موقع المجلس:
بمناسبة الذكرى الحادية والستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، يستعيد أحد الرواد الأوائل للمنظمة، مهدي خدائي صفت، محطات أساسية من مسيرة نضالية امتدت أكثر من ستة عقود، ويربط بين التجربة التأسيسية للمنظمة ومسار الأجيال التي تواصل المواجهة في الشوارع والسجون الإيرانية.
وفي شهادته ذات الطابع التاريخي والسياسي، يقدم خدائي صفت مفهوم «كسر سد الزمن» باعتباره تعبيراً عن القطيعة مع موروث المهادنة والاستسلام، وعن الانتقال إلى نموذج جديد من النضال الوطني. ويرى أن هذه المسيرة لم تقتصر على مواجهة نظام الشاه ثم نظام «الولي الفقيه»، بل أسهمت أيضاً في بلورة تصور سياسي وأخلاقي يرفض البدائل التي يعتبرها الكاتب امتداداً للديكتاتورية السابقة.
«كسر سد الزمن»: تحول فكري أسس لمسار جديد
يعود مهدي خدائي صفت في بداية روايته إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، وتحديداً إلى عامي 1969 و1970، مستذكراً عبارة وردت في أحد الكراسات التثقيفية للمنظمة حول تجارب الثورة الفلسطينية، ونُسبت إلى الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، جاء فيها: «يتزايد باطراد ووضوح كل يوم أولئك الذين كسروا سد الزمن وتجاوزوا موروث الماضي.. ونحن نقول إنهم تبلور شرف شعبنا الراهن».
ويشير الكاتب إلى أن هذه العبارة تركت أثراً عميقاً في وعي الجيل المؤسس، وتحولت من مجرد تعبير تعبوي إلى مبدأ للعمل التنظيمي والسياسي في مواجهة نظام الشاه.
وبحسب خدائي صفت، فإن مفهوم «كسر سد الزمن» لدى محمد حنيف نجاد ورفيقيه سعيد محسن وعلي أصغر بديع زادغان لم يكن محصوراً في اختيار العمل الثوري أو بناء تنظيم شديد الانضباط، وإنما تمثل أساساً في تحول فكري وأيديولوجي جذري.
فقد سعى محمد حنيف نجاد، وفق الرواية التي يقدمها الكاتب، إلى تجاوز التقسيم التقليدي بين المؤمن والملحد، ووضع معيار الصراع في موقع مختلف، يتمثل في التمييز بين «المُستغِل والمُستغَل».
ويرى خدائي صفت أن هذا الطرح شكل خروجاً على الأفكار السائدة آنذاك، كما مثّل رفضاً لنهج المساومة والمهادنة. وينقل عن حنيف نجاد انتقاده لبعض مظاهر المعارضة التقليدية وحلقات النقاش البرجوازية بقوله: «إن هذا النمط من الحياة والمآدب واللقاءات الترفيهية ليس نضالاً إطلاقاً».
ويصل هذا المسار، بحسب الكاتب، إلى ذروته في 25 مايو 1972، عندما دفع المؤسسون حياتهم ثمناً لرفض التنازل عن مبادئهم أو عقد صفقات لحماية أنفسهم، لتصبح تضحية المؤسسين بالدم، في نظر الكاتب، أحد مرتكزات استمرار الحركة الثورية.
انتخاب مهناز ميمنت: استمرارية تنظيمية وبداية مرحلة جديدة
تزامنت بداية العام الثاني والستين لمسيرة منظمة مجاهدي خلق الإيرانية مع انتخاب السيدة مهناز ميمنت أمينة عامة جديدة للمنظمة، خلال تجمع واسع ومتزامن لأعضائها في سبع دول أوروبية.
ويقدم النص هذا الانتخاب باعتباره أكثر من مجرد انتقال دوري للمسؤولية، ويراه مؤشراً على قدرة التنظيم على تجديد قيادته والاستعداد لدخول مرحلة جديدة من المواجهة مع نظام «الولي الفقيه»، في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بإيران.
وقد حصلت ميمنت على أغلبية الأصوات عبر ثلاث جولات متتالية، فيما تمتد مسيرتها القيادية والنضالية لعقود، كما يشير النص إلى أن والدتها وشقيقيها قُتلوا شهداء في مواجهة الاستبداد.
وأكدت السيدة مريم رجوي أن اختيار ميمنت يعكس الالتزام بالمبادئ الثورية والاستعداد لمواصلة العمل من أجل إسقاط نظام «الولي الفقيه» وتحقيق حرية الشعب الإيراني.
قافلة التضحيات: من أحمد رضائي إلى شهداء السجون
يرى خدائي صفت أن التضحية التي قدمها الجيل المؤسس دشنت سلسلة متواصلة من النماذج التي واصلت، على مدى العقود التالية، تحدي الخوف والقمع.
ففي 1 فبراير 1972، قُتل أحمد رضائي، ليصف الكاتب ذلك بأنه بداية فصل جديد من مسيرة الشهادة والتضحية الميدانية.
وفي 16 أغسطس 1975، أصبحت فاطمة أميني، وفق النص، أول شهيدة للمنظمة، بعد صمودها أمام التعذيب الشديد، لتقدم نموذجاً جديداً في مقاومة أجهزة القمع.
ثم توالت أسماء أخرى في الرواية، من سيمين هزبر التي صمدت أمام المحققين، إلى حميراء إشراق التي واصلت ترديد نشيد الحرية أثناء تعرضها للتعذيب، وصولاً إلى مجموعة من الشهداء في همدان ومدن أخرى، من بينهم مريم بروين ومجتبى نيكو ومحسن شمس وروح الله ناظمي.
ويستعرض الكاتب كذلك ما يعتبره من أقسى مراحل التعذيب في سجن قزل حصار، بما في ذلك ما عُرف بزنازين القبر والقفص و«الوحدات السكنية».
وتبلغ الرواية ذروتها، وفق النص، في صيف 1988، عندما واجه نحو ثلاثين ألف سجين سياسي ما عُرف بـ«لجان الموت»، في سياق المجزرة التي شهدتها السجون الإيرانية آنذاك.
ويستشهد الكاتب بكلمات يوسف عماد زاده أمام مقاصل الإعدام: «تهمتي أنني مجاهد وأنني أفتخر بذلك.. وكما قال حنيف الكبير، دماؤنا هي شرط حرية الشعب».
جيل جديد داخل السجون يرفع الراية نفسها
بعد مرور أربعة عقود على أحداث 1988، يصف النص ظهور جيل جديد من داخل السجون يحمل الإرث نفسه، مستشهداً بعبارة أكبر دانشواركار: «الراية التي كانت بيد محمد حنيف نجاد أصبحت اليوم بيدي».
ويرى الكاتب في هذا الموقف تعبيراً عن جيل جديد لا يعتبر الموت سبباً للتراجع، بل يتعامل معه باعتباره جزءاً من مسيرة المقاومة.
ويستحضر النص في هذا السياق أبياتاً شعرية تصف الإنسان الذي لا ينكسر تحت التعذيب، ولا يتراجع أمام الجلاد، ويجد في تحدي الموت معنى للحياة:
«أنتَ لا تعلم أيّ جبلٍ ذاك
الذي لا يئن تحت وطأة التعذيب والانكسار!
أنتَ لا تعلم أيّ بحرٍ تلك النظرة الواثقة للمحكوم
حين تحدّق بيقين في عيني حاكمٍ يرتعد ذعراً!
أنتَ لا تعلم أيّ حياةٍ تلك
حين يهزم الإنسانُ الموت!»
دور المرأة في المقاومة: من مرتفعات حسن آباد إلى معسكري أشرف وليبرتي
ويشير خدائي صفت إلى أن مفهوم «كسر سد الزمن» تجاوز حدود السجون والعمل السري، ليظهر أيضاً في تغير موقع المرأة داخل بنية القيادة والعمل الميداني.
فقد برزت النساء، بحسب النص، في العمليات العسكرية الكبرى، ومنها «الشمس الساطعة» و«الثريا» و«الضياء الخالد»، حيث شاركت المناضلات في قيادة وحدات وكتائب الاشتباك.
ويبرز الكاتب شخصية طاهرة طلوع، المعروفة باسم «سارا»، التي أصبحت، بعد مقتلها في مرتفعات حسن آباد، رمزاً لدور المرأة في الحركات التحررية، وفق الرواية الواردة في النص.
كما امتد هذا الإرث، بحسب الكاتب، إلى سنوات الصمود في معسكري أشرف وليبرتي، حيث واجه أعضاء المنظمة الهجمات الصاروخية والدبابات.
ويستشهد النص بالكلمات الأخيرة للشهيدة الشابة صبا هفت برادران، التي قالت وهي تنزف: «سنصمد حتى النهاية»، معتبراً أن هذه العبارة تعكس استمرار الروح التي انطلقت مع الجيل المؤسس لدى أجيال لم تعش البدايات الأولى للمنظمة.
بين «أصالة الفداء» والبدائل السياسية المصطنعة
ينتقل خدائي صفت بعد ذلك إلى مقارنة سياسية وأخلاقية بين نموذج المقاومة الذي يعرضه وبين تيارات سياسية أخرى.
ففي الوقت الذي يعاني فيه الشعب الإيراني، وفق النص، من الفقر والقمع وسياسات النظام، تظهر جماعات يصفها الكاتب بأنها مرتبطة ببقايا الديكتاتورية السابقة، وفي مقدمتها الدائرة المحيطة بابن الشاه، والتي يتهمها بالابتذال السياسي والأخلاقي والمالي.
ويرى الكاتب أن هذه الجماعات تنتظر التغيير من الخارج، وتعول على التدخل العسكري الأجنبي، في محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
وفي مقابل ذلك، يطرح النص نموذجاً يقوم على التضحية والعمل الداخلي ومواجهة الاستبداد من داخل المجتمع الإيراني.
مهناز ميمنت: تجديد القيادة مع بداية العقد الثاني والستين
يعود النص مجدداً إلى انتخاب مهناز ميمنت، مشيراً إلى أن أعضاء مجاهدي خلق شاركوا في تجمعات متزامنة عبر سبع دول، وأسفر التصويت، الذي جرى على ثلاث جولات، عن انتخابها أمينة عامة جديدة للمنظمة.
ويقدم النص خلفيتها النضالية والعائلية باعتبارها جزءاً من مسار طويل من مواجهة الاستبداد، فيما ترى مريم رجوي أن اختيارها يمثل تجسيداً للالتزام الثوري والاستعداد لمواصلة النضال ضد نظام «الولي الفقيه».
«لن نساومكم على أرواحنا»: الشهادة باعتبارها التزاماً أخلاقياً
وفي مواجهة ما يصفه الكاتب بالتراجع السياسي للبدائل المنافسة، يطرح سؤالاً حول المكان الذي يمكن أن تتمثل فيه الرمزية الوطنية الإيرانية الحقيقية.
ويجيب بأن هذه الرمزية تكمن، من وجهة نظره، في أولئك الذين يقدمون حياتهم ثمناً لمبادئهم ولما يعتبرونه مصلحة لشعبهم.
ويضرب مثالاً بالقائد وحيد بني عامريان ورفاقه الخمسة، الذين يواجهون خطر الإعدام، وينقل عنهم قولهم: «لن نساومكم على أرواحنا».
كما يستشهد بالشهيد مهدي خانكي الذي كتب عهده قائلاً: «أقسم أن أبقى مجاهداً في هذا الطريق بروح مقاتلة، وأن أموت مجاهداً».
ويبرز كذلك عبارة وحيد بني عامريان: «حرامٌ عليّ حياةٌ يكون ثمنها الدوس على الضمير وتجاهل آلام شعبي»، باعتبارها، في رؤية الكاتب، خلاصة للمبدأ الأخلاقي الذي يستند إليه هذا النموذج من المقاومة.
ويضيف النص أن أكثر من ألف شاب أعلنوا، في 26 مايو 2026، انضمامهم إلى نهج المقاومة الرافض للاستبداد والتبعية، معتبراً أن هؤلاء يشكلون جزءاً من النواة الجديدة لـ«وحدات المقاومة» في المدن الإيرانية.
ستة عقود من المقاومة: إرث يتحدى القمع
يخلص مهدي خدائي صفت في قراءته إلى أن أكثر من ستة عقود من النضال والتضحيات جعلت من تجربة مجاهدي خلق، وفق رؤيته، أكثر من مجرد مسار تنظيمي، لتتحول إلى معيار سياسي وأخلاقي لمعنى الكرامة والمقاومة في إيران.
ويرى أن محاولات احتواء هذا المسار أو القضاء عليه لم تنجح، وأن استمرار الأجيال الجديدة في حمل راية المؤسسين يمثل دليلاً على بقاء هذا الإرث داخل المجتمع الإيراني.
وفي ختام النص، يؤكد الكاتب أن وحدات المقاومة تواصل نشاطها في مواجهة أجهزة النظام، في وقت يصف فيه النظام بأنه يواجه أزمات متراكمة وسخطاً شعبياً متزايداً.
كما يشدد على رفض إعادة إنتاج أي من النموذجين السابقين، سواء نظام الشاه أو نظام «الولي الفقيه»، مجدداً الشعار الذي يختصر هذا الموقف: «لا للشاه ولا للولي الفقيه».
وينتهي النص بالتأكيد على أن الهدف المعلن للمقاومة الإيرانية يتمثل في إسقاط نظام «الملالي» وإقامة جمهورية ديمقراطية تعددية ومستقلة، تقوم على السيادة الوطنية، وتحمي حقوق الإنسان والكرامة والحريات.








