آثار الدمار الذي خلفة الحرب في ایران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
كلما تضيق هوامش المناورة أمام النظام الإيراني، تتسع لغة التهديد. وكلما ازدادت أزماته تشابكا، ارتفع سقف الخطاب العسكري، وكأن النظام يحاول بالتصعيد الكلامي ترميم صورة الردع التي تتعرض للاهتزاز.
آخر هذه الرسائل جاء من الحرس الثوري، حين هدد المتحدث باسمه بأن أي هجوم أمريكي جديد سيقود إلى تغيير “نوعية الأسلحة” و”جغرافية الحرب”. وبمعزل عن مضمون التهديد، فإن دلالته السياسية واضحة: طهران تريد أن تقول إن قواعد الاشتباك لن تبقى كما كانت، وإن توسيع الحرب سيقابله توسيع لمسارحها وأدواتها.
لكن السؤال الأكثر أهمية ليس: إلى أي مدى يستطيع النظام أن يهدد؟ بل إلى أي مدى يستطيع أن يتحمل نتائج تهديداته؟
فهناك فارق جوهري بين امتلاك أدوات التصعيد وبين امتلاك القدرة الاستراتيجية على إدارة حرب مفتوحة. إيران تستطيع إلحاق أضرار ورفع كلفة المواجهة، لكن الحرب ليست مجرد صواريخ وطائرات مسيرة وأذرع إقليمية؛ إنها اقتصاد، واحتياطيات، وبنية تحتية، وجبهة داخلية، وقدرة على امتصاص الخسائر ومواصلة الحرب تحت ضغط متواصل.
وهنا تبرز المعضلة الإيرانية.
النظام لا يواجه خصما خارجيا فقط، بل يواجه تراكما هائلا من الأزمات الداخلية: اقتصادا مأزوما، تضخما وضغطا معيشيا، تراجعا في القدرة الشرائية، عقوبات مستمرة، وتآكلا في الثقة الشعبية. وفي الوقت نفسه، لم تنته أسباب الاحتقان الاجتماعي والسياسي التي فجرت موجات احتجاج متعاقبة خلال السنوات الماضية.
وهذا يعني أن أي حرب جديدة لن تجري فوق أرض سياسية واقتصادية مستقرة، وإنما فوق برميل أزمات متراكم.
الأخطر بالنسبة للنظام أن المجتمع الإيراني لم يعد مجرد متلق سلبيا للصراع. فقد راكمت قوى المعارضة والمقاومة المنظمة خبرة سياسية وتنظيمية وميدانية، وأصبح الصراع على مستقبل البلاد مرتبطا، بصورة متزايدة، ليس فقط بموازين القوى بين طهران وواشنطن، وإنما أيضا بموازين القوى داخل إيران نفسها.
ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن “تغيير جغرافية الحرب” يحمل مفارقة شديدة الدلالة. فالنظام الذي يلوح بتوسيع الحرب خارج حدوده قد يكتشف أن الجبهة الأكثر حساسية ليست بالضرورة خارج إيران، وإنما في عمق المجتمع الإيراني نفسه.
إن استراتيجية الردع تقوم على إقناع الخصم بأن كلفة الهجوم ستكون أعلى من مكاسبه. لكن الردع يفقد جزءا من فاعليته عندما تصبح كلفة التصعيد على صاحب التهديد نفسه مرتفعة إلى الحد الذي يهدد تماسكه الداخلي.
ولهذا، فإن التهديدات الإيرانية الأخيرة ينبغي قراءتها في مستويين متلازمين: رسالة ردع إلى الخارج، ومحاولة لإدارة أزمة الثقة والقوة في الداخل.
قد يملك النظام القدرة على فتح جبهات جديدة، وقد يملك وسائل مؤلمة للرد، لكن السؤال الاستراتيجي يبقى مختلفا: هل يستطيع تحويل هذه القدرة إلى انتصار سياسي، أم أن كل جولة تصعيد ستضيف طبقة جديدة إلى أزمته البنيوية؟
في النهاية، ليست قوة النظام في عدد التهديدات التي يطلقها، وإنما في قدرته على فرض معادلة سياسية جديدة دون أن تدفعه كلفة المواجهة إلى مزيد من التآكل الداخلي.
وهنا تحديدا يكمن الاختبار الحقيقي: هل يملك النظام الإيراني فائض قوة يخوله توسيع الحرب، أم أنه يعاني فائض تهديد لأنه يفتقر إلى فائض خيارات؟
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








