مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارايران على حافة الغليان: حين يعجز القمع عن إطعام الجائعين

ايران على حافة الغليان: حين يعجز القمع عن إطعام الجائعين

الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-

الحوار المتمدن- سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:

ليس أكثر تعبيرا عن مأزق النظام الإيراني من أن تتحول محطات الوقود إلى مواقع تستدعي الحضور الأمني، وأن يصبح سعر البنزين مصدر قلق سياسي، وأن تتحول العملة المنهارة إلى هاجس أمني، وأن تخشى السلطة من الشارع حتى وهي تملك واحدة من أكثر المنظومات الأمنية والعسكرية كثافة في المنطقة.
هذه ليست مجرد أزمة اقتصادية.
إنها اللحظة التي يبدأ فيها الاقتصاد بإنتاج السياسة.
فإيران تدخل خريف 2026 وهي تحمل فوق ظهرها تراكما هائلا من الأزمات. العملة تواصل الانحدار، والأسعار تضغط على الأسر، والحكومة مضطرة إلى إعادة النظر في دعم الوقود. وفي 8 سبتمبر/أيلول، أعلنت السلطات رفع سعر البنزين إلى 100 ألف ريال للتر بالنسبة إلى الاستهلاك الذي يتجاوز الحصة المدعومة، في خطوة جاءت وسط اقتصاد يعاني أصلا من التضخم وتراجع قيمة الريال.
وليس البنزين في إيران مجرد سلعة.
ذاكرة الشارع تحتفظ جيدا بما حدث عام 2019، عندما تحولت زيادة أسعار الوقود إلى واحدة من أكبر موجات الاحتجاج التي واجهها النظام. ولذلك فإن أي قرار يتعلق بالوقود لا يقرأ في طهران باعتباره قرارا اقتصاديا فقط، وإنما بوصفه قرارا يحمل احتمالا سياسيا وأمنيا.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالنظام يستطيع أن يرسل قواته إلى الشوارع، لكنه لا يستطيع إرسالها إلى جيوب المواطنين. يستطيع أن يراقب الهاتف، لكنه لا يستطيع مراقبة رغيف الخبز الذي أصبح أكثر كلفة. يستطيع اعتقال المحتج، لكنه لا يستطيع اعتقال التضخم.
وهذا هو التناقض الذي يتسع يوما بعد آخر: آلة القمع تكبر، بينما قدرة السلطة على معالجة أسباب الغضب تتقلص.
وقد أثبتت انتفاضة يناير 2026 أن الانفجار الاقتصادي يمكن أن يتحول بسرعة إلى مواجهة سياسية. فوفق منظمة العفو الدولية، بدأت الاحتجاجات في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 على خلفية الانهيار الحاد للعملة وارتفاع التضخم وتدهور الظروف المعيشية، قبل أن تنتشر في أنحاء البلاد وتتحول إلى مطالب سياسية تتجاوز الاقتصاد. كما وثقت المنظمة استخدام القوات الأمنية القوة المميتة والاعتقالات الجماعية خلال القمع الذي بلغ ذروته في 8 و9 يناير/كانون الثاني.
الأهم من ذلك أن أربعة أعوام من انتفاضة 2022 لم تمح ذاكرة الشارع.
بل إن التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية، الصادر في 16 سبتمبر، يذهب إلى أبعد من توثيق الانتهاكات؛ إذ يقول إن جرائم ضد الإنسانية ارتكبت خلال قمع انتفاضة عام 2022، ويحدد 87 مسؤولا إيرانيا ينبغي التحقيق معهم جنائيا، وفق المنظمة. كما تؤكد أن المسؤولين والبنى التي شاركت في القمع ما زالت جزءا من جهاز الدولة.
وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات قسوة في المشهد الإيراني:
النظام الذي حاول إنهاء الاحتجاج بالقوة لم ينجح في إنهاء الأسباب التي تنتجه.
منذ 2017، مرورا بانتفاضة 2019، ثم 2022، وصولا إلى موجة 2025–2026، تتغير الشعارات والشرارات، لكن البنية العميقة للأزمة تبقى حاضرة: اقتصاد مأزوم، مجتمع غاضب، فجوة متسعة بين الدولة وقطاعات واسعة من المواطنين، وسلطة تواصل الاعتماد بصورة أساسية على الأمن باعتباره أداة إدارة سياسية.
وفي هذه البيئة يظهر عامل آخر لا تستطيع طهران تجاهله: المعارضة المنظمة.
فمنظمة مجاهدي خلق الایرانیة تقدم وحدات المقاومة باعتبارها شبكة ميدانية ناشطة داخل إيران، وتعلن بصورة دورية عن عمليات وأنشطة في مدن مختلفة. وهذه الادعاءات لا يمكن اعتبار أرقامها دليلا مستقلا على حجم حضورها الفعلي داخل المجتمع الإيراني، لكنها تكشف بوضوح أن المنظمة تسعى إلى لعب دور في ربط المعارضة السياسية بالنشاط الميداني.
وهذا بالضبط ما يثير حساسية الأجهزة الأمنية.
فالاحتجاج العفوي يمكن للنظام أن يحاصره بالعنف. أما الاحتجاج الذي يجد وسائل للتنسيق والاستمرار، أو قوة معارضة تحاول تحويل الغضب الاجتماعي إلى فعل سياسي منظم، فيمثل تحديا من طبيعة مختلفة.
ولهذا لا يبدو مستغربا أن يتكرر حضور “مجاهدي خلق” و”وحدات المقاومة” في الخطاب الأمني الإيراني كلما اقتربت ذكرى انتفاضة أو ارتفعت احتمالات الاحتجاج.
لكن المشكلة أن النظام قد ينجح في اعتقال ناشطين، وقد ينجح في تفكيك خلايا، وقد يفرض رقابة مشددة، لكنه لا يستطيع تفكيك الأزمة الاقتصادية بالطريقة نفسها.
وهنا يصل المشهد إلى جوهره:
الجائع لا يحتاج إلى من يقنعه بالغضب؛ يكفيه أن يفتح محفظته.
عندما يصبح الراتب عاجزا عن مواكبة أسعار الطعام، وعندما تنهار العملة، وعندما ترتفع تكلفة الوقود، لا تحتاج المعارضة إلى اختراع أسباب الاحتجاج. الأسباب موجودة في الحياة اليومية نفسها.
ولهذا فإن أخطر ما تواجهه السلطة ليس “مؤامرة” خارجية، كما قد يصورها خطابها الأمني، وإنما احتمال أن تتقاطع الأزمات المختلفة في لحظة واحدة: الاقتصاد مع السياسة، والاحتقان الاجتماعي مع الذاكرة الاحتجاجية، والغضب الفردي مع قدرة جماعية على التنظيم.
ذلك هو السيناريو الذي يفسر على الأرجح شدة الحساسية الأمنية تجاه أي تحرك شعبي.
فالنظام يعرف أن تجربة يناير 2026 لم تكن حادثا منفصلا عن الماضي. ومنظمة العفو الدولية نفسها تصفها ضمن سلسلة طويلة من موجات الاحتجاج التي واجهتها السلطات منذ 2017، وتقول إن القمع المتكرر لم يمنع عودة الاحتجاجات.
ومن هنا يمكن فهم المشهد الحالي باعتباره صراعا بين مسارين متناقضين.
مسار أول تراهن فيه السلطة على الأمن، والاعتقالات، والردع، والسيطرة على الشارع.
ومسار آخر تتحرك فيه أزمات المجتمع من الأسفل: أسعار، بطالة، عملة، فقر، فقدان ثقة، وذاكرة احتجاجية لم تعد قابلة للمحو.
وبين المسارين يقف المواطن الإيراني.
ذلك المواطن الذي لا يعنيه كثيرا عدد عناصر الأمن المنتشرين حول محطة الوقود، بقدر ما يعنيه سعر البنزين الذي سيدفعه. ولا تعنيه كثافة الخطاب الرسمي عن “الأعداء” بقدر ما يعنيه ما إذا كان راتبه قادرا على شراء احتياجات أسرته.
وهنا تحديدا تكمن هشاشة المعادلة التي يعتمد عليها النظام.
يمكن للقوة أن تمنع الناس من الصراخ، لكنها لا تستطيع أن تمنعهم من الشعور بالألم.
وإذا كان النظام قد تمكن خلال السنوات الماضية من شراء الوقت بالقمع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في 2026 هو: كم بقي من هذا الوقت؟
فالانتفاضات لا تنشأ دائما لأن المعارضة تريدها، وإنما قد تنشأ لأن المجتمع يصل إلى نقطة لا يعود فيها قادرا على تحمل شروط الحياة المفروضة عليه.
وعندما تلتقي هذه النقطة مع وجود قوى معارضة منظمة، ومع ذاكرة انتفاضات سابقة، تصبح كل أزمة اقتصادية جديدة أكثر من مجرد أزمة.
تصبح احتمالا سياسيا.
ولهذا فإن ما يجري في إيران اليوم لا ينبغي اختزاله في ارتفاع سعر البنزين، أو انهيار الريال، أو ذكرى انتفاضة مضت.
إنه صراع أعمق بين سلطة تراهن على قدرتها على إدارة الخوف، ومجتمع تتراكم داخله أسباب الغضب.
والتاريخ الإيراني الحديث يقدم درسا واضحا: قد ينجح الخوف في إسكات الشارع لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يحل محل العدالة، ولا أن يعيد قيمة العملة، ولا أن يخفض الأسعار، ولا أن يعيد الثقة.
وهنا ربما تكمن أخطر نقطة في المشهد كله:
عندما يصبح القمع هو الحل الوحيد الذي تملكه السلطة، فإن كل أزمة جديدة تتحول تلقائيا إلى اختبار جديد لبقائها.