة منذ يناير، مما يضع النظام أمام مأزق أخلاقي وسياسي على الساحة الدولية.
تفكيك البنية القضائية: محاكمات افتقدت لأدنى معايير التقاضي العادل
استندت الأحكام الصادرة في القضية المعروفة إعلامياً بـ”ساحة عليخاني” في أصفهان إلى تهم فضفاضة من قبيل “الحرابة” و”الإفساد في الأرض”،
وهي مصطلحات وظفها الجهاز القضائي تاريخياً لتجريم المعارضة السياسية وحماية بنية السلطة الدينية المطلقة.
لقد صدرت هذه الأحكام الجائرة عن قضاة عُرفوا بسجلهم القمعي مثل مرتضى براتي درجه ومحمد رضا توكلي،
وسط غياب تام لأبسط مبادئ المحاكمة العادلة. فقد حُرم المتهمون من حق اختيار محامين مستقلين،
وتم منع هيئات الدفاع الرسمية من الاطلاع على ملفات القضايا، الأمر الذي يكرس طابع الانتقام السياسي المنظم بعيداً عن سيادة القانون ومعايير حقوق الإنسان الدولية.
سجل الدم الممنهج: حلقة جديدة في سلسلة التصفيات الجسدية
لا يمكن قراءة إعدام الشابين سباهي ورئيسي بمعزل عن سياق أوسع من التصفيات الممنهجة التي طالت ملف “ساحة عليخاني”؛
حيث سبقهما تنفيذ حكم الإعدام بحق خمسة متهمين آخرين خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين، وهم:
عرفان إسفندياري، وغل محمد محمدي، وأمير حسين صفري، وأبو الفضل سباهي (ابن عم الشاب المعدوم حديثاً)، وقائم حسيني.
علاوة على ذلك، يواجه نحو 23 معتقلاً آخرين أحكاماً بالسجن بين خمس وعشر سنوات،
بينما ينتظر آخرون مصيرهم المجهول تحت طائلة أحكام الإعدام. هذه الأرقام المتصاعدة تؤكد أن المؤسسة القضائية الإيرانية تحولت بالكامل إلى أداة لكسر الإرادة المجتمعية عبر إراقة الدماء.
الموقف الدولي ومطالب المحاسبة: ضغوط حقوقية تتصاعد بوجه الصمت
في ظل هذه الانتهاكات الجسيمة، تصاعدت المواقف الدولية وأصوات الشخصيات السياسية المناهضة للسياسات القمعية،
حيث أدانت مريم رجوي بشدة هذه الجريمة اللاإنسانية، معتبرة إياها انتهاكاً صارخاً للعهود والمواثيق الدولية.
وقد دعت رجوي الأمم المتحدة وعموم الهيئات الحقوقية والدول الأعضاء إلى التدخل الفوري والجاد لإنقاذ السجناء السياسيين ومعتقلي الانتفاضة المحكوم عليهم بالإعدام.
كما شددت على ضرورة إنهاء سياسة الإفلات من العقاب، ومساءلة قادة النظام وقضاته أمام المحاكم الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية والتورط في إبادات جماعية على مدى خمسة عقود من الحكم المطلق.
الخلاصة الاستراتيجية: مأزق البقاء بين غضب الشارع وطوق العزلة الدولية
تؤكد المعطيات الراهنة أن لجوء النظام الإيراني المكثف إلى حبل المشنقة يعكس حالة من الذعر الاستراتيجي حيال تآكل ركائزه الأمنية والسياسية.
إن محاولة احتواء الغضب الشعبي عبر إرهاب الجسد وتصعيد الإعدامات لن تؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين المجتمع والسلطة، ودفعهما نحو مواجهات أشد ضراوة.
وفي المقابل، فإن استمرار هذا النهج يفرض على المجتمع الدولي تجاوز بيانات الشجب التقليدية نحو فرض آليات ردع فعالة،
لأن الصمت الحيال هذه الجرائم يشكل غطاءً غير مباشر لاستمرار آلة القمع والبطش بحق جيل بأكمله يطالب بالحرية والكرامة الإنسانية.








