الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
كلما ضاقت الدائرة حول النظام الإيراني، ازداد لجوؤه إلى سياسة اللعب على حافة الهاوية؛ يرفع راية التهديد بيد، ويمد يد التفاوض بالأخرى، وكأنه يريد أن يقنع خصومه بأنه ما زال صاحب المبادرة، فيما تكشف تحركاته المتسارعة أنه يبحث قبل كل شيء عن مخرج من مأزق تتشابك فيه الحرب مع الاقتصاد، والخارج مع الداخل، وبقاء النظام مع غضب شعبه.
فبينما يخرج المتحدثون العسكريون الإيرانيون بلغة التحدي، متوعدين الولايات المتحدة بالضربات والمفاجآت، ومؤكدين استعداد القوات المسلحة لمواجهة أي هجوم جديد، تتحرك الدبلوماسية الإيرانية في الاتجاه المعاكس تماما. فوزير الخارجية عباس عراقجي يتحدث عن الوسطاء، وينتظر الرد الأميركي، ويؤكد أن الحل التفاوضي هو الطريق للخروج من المأزق.
وهنا تكمن المفارقة التي تكشف جوهر الأزمة: النظام يريد أن يبدو قويا في اللحظة التي يبحث فيها عن مخرج.
إنها ليست ازدواجية عابرة في الخطاب الإيراني، بل تعبير عن مأزق حقيقي. فطهران تدرك أن استمرار المواجهة له أثمانه، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع الظهور أمام الداخل الإيراني بمظهر الطرف الذي تراجع أو اضطر إلى الاستسلام. لذلك تتمسك بالشروط في العلن، وتفاوض عليها في الكواليس، وتستخدم مضيق هرمز كورقة ضغط، بينما تبحث عبر الوسطاء عن تسوية تخفف عنها الحصار وتعيد إليها بعض أصولها المجمدة وتمنحها مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.
غير أن الورقة التي أرادت طهران تحويلها إلى مصدر قوة قد تتحول إلى عبء إضافي عليها. فمضيق هرمز ليس تفصيلا في مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، وإنما شريان أساسي للتجارة والطاقة العالمية. وكلما ذهبت إيران أبعد في تهديد حرية الملاحة وفرض مسارات وشروط على السفن، اتسعت دائرة الأطراف المتضررة من سياستها، وأصبحت القضية أكثر تدويلا، كما يظهر في التحرك الفرنسي داخل مجلس الأمن.
لكن الأخطر من كل ذلك أن النظام الإيراني لا يواجه أزمة خارجية فقط. فوراء ضجيج الصواريخ والتهديدات والتصريحات العسكرية يقف استحقاق داخلي لا يستطيع أي مضيق أو صاروخ أو مناورة دبلوماسية إلغاءه.
إن رفض الشعب للنظام، وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يجعلان أي تصعيد خارجي سلاحا ذا حدين. فقد يستطيع النظام توظيف المواجهة الخارجية مؤقتا لتعبئة جمهوره، لكنه لا يستطيع إلى ما لا نهاية أن يجعل الحرب بديلا عن معالجة أسباب الغضب الداخلي.
ولهذا تبدو طهران اليوم وكأنها تخوض سباقا مع الزمن: تريد وقف نزيف المواجهة من دون أن تظهر بمظهر المهزوم، وتريد التفاوض من دون التخلي عن خطاب القوة، وتريد تخفيف الضغط الخارجي قبل أن يتزامن ذلك مع انفجار الغضب في الداخل.
وهنا تحديدا تكمن خطورة المرحلة. فالمشكلة بالنسبة للنظام ليست في كيفية عبور أزمة هرمز فحسب، ولا في الوصول إلى اتفاق مع واشنطن، بل في كيفية منع تراكم الأزمات من التحول إلى لحظة سياسية واجتماعية تتجاوز قدرته على الاحتواء.
لقد اعتاد النظام الإيراني طوال عقود أن يشتري الوقت بالمناورة، ويواجه الأزمات بالتصعيد، ويعود إلى التفاوض عندما تصبح كلفة التصعيد مرتفعة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زال الوقت يعمل لمصلحة النظام، أم أن كل يوم إضافي من الأزمات يقربه أكثر من لحظة الانفجار؟
فحين يصبح التهديد وسيلة للتفاوض، والتفاوض وسيلة لتأجيل الأزمة، وتأجيل الأزمة وسيلة للبحث عن مخرج جديد، فإن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاك النظام خيارات كثيرة؛ قد يعني ببساطة أن هامش المناورة يضيق، وأن معركة البقاء بدأت تفرض نفسها باعتبارها المعركة الحقيقية.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون مضيق هرمز سوى عنوان للأزمة، بينما يبقى المضيق الأخطر أمام النظام هو ذلك الفاصل المتزايد بينه وبين شعبه.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








