موقع المجلس:
لم يعد الفقر في إيران مجرد أزمة اقتصادية يمكن للسلطات التغطية عليها بالأرقام الرسمية أو إرجاع أسبابها إلى العقوبات والضغوط الخارجية. فالمؤشرات التي تنشرها وسائل الإعلام التابعة للنظام نفسه تكشف عن حجم غير مسبوق من التدهور الاجتماعي، في ظل عجز قطاعات واسعة من الإيرانيين عن تأمين أبسط احتياجات الحياة.
ووفقاً لأحدث تقديرات نشرتها صحيفة «ابتكار» الحكومية في 24 أغسطس، ارتفعت تكلفة سلة المعيشة إلى نحو 90 مليون تومان، فيما أصبحت سبع شرائح من أصل عشر تحت خط الفقر.
وباحتساب عدد سكان إيران بنحو 90 مليون نسمة، فإن ذلك يعني أن قرابة 63 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر. ولا يتعلق الأمر بمجرد رقم اقتصادي، بل بعشرات الملايين الذين بات الحصول على الغذاء واللحوم والبروتين ومنتجات الألبان والأدوية والسكن بالنسبة إلى كثير منهم تحدياً يومياً.
وهنا يبرز سؤالان أساسيان: كيف وصلت دولة غنية بالنفط والغاز والموارد الطبيعية والبشرية إلى هذا المستوى من الفقر؟ وإلى أي اتجاه يمكن أن يقود هذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي؟
من شعارات نصرة المستضعفين إلى إفقار نحو 70 بالمائة من المجتمع
عندما وصل نظام ولاية الفقيه إلى السلطة، رفع شعارات الدفاع عن «المستضعفين»، ووعد بتوفير السكن والخدمات والمياه والكهرباء وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
لكن بعد أكثر من أربعة عقود، تكشف الأرقام الرسمية نفسها أن نحو 70 بالمائة من الإيرانيين باتوا يعيشون تحت خط الفقر.
ولا يمكن اختزال هذه النتيجة في سوء الإدارة أو العقوبات الاقتصادية أو أداء حكومة بعينها، لأن جذور الأزمة، بحسب المعطيات الواردة في النص، ترتبط بصورة أعمق بأولويات النظام السياسية والاقتصادية وبكيفية إدارة موارد البلاد على مدى العقود الماضية.
فبدلاً من توجيه الثروة الوطنية نحو التنمية، وتحسين الخدمات، وتطوير البنية التحتية، وخلق فرص العمل، جرى استنزاف موارد هائلة في البرامج العسكرية والصاروخية والنووية، والتدخلات الإقليمية وتمويل الجماعات التابعة للنظام، فضلاً عن الإنفاق الواسع على الأجهزة الأمنية والقمع الداخلي.
وبذلك وجد المواطن الإيراني نفسه يتحمل تكلفة سياسات لم يقررها، بينما تراجعت استفادته من ثروات بلاده بصورة متواصلة.
الحرس ومؤسسات السلطة.. اقتصاد موازٍ يهيمن على قطاعات واسعة
ترتبط الأزمة المعيشية أيضاً بطبيعة الهيكل الاقتصادي في إيران، حيث تسيطر المؤسسات التابعة لمكتب الولي الفقيه والحرس على مساحات واسعة من الاقتصاد، بما في ذلك شركات ومشاريع وقطاعات كبرى.
وعندما تخضع أجزاء أساسية من الاقتصاد لمؤسسات عسكرية وأمنية وشبكات مرتبطة بمراكز السلطة، بعيداً عن قواعد الشفافية والمساءلة المعتادة، يصبح من الصعب أن تكون الأولوية الأساسية هي تحسين حياة المواطنين.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: إيران دولة غنية بالموارد، لكن عشرات الملايين من مواطنيها يعيشون في الفقر.
ويشكل هذا التناقض بين ثراء البلاد وتدهور أوضاع الشعب أحد أبرز مصادر الغضب المتراكم داخل المجتمع.
دخل شهر كامل لا يغطي سوى ثمانية أيام
تكشف بيانات الأجور عن جانب آخر من حجم الأزمة.
فبحسب صحيفة «ابتكار»، بلغ مؤشر أسعار المنتجين مستوى قياسياً وصل إلى 71 بالمائة، بينما تراجعت قدرة أجور العمال على تغطية نفقات المعيشة من 58.24 بالمائة في بداية العام إلى 27.58 بالمائة في نهاية شهر تير.
وبترجمة هذه الأرقام إلى الواقع اليومي، فإن دخل العامل لا يكفي لتغطية سوى ما يقارب ثمانية أيام من نفقات الشهر.
أما الأيام الـ22 المتبقية، فتفتح الباب أمام سلسلة متصاعدة من الأزمات: الاستدانة، والتخلي عن شراء اللحوم والألبان، وتأجيل العلاج، والبحث عن أعمال إضافية، وبيع الممتلكات، وتقليص الإنفاق على تعليم الأبناء، بما يدفع المزيد من الأسر نحو الفقر.
وبالتالي، لم تعد القضية مجرد ارتفاع في الأسعار، بل أصبحت فجوة هيكلية متسعة بين مستوى الدخل وتكاليف المعيشة، تجعل شرائح متزايدة من المجتمع غير قادرة على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ما وراء الأرقام.. لماذا يخشى النظام من اتساع الفقر؟
تكمن خطورة الفقر بالنسبة إلى النظام في أن الأزمة الاقتصادية لا تبقى بالضرورة اقتصادية إلى الأبد.
فعندما يعيش ملايين المواطنين سنوات طويلة تحت ضغط التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار، في الوقت الذي يشاهدون فيه الموارد الوطنية تُنفق على المشاريع العسكرية والحروب والأجهزة الأمنية، يمكن أن يتحول الإحباط المعيشي تدريجياً إلى غضب سياسي.
وهذا تحديداً ما يثير مخاوف السلطة.
فالتجارب والانتفاضات السابقة أظهرت أن المطالب الاقتصادية والمعيشية قد تتحول بسرعة إلى احتجاجات سياسية تتجاوز المطالب الأولية وتستهدف النظام برمته. ولذلك، فإن التحذيرات المتكررة داخل مؤسسات النظام ووسائل إعلامه من تراكم السخط الاجتماعي تعكس، بحسب النص، خشية حقيقية من تداعيات الأزمة.
كما أن أدوات القمع التقليدية لا تستطيع معالجة جذور المشكلة. فالإعدام قد يزرع الخوف، لكنه لا يخفض أسعار الخبز؛ والاعتقال قد يوقف احتجاجاً لفترة، لكنه لا يوفر وظيفة للعاطل؛ وقوات الأمن قد تفرق تجمعاً، لكنها لا تستطيع إعادة القوة الشرائية إلى ملايين الأسر.
الحروب في الخارج والفقر في الداخل.. علاقة تتسع
يقدم النظام سياساته العسكرية والإقليمية باعتبارها جزءاً من حماية أمن البلاد، إلا أن المواطن الإيراني يلمس نتائج مختلفة في حياته اليومية.
فكل مورد يُنفق على المغامرات الخارجية أو البرامج العسكرية أو أجهزة القمع هو مورد لا يُوجَّه، في المقابل، إلى المدارس والمستشفيات والبنية التحتية والأجور وفرص العمل.
ومن هنا، تصبح الصلة بين الإنفاق العسكري والسياسات الخارجية وبين الفقر الداخلي قضية سياسية مباشرة.
لقد جعل النظام، وفق هذا الطرح، أمنه وبقاءه في مقدمة أولوياته، حتى على حساب أمن المواطن ورفاهه. لكن هذه السياسة تحمل تناقضاً داخلياً: كلما ازدادت الأعباء التي يتحملها المجتمع من أجل حماية النظام، ازداد الغضب الموجه ضد النظام نفسه.
حين يلتقي السخط الشعبي بالتنظيم
لا تواجه السلطة مجتمعاً يعاني الفقر فحسب، بل تواجه أيضاً وجود مقاومة منظمة وشبكات لوحدات المقاومة المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية في عدد من المدن.
فالغضب الشعبي قد ينتج احتجاجات متفرقة، لكن التحدي الأكبر لأي نظام استبدادي يظهر عندما يلتقي السخط الواسع مع قوة منظمة قادرة على مواصلة نشاطها رغم القمع.
ومن هذا المنطلق، يربط النص بين حملات الاعتقال والإعدام والملاحقة التي تستهدف المعارضين والأشخاص الذين تتهمهم السلطات بالارتباط بمنظمة مجاهدي خلق، وبين مخاوف النظام من اندلاع انتفاضات جديدة.
فالسلطة تدرك أن المجتمع الذي شهد موجات متتالية من الاحتجاجات لم يعد كما كان قبل عقود، وأن كل زيادة في الأسعار، وكل تراجع في قيمة الأجور، وكل أسرة جديدة تنزلق إلى ما دون خط الفقر، تضيف مستوى جديداً إلى تراكم الغضب.
الفقر لم يعد أزمة معيشية فقط.. بل أزمة بقاء للنظام
إن وصول نحو سبعة أعشار المجتمع إلى ما دون خط الفقر يمثل، وفق المعطيات المطروحة، أكثر من مجرد إخفاق اقتصادي؛ فهو مؤشر سياسي على عجز نظام يحكم بلداً غنياً بالموارد عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيه.
وقد تتمكن السلطة لفترة من إدارة الأزمة عبر المساعدات المحدودة والدعاية والإجراءات الأمنية والقمع، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقائق الاقتصادية والاجتماعية.
فعندما لا يكفي دخل العامل إلا لثمانية أيام، وعندما يصبح الطعام والدواء والسكن عبئاً يفوق قدرة عشرات الملايين، وعندما يرى المواطن أن موارد بلاده تُنفق على الحروب والمشاريع العسكرية وأجهزة السلطة، يتحول الفقر من معاناة فردية إلى غضب جماعي قابل للانفجار.
وهنا تكمن المفارقة الأبرز: النظام الذي استنزف جانباً كبيراً من ثروات إيران بهدف تعزيز بقائه، قد يكون قد أسهم في الوقت نفسه في إنتاج الظروف الاجتماعية التي تهدد هذا البقاء.
إن 63 مليون إيراني تحت خط الفقر ليسوا مجرد رقم في تقرير اقتصادي، بل مؤشر على مجتمع تراكمت داخله، تحت وطأة الأزمات المعيشية، مشاعر واسعة من السخط والغضب. ومع وجود تجربة متكررة من الانتفاضات ومقاومة منظمة تعمل في الداخل، فإن هذا الغضب قد يتحول، عند توفر الظروف المناسبة، إلى موجة احتجاج واسعة يصعب على أجهزة القمع احتواؤها.








