صور لشهداء مجزرة صیف عام 1988
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لا شك أن إحالة الملف النووي للنظام الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي تمثل تطورا بالغ الأهمية، لما تحمله من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية على نظام جعل من برنامجه النووي أداة للابتزاز والمساومة، وسعى من خلاله إلى فرض نفسه لاعبا إقليميا ودوليا لا يمكن تجاهله. وقد جاءت هذه الخطوة في وقت يواجه فيه النظام أزمات متراكمة، ما يجعل تداعياتها أكثر حساسية عليه.
لكن ثمة ملفا آخر قد يكون أكثر خطورة على النظام، وربما أكثر قدرة على زعزعة أركانه من الداخل: ملف انتهاكات حقوق الإنسان.
فإذا كان الملف النووي يضع النظام أمام المجتمع الدولي بسبب سلوكه في المجال النووي، فإن ملف حقوق الإنسان يضعه أمام سجل طويل من القمع والقتل والإعدامات والاعتقالات والتعذيب والاختفاء القسري والتمييز المنهجي ضد النساء والأقليات وقمع الاحتجاجات الشعبية. وهذا ليس مجرد خطاب سياسي للمعارضة، بل بات موثقا في تقارير وآليات أممية مستقلة.
فقد خلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى وجود انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وأكدت أن بعض الانتهاكات المرتكبة في سياق قمع احتجاجات 2022 ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. كما واصلت الأمم المتحدة في عام 2026 تمديد عمل البعثة وتوسيع التحقيق في الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاجات اللاحقة.
ومن هنا تحديدا تكمن حساسية هذا الملف بالنسبة للنظام.
فإحالة قضية حقوق الإنسان إلى مجلس الأمن لن تعني مجرد إصدار إدانة جديدة تضاف إلى عشرات الإدانات السابقة، وإنما يمكن أن تنقل القضية من إطار المراقبة والإدانة السياسية إلى إطار أكثر ارتباطا بالمساءلة الدولية. وعندها لن يكون بمقدور النظام أن يتعامل مع الجرائم والانتهاكات باعتبارها “شأنا داخليا”، أو أن يكتفي برفض التقارير الدولية واتهام خصومه بالتدخل في شؤونه.
الأخطر بالنسبة للنظام أن فتح هذا الملف على مستوى مجلس الأمن يمكن أن يضع سجل القمع الإيراني بأكمله تحت المجهر: من مجازر وعمليات إعدام إلى قمع الانتفاضات، ومن اضطهاد النساء إلى الاعتقالات والتعذيب، وصولا إلى منظومة الإفلات من العقاب التي تحمي المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
ولهذا طالما دعت المقاومة الإيرانية إلى إحالة ملف حقوق الإنسان في إيران إلى مجلس الأمن الدولي. فالمعركة، في جوهرها، ليست معركة أرقام أو قرارات أممية، وإنما معركة شرعية.
إن النظام الذي يطالب العالم باحترام سيادته، بينما يحرم شعبه من أبسط حقوقه، سيجد نفسه أمام مفارقة تاريخية: كلما حاول حماية نفسه خلف جدران السيادة، ارتفع صوت الضحايا فوق تلك الجدران.
وقد يكون الملف النووي بداية المسار، لكن ملف حقوق الإنسان يمكن أن يكون أكثر الملفات قدرة على كشف حقيقة النظام أمام العالم وأمام شعبه في آن واحد. وإذا اجتمع الضغط الدولي على برنامجه النووي مع مساءلته عن جرائمه وانتهاكاته، فإن النظام لن يواجه أزمة خارجية فحسب، بل أزمة شرعية عميقة تضرب أساس وجوده.
وهنا تحديدا تكمن الهزة التي يخشاها النظام أكثر من أي قرار دولي آخر.








