موقع المجلس:
أعادت المأساة الإنسانية التي انتهت بوفاة الطفلة البلوشية مليكا همت زاده، البالغة من العمر 13 عاماً، إثر تعرضها للدغة عقرب، تسليط الضوء على حالة الانهيار الواسع التي تعاني منها المنظومة الصحية في محافظة سيستان وبلوشستان، وما يرافق ذلك من إهمال متواصل يعرّض حياة المواطنين للخطر.
وقد كشفت تفاصيل هذه الحادثة المأساوية عن حرمان قرى وبلدات بأكملها من الحد الأدنى من الخدمات الطبية الطارئة، في ظل غياب الأطباء وسيارات الإسعاف، ونقص الصفائح الدموية والأمصال والأدوية المضادة للسموم، فضلاً عن النقص الحاد في أسرّة العناية المركزة. ومع وجود عجز يتجاوز 1600 سرير طبي، وعدم توفر سوى 6.5 طبيب لكل عشرة آلاف نسمة، تتضح بصورة أكبر أبعاد الأزمة الصحية في هذه المحافظة.
وتؤكد هذه الوقائع أن الحرمان من الرعاية الصحية والتمييز المنهجي بحق سكان المناطق المهمشة ليسا مجرد حالات فردية، بل يمثلان انعكاساً مباشراً لسياسات سلطة الولي الفقيه التي يجري فيها توجيه موارد البلاد نحو أجهزة القمع وحرس النظام الإيراني ومغامراته الإقليمية، بدلاً من توفير أبسط حقوق المواطنين في العلاج والحياة.
احتجاجات عمالية متصاعدة في إيران رفضاً للفقر واحتكار حرس النظام لثروات البلاد
أدى الانخفاض المتواصل في قيمة العملة الوطنية إلى تراجع الأجر الشهري الأساسي للعمال في إيران إلى نحو 80 دولاراً فقط، في الوقت الذي تجاوزت فيه تكلفة الحد الأدنى لسلة المعيشة 90 مليون تومان. ونتيجة لذلك، لم يعد دخل العامل يكفي إلا لتغطية نفقات نحو ثمانية أيام من الشهر.
وفي ظل تجميد الأجور وتدهور القدرة الشرائية، تتواصل عملية استنزاف ثروات البلاد لصالح حرس النظام والمشاريع والمغامرات الإقليمية، الأمر الذي يفاقم الضغوط الاقتصادية ويهيئ لمزيد من الاحتقان والاحتجاجات العمالية والاجتماعية.
مأساة الطفلة مليكا: إهمال متسلسل انتهى بالموت
تكشف وفاة الطفلة مليكا همت زاده، من قرية دَسْك التابعة لمدينة نيكشهر، عن صورة مؤلمة لحالة الرعاية الصحية الأولية في المناطق النائية. فبعد أن تعرضت للدغة عقرب، وجدت أسرتها نفسها أمام سلسلة من العقبات القاتلة؛ إذ كان المركز الصحي في القرية مغلقاً بسبب عدم وجود طبيب، كما لم تتوفر سيارة إسعاف في مدينة بنت لنقل الطفلة إلى مستشفى 22 بهمن في نيكشهر.
ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، فقد تعذر توفير الصفائح الدموية التي كانت ضرورية لإنقاذ حياتها في مستشفيات نيكشهر وتشابهار، في حين لم يكن هناك أي سرير شاغر في وحدة العناية المركزة (ICU). وبعد ساعات من المعاناة والتشنجات والألم، فارقت الطفلة حياتها.
ولا تبدو هذه الحادثة حالة استثنائية، إذ تشير الوقائع إلى تسجيل 2771 حالة لدغ عقارب و5 وفيات في مناطق بنت وكوجينك وآبكاه منذ مارس 2026، في وقت لا تتوفر فيه الأمصال اللازمة أو وحدات الطوارئ السريعة للتعامل مع مثل هذه الحالات المتكررة.
نقص حاد في الأسرّة الطبية والكوادر والتخصصات الأساسية
تعكس الأرقام الميدانية اتساع الفجوة بين احتياجات السكان والإمكانات الصحية المتاحة. ففي ست مقاطعات جنوب المحافظة، لا يتجاوز مجموع الأسرّة الطبية العاملة 350 سريراً، مقابل عجز موثق يزيد على 1600 سرير.
ويترافق هذا العجز في البنية التحتية مع نقص كبير في الكوادر الطبية المتخصصة، إذ لا يتجاوز معدل الأطباء 6.5 طبيب لكل عشرة آلاف مواطن، إلى جانب نقص شديد في طواقم التمريض وأطباء التخدير واختصاصيي جراحة الأطفال والنساء والولادة.
ويطال هذا الحرمان أيضاً نحو 3500 مريض بالثلاسيميا في المحافظة، يحتاج كل واحد منهم إلى وحدتين من الدم شهرياً. إلا أن نفاد مخزون بنوك الدم يجبر العديد من المرضى على العودة إلى منازلهم من دون الحصول على العلاج، أو لا يحصلون إلا على نصف الكمية المطلوبة من الدم.
أدوية باهظة الثمن ومعاناة مضاعفة لمن لا يملكون وثائق ثبوتية
تزداد أوضاع المرضى سوءاً مع الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية المنقذة للحياة. فقد ارتفع سعر دواء ديسفيرال المستخدم للتخلص من الحديد الزائد في دم مرضى الثلاسيميا إلى نحو 80 مليون ريال للعبوة الواحدة، وهو مبلغ يفوق قدرة الأسر الفقيرة والكادحة على تحمله، ولا سيما أنها تواجه أيضاً صعوبة في تحمل تكاليف السفر إلى المستشفيات المركزية.
ولا تكفي هذه الكمية المرتفعة الثمن إلا لتوفير 80 جرعة من أصل 120 جرعة يحتاج إليها المريض شهرياً.
وتتفاقم الأزمة بالنسبة إلى آلاف المواطنين في سيستان وبلوشستان الذين لا يمتلكون وثائق ثبوتية أو بطاقات هوية وطنية، إذ يؤدي هذا الوضع إلى حرمانهم عملياً من التأمين الصحي ومن العلاج المجاني في المستشفيات الحكومية. وهكذا يتحول الحرمان الإداري والبيروقراطي من الوثائق إلى عامل إضافي يهدد حياة الفئات الأكثر فقراً وضعفاً.
ميزانيات النظام تكشف المفارقة: 700 مليون دولار للميليشيات مقابل حرمان 12 مليون إيراني من الخدمات الأساسية
تكشف الأوضاع في المحافظات الإيرانية المهمشة، ومنها سيستان وبلوشستان وبوشهر والمناطق البختيارية، عن حرمان واسع من أبسط مقومات البنية التحتية والخدمات العامة، رغم ما تتمتع به البلاد من ثروات طبيعية ضخمة.
وفي بعض المناطق، وصل الأمر إلى اضطرار الأهالي إلى نقل المرضى عبر الأنهار باستخدام زوارق بدائية، بينما تنفق سلطات النظام مئات الملايين من الدولارات على دعم أذرعها وميليشياتها الإقليمية. وتعمق هذه المفارقة حالة الغضب الشعبي تجاه الطريقة التي تُبدد بها ثروات البلاد بدلاً من توجيهها لتحسين حياة المواطنين.
بنية صحية متهالكة ونهب مخصصات الإنقاذ وإعادة الإعمار
أثبتت الوقائع أن وجود مبنى يحمل اسم مستشفى في بعض مدن المحافظة لا يعني بالضرورة توفر خدمة صحية حقيقية، إذ تفتقر العديد من هذه المنشآت إلى المعدات التشخيصية الأساسية، وغرف العمليات المجهزة، وأجهزة التنفس الاصطناعي.
كما ساهمت التوترات والضربات العسكرية في زيادة تدهور هذه المنشآت التي تعاني أصلاً من الضعف، ومن ذلك ما تعرض له مركز طوارئ تشابهار ومستشفى إمام علي من أضرار نتيجة الشظايا. وترافق ذلك مع تضارب الروايات الرسمية والتعتيم على حجم الضحايا الذين يفارقون الحياة بصورة يومية نتيجة التأخر في التشخيص ونقص الإمكانات الطبية.
وفي الوقت الذي تعلن فيه ميزانيات لإعادة الإعمار وتحسين البنية الصحية، تلتهم شبكات الفساد الإداري هذه المخصصات، فيما تبقى المحافظة محرومة من حقوقها الأساسية في التنمية وتطوير مرافقها الصحية.
انهيار المنظومة الصحية نتيجة مباشرة لسياسات النظام
تؤكد الكارثة الصحية المتفاقمة في سيستان وبلوشستان، بحسب النص، الطابع القمعي والتمييزي لسياسات نظام الولي الفقيه، حيث يُترك الأطفال والمواطنون في المناطق المهمشة لمواجهة الموت بسبب لدغات العقارب ونقص أكياس الدم، في بلد يمتلك، وفق النص، من أكبر احتياطيات النفط والغاز في المنطقة.
إن انهيار الخدمات الطبية وتحول الحصول على العلاج إلى أمر بالغ الصعوبة يكشفان، وفق هذا الطرح، عن منظومة تضع حياة المواطنين وحقوقهم في مرتبة ثانوية، بينما تُسخّر الموارد الوطنية لحماية أجهزة النظام وحرسه.
ويخلص النص إلى أن إنهاء دائرة الحرمان الواسع واستعادة كرامة المواطنين وحقهم في الحياة لن يتحققا، وفق رؤيته، إلا من خلال إسقاط منظومة الاستبداد وإقامة جمهورية ديمقراطية تكفل العدالة والمساواة لجميع القوميات والمحافظات الإيرانية.








